في فترة الإستبداد السياسي العربي أي في فترة الخمسينات والستينات، كنت لم أولد بعد ، وكنت ما أزال في علم الغيب بل وكانت أمي لا تزال طفلة وأبي لا يزال مراهقاً لم يتزوجها بعد.
وشاء الله لي أن أبصر النور في السبيعنات الميلادية. وبعد أن خرجت إلى الدنيا وعشت فيها سنين طويلة أحسست بنوع من الحنين إلى تلك الفترة وما قبلها، فذهبت أطلع عليها وأقرأ لكبار الكتاب فيها بل وامتد شغفي لفترة الحرب العالمية الأولى وكنت أقرأ عنها وكذلك لكبار الكتاب في تلك الفترة.
وفي كل فترة كنت لا أزال أرى فكراً عاماً يتناقله الناس بينهم، هذا الفكر ليس من صنع الناس أو من وحي أفكارهم بل هو ترديد لدعايات حكومية كالتي كانت تتردد على لسان كل مصري وعربي عن القومية إبان حكم جمال عبدالناصر.
فعندما تقرأ عن القومية العربية وعن الناصرية ستندهش من الحرارة العنيفة التي كان الناس يتعاملون بها مع تلك القضية وتلك المفاهيم السياسية. والناس كانوا مقتنعين بجدوى مايقولون ومايرددون على ألسنتهم إلى أن جاء أنور السادات وبدأ العداء نحو الغرب يخف تدريجياً وخصوصاً بعد اتباعه لسياسة الباب المفتوح وتلقيه المعونات الإقتصادية من أمريكا.
هذه مقدمة سياسية قد تبدو لاعلاقة لها بالموضوع، وفي الحقيقة أنا لم أتطرق لهذه المقدمة إلا من أجل أن أشير إلى نقطة واحدة سأربط بينها وبين واقعنا الإسلامي وهي مسألة الفكر الغريب الذي لا ينشأ في عقلية الناس بل يعتادون عليه من جراء تكراره ويصبحون يفكرون به وإن كانوا هم في الأساس لا يعتقدون به.
وهذه ردة فعل طبيعية للمؤثر الخارجي لو كان قوياً ولم يجد مقاومة فكرية من داخل الشخص المستهدف.
هذا الفكر هو عبارة عن دعايات حكومية تسمى “البروباقاندا” وهو نتيجة لخطط فكرية مرسومة تجعل الناس يفكرون في الإسلام بطريقة معينة ويقتنعون بها على الرغم من أنها غريبة عنهم ولكن تكرارها يجعل الإنسان يفكر بها بل ولا يستطيع أن يفكر خارجها.
وما أشبه اليوم بالبارحة ، فهانحن اليوم نشاهد بأنفسنا كيف إن الإسلام أصبح دعايات حكومية لدعم توجهات الحكومات.
كلنا يذكر كيف كان الإسلام في الثمانينات وبداية التسعينات عندما كان عبارة عن موجة عارمة من الفكر الجهادي ضد غير المسلمين، بل وأذكر أنا شخصياً كيف كان شباب الحي الذي كنت أعيش فيه يتدافعون من أجل الذهاب إلى أفغانستان لطلب الشهادة في سبيل الله.
وشاء الله أن أعيش لأرى بعد ذلك كيف أصبح الجهاد شعاراً لا يستخدم إلا في المناسبات الرسمية وضد قضية واحدة وهي قضية فلسطين، وشاء الله لي أن أعيش أيضاً لأرى كيف أصبح فكر الجهاد ضد الكفار عبارة عن فكر ضال ومنحرف لا يتناسب مع الإسلام وسماحته.
لقد شاهدت بعيني وسمعت بأذني عندما كنت طالباً في المرحلة المتوسطة كيف كانت عقيدة الولاء والبراء جزءاً من مفاهيمنا العامة وكيف كانت المؤسسات الدينية و”أهل العلم الثقات” يحاولون أن يرسخوها بعقول شباب الأمة، وها أنا أعيش اليوم لأرى نفس إرتكاسة الفكر وأرى كيف إن المؤسسات ذاتها والأشخاص ذاتهم يدعون إلى التسامح وحب الأخر والتقرب إلى الآخر والرغبة في إنشاء حوار الحضارات مع باقي حضارات العالم.
في وسط هذه كله رأيت كيف أن الجميع يلعب بالمسلم البسيط ويستغله لأغراض ومصالح ورأيت كيف أن المسلمين البسطاء يرددون المفاهيم العامة ويقتنعون بها من غير وعي ولا إدراك.
والعلماء والحكومات يحاولون أن يجعلوا المسلم اليوم في حقبة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر يتطلع إلى التسامح وحب الأخرين ويرى أن الجهاد وقتال الأمريكان والكفار جزء من فكر منحرف ضال. وأنا لا أحاول هنا أن أنتقد هذه الأفكار أو أن أحللها أو أن أعلق عليها، كل هدفي هو أن يرى الجميع بنفسه أن غالبية ما نعتقده ليس إلا جزء من سياسات مرسومة.
وأعجبني ما أشار إليه جلال أمين في كتابه “التنوير الزائف” عن حدود الفكر الذي لايمكن التفكير خارجه.
وهذه كانت فكرة وإسم كتاب لنعوم تشومسكي عالم اللغويات الأمريكي الذي احترف النقد السياسي فيما بعد.
وكان نعوم تشومسكي يشير إلى أن الدول تضع حدوداً للفكر لا يمكن للشخص أن يفكر خارجه والناس للأسف يظنون أن هناك حرية تامة للرأي، وهذا خطأ فهناك حرية في حدود معينة ترسمها الدولة.
وكان هذا واضح في أمريكا خصوصا في أثناء الحرب الباردة، إذ كان الكلام عن الشيوعية يعتبر جريمة كما إن الكلام اليوم عن السامية غير مسموح به بل ويعد جريمة.
والإسلام اليوم ليس إلا دين له حدود مرسومة من قبل الدولة، والمسلم البسيط تقذف في عقله الأفكار قذفاً كما تقذف الأوراق في سلة المهملات والناس ليس أمامها إلا التلقي.
الكل اليوم يكتب عن الفئة الضالة وعن الفكر المنحرف والناس كلها تدعم هذا الكلام المكتوب وهذا الانتقاد الشديد للفكر الضال، ولكن أين كان كل هؤلاء قبل سنين أيام الحرب الأفغانستانية الروسية؟
إن هؤلاء ليسوا إلا صورة مكررة من أبطال العروبة في زمن عبدالناصر الذين فتح لهم الباب إلى الخارج في عهد السادات ومبارك وأصبحوا يدعون إلى السلام والتطبيع والتعاون التجاري مع إسرائيل والجلوس على طاولة المفاوضات مع الغرب.
الناس تكتب اليوم وتدعو إلى أفكار إسلامية معينة وتنتقد أفكار إسلامية أخرى ولكن لا أحد ينظر إلى المستقبل عندما تتغير المصالح السياسية والسياسات المرسومة. فعندما يتغير كل هذا سنجد كل ما يكتب اليوم ليس إلا نفاقاً ودعايات حكومية. وكل هذا والناس تصدق كل ما يكتب عن الإسلام وتؤمن به.
ويوجد بيننا كتاب وعلماء يكتبون بنفاق ونحن نصدقهم لأننا لا إيمان عميق لدينا بأفكارنا ومبادئنا ولا ندافع عنها من جهة، ولأننا نتلقى ديننا من عند علماء نصبتهم الحكومات علينا من جهة أخرى. ويبدو أننا سنبقى كما نحن مجرد سلة مهملات للعلماء الذين ينفذون خطط الحكومات إلى أن يشاء الله غير ذلك.
إن ما نمر به اليوم ليس إلا امتداد للبارحة ونحن لانزال نفكر في حدود الفكر الغير مسموح بالتفكير خارجه. ونحن لن نصبح أمة واعية أو ناضجة طالما أننا لانزال بهذه العقليات.
أقول هذا ونحن اليوم نتذكر أحداث الحادي عشر من سبتمبر للسنة السابعة التي غيرت مجرى تاريخنا وأنشأت العديد من الأفكار والمعتقدات وألغت أخرى سبقتها.
كيف سيكون مستقبلنا مع الغرب وماهي الإيديولجيات التي سنتعامل بها مع باقي العالم. لا شئ واضح حالياً سوى الاعتذار وإظهار المصالحة مع الغرب.
وأظن أننا اعتذرنا بما يكفي وحان لنا أن تكون لنا سياسة واضحة وأن يكون لنا موقف مع الذين اعتذرنا سنين طوال في حقهم. وقبل ذلك لا بد أن يكون لنا موقف واضح مع أنفسنا أو مع ما نريد أن نؤمن به وكفى تلاعباً بعقلونا وبمعتقداتنا في عصر اللعب فيه “على المكشوف”.
