حجم الخط

- Aa +

الثلاثاء 28 مايو 2019 09:45 ص

حجم الخط

- Aa +

"هاري القذر" أصبح المستشرق الجديد ليواجه بنفسه العرب والمسلمين

يكشف تحليل جديد مدى التحول الهائل في مواقف الغرب من العرب والمسلمين منذ قرابة 40 سنة بعد صدور كتاب الاستشراق، ويحن إلى ذلك الزمان الذي كانت تهمة الاستشراق بمثابة اتهام خطير يماثل الاتهام بالعنصرية فيما أصبح الاستشراق اليوم أقرب لنظرية مؤامرة محببة في أوروبا وأمريكا ضد العرب والمسلمين

"هاري القذر" أصبح  المستشرق الجديد ليواجه بنفسه العرب والمسلمين
الصورة الكبيرة ، لوحة جان ليون جيروم عن الشرق

كان الاستشراق الذي تناوله إدوارد سعيد يرتبط  بتأثيرات جيوسياسية، أي مواقف وعلاقات الشرق بالغرب وبالعكس، وهو المعرفة التي احتاجها الغرب لبناء امبراطورياته الاستعمارية وقتها، وأصبح الاستشراق اليوم يستهدف السياسة الداخلية في أوروبا والولايات المتحدة والدول الغربية عموما، واحتمالات التعايش، حيث يشعر الرجل الأبيض أنه محاصر في أرضه وأصبعه على الزناد ضد "البرابرة" الذين اجتازوا بوابات بلاده، ولم يعد المستشرق أشبه بلورنس العرب، ولا حتى الأمريكي الهادئ (رواية جراهام غرِيْنْ- The Quiet American) بل إن مستشرق اليوم هو "هاري القذر" ( الشخصية اللافتة لرجل أمريكي يتولى تطبيق القانون بيديه لأن رجل الشرطة ضعيف وعاجز عن مواجهة الأشرار).

وتحت عنوان الاستشراق بين الأمس واليوم، كتب آدم شاتز، المحرر المساهم في صحيفة نيويورك ريفيو أوف بوكس، كيف تحول الاستشراق منذ نشر كتاب المفكر إدوارد سعيد عام 1978، ( ووصفه كأحد أكثر الأعمال الفكرية تأثيرا) وكيف أصبح الاستشراق اليوم بمثابة هاري القذر في فجاجته في موقف من العرب والمسلمين. 

تبدل رواد الاستشراق وشخوصه وتقاليده الإيديولوجية، لكن هدفه بقي كما هو أي شيطنة العرب والمسلمين والشرق عموما لشرعنة مواجهته بالقوة والقمع بحسب شاتز. ولتبرير ذلك، ظهر خلال إدارة جورج بوش الإبن، شغف بموضوع تحرير المرأة العربية أو المسلمة من عنف الذكور وإنقاذها من هيمنة الرجال حولها، وهي صورة مجازية أصبحت حجة كلاسيكية في الاستشراق، ولم تكن الدوافع وقتها تكشف فجاجتها أو عنصرية مبطنة، بل تكفي بالإشارة إلى اختلافات ثقافة تستدعي ردا عسكريا بحسب "الخبراء"، مع تدريب حضاري على أهمية الديمقراطية، بل إن بوش أكد أنه لا يعادي الاسلام.


وتحت إدارة أوباما كان هناك تراجعا ظاهرية للاستشراق، وسادت تخيلات خلال ما سمي بالربيع العربي، أن فيسبوك وغوغل سيلغيان الفروق بين الشرق الأوسط والليبرالية الأنجلو أمريكية.


ويتابع الكاتب بالقول إنه مع قدوم "الشتاء العربي" وصعود داعش وتيار السلفية لإعادة المنظور السابق للاستشراق والاختلاف الثابت مع الشرق والعدسة المشوهة لرؤيته وترسيخ لرؤية صامويل هنتنغتون فيما أسماه صراع الحضارات، على أنه هناك اختلاف جذري لا تصالح فيه بين الشرق والغرب.


واستمر هذا التوجه تحت إدارة ترامب لكن كان هناك انفلات، فلم يعد هناك رغبة بمعرفة الآخر، الشرق أو حتى انتقاده، وتلاشى الوجه الإنساني للاستشراق، فيما قد يبدو وأنه أمر جيد لأنه ينهي النفاق، لكن الامر أشد خطرا، ومثلا، كان هناك فيلم وثائقي اسمه أوبسيشن Obsession وتم إرساله بالبريد لقرابة 28 مليون أمريكي على هيئة ملحق دعائي لمشتركين بقرابة 74 من الصحف.

وكان الفيلم الذي عرضته قناة فوكس نيوز، قد تم تمويله من الليكودي وإمبراطور كازينوهات القمار الأمريكي، شيلدون أديلسون، وهو بمثابة خطاب يزعم أن خطر المسلمين وقتها (2008) يماثل خطر الألمان النازيين سنة 1938، إلا أنه أسوأ لأنه هناك مسلمون أكثر من الألمان في العالم، وهم أكثر انتشارا في الجغرافيا القارية، وهم عدو داخلي وقوة أجنبية معادية، وهم "داخل حدودنا بل هم هنا". ورغم أن الكاتب بحسب قوله أستبعد وجود أهمية لهذه الكراهية الفجة ضد الإسلام والمسلمين في الفيلم لكنه وجد أنه كان مخطئا، فقد حول ترامب هذه الكراهية إلى توجه عام بل جعلها فعليا سياسة يعتمدها مثل منع المسلمين من السفر إلى الولايات المتحدة (من بضعة دول لكن التنكيل الفعلي بالمسلمين في المطارات الأمريكية يشملهم جميعهم) وهو أكثر الأمثلة فجاجة في إثارة الكراهية ضد المسلمين.

الاستشراق الجديد أصبح يتحدث بلغة الصفقات واستخدام القوة والقمع بدلا من قيم الديمقراطية والحرية، ولم يعد هذا الاستشراق يستدعي خبراء مثل برنارد لويس وفؤاد عجمي لشيطنة العرب والمسلمين في مقالات ومؤلفات، بل أصبح المستشرق اليوم لا يحتاج إلا إلى إحصاء تقارير الشرطة حول المشتبه بارتكابهم أعمال إرهابية، وقياس درجات التشدد.


ونزعت الإنترنت والشبكات الاجتماعية الأهمية والمصداقية اللتان كان يتمتع بهما الخبراء، لتتيح تمكين غير الخبراء الذين يفاخرون بعدائهم للفكر بل يعتبرون بساطتهم وجهلهم أهم جانب في قوتهم. استشراق اليوم هو استشراق قناة فوكس نيوز
واستشراق نظرية المؤامرة من ستيف بانون و بات ياور (واسمها الأصلي جيزيل ليتمان  وهي التي اخترعت نظرية وجود تحالف عربي للسيطرة على أوروبا وروجت لها بعبارة Eurabia)، وهو استشراق يهدف لإثارة الخوف من تهديد المجتمعات المسلمة لأوروبا.


ويتابع الكاتب أن الاستشراق الجديد هذا لم تنشره الكتب والمكتبات بل تويتر وفيسبوك والويب الخفية Dark Web.
وتحت إدارة ترامب أعيد رسم السياسة الأمريكية الخارجية وفقا للاستراتيجية الإسرائيلية وهي الاعتماد على القوة العسكرية للتعامل مع العرب والمسلمين، وذلك بدعم اليهود المحافظين والمحافظين البروتستانت.


فعنصرية ترامب ضد المسلمين أصبحت غير مسبوقة لدى أي رئيس أمريكي لكنها ليست فريدة، فهناك ذات المواقف في فرنسا حيث تترسخ مشاعر عدائية تستعيد مواقف الفرنسيين من فترة"الجزائر الفرنسية" ضد الفرنسيين من أصول عربية أو إسلامية، حتى أن الفرنسي من الجيل الثالث من المهاجرين لا يزال يعامل كأنه مهاجر لا يصلح للاندماج حتى اليوم. ذات المواقف تتصدر الحال في الدول الاسكندنافية وهنغاريا وإيطاليا وألمانيا، أي في ذات الدول التي تنتشر فيها فكرة "القلعة الأوروبية" وهي الفكرة التي روجت لها النازية الألمانية في أوروبا قبل وخلال الحرب العالمية.