Posted inفنون وآداب

دبي: إضاءة على جوانب الثقافة والابتكار

تتحدث هالة بدري، مدير عام هيئة الثقافة والفنون في دبي، لأريبيان بزنس عن تحولات كبيرة في المشهد الابداعي في الإمارات وفي دبي تحديدا

دبي: إضاءة على جوانب الثقافة والابتكار
هالة بدري، مدير عام هيئة الثقافة والفنون في دبي،

الناتج الإبداعي في بعض الدول يصل إلى عدة مليارات من الدولارات، كيف يمكن لدبي للثقافة المساهمة في مساعي مشابهة سواء كان بتشجيع الطاقات المبدعة في الإمارة نحو تطوير وابتكار أعمال قابلة لهكذا اتجاه؟

تدرك “دبي للثقافة” الأهمية الكبيرة التي بات يمثلها الاقتصاد الإبداعي كأحد مرتكزات الناتج المحلي للدول، وانطلاقاً من هذا الإدراك؛ شكّل دعم الاقتصاد الإبداعي أحد المحاور الخمسة لاستراتيجية الهيئة المحدثة، والتي نسعى من خلالها إلى ترسيخ الدور المحوري للهيئة في دعم توجهات الحكومة الرامية إلى تحفيز النمو الاقتصادي في إمارة دبي عبر تطوير منظومة إبداعية متكاملة ذات بنية تحتية متينة وإطار تشغيلي فعّال، من شأنها ترك أثر مجتمعي إيجابي ومساهمة فاعلة في الناتج المحلي الإجمالي للإمارة.

كما أن إمارة دبي، ودولة الإمارات بشكل عام، في ظل القيادة الحكيمة، أدركت منذ سنوات أهمية الصناعات الثقافية والابداعية، وقد أطلق سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في العام 2018 “مؤشر مساهمة الصناعات الإبداعية” في الناتج الإجمالي المحلي للدولة، بهدف تحديد وتطوير مدى مساهمة قطاع الثقافة في دعم مسيرة التنمية الاقتصادية. وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن الاقتصاد الإبداعي في دبي حقق إيرادات إجمالية بلغت 3 مليارات درهم في العام 2019، مساهماً بنسبة 3 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي.

وعلى المستوى العالمي، يسهم قطاع الثقافة والفنون في الناتج المحلي الإجمالي العالمي؛ وبحسب دراسة “اتجاهات المستقبل – القطاع الثقافي والإبداعي” التي أصدرتها مؤسسة دبي للمستقبل بالتعاون مع دبي للثقافة، تبلغ الإيرادات السنوية لهذا القطاع حوالي 2.2 مليار دولار، أي 3% من الناتج الإجمالي العالمي. وقدرت الدراسة ذاتها أن القطاع يشغل عمالة تصل إلى 30 مليون شخص أي 1% من سكان العالم.

وأكدت الدراسة نفسها أن لدولة الإمارات دور رئيسي في اقتصاد المنطقة الإبداعي، بعدما اكتسبت سمعة كمركز للابتكار عبر الاستثمار في مبادرات ومشاريع ثقافية وإبداعية مختلفة. فضلاً عن التنويه إلى أن حكومة دبي استثمرت كثيراً في دعم قطاع الثقافة والفنون وتمكينه، بتوفير منصات للمواهب وإنتاجاتهم. وقد أشار مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» في تقرير نشره مؤخراً إلى أن الإمارات تُعَدُّ من أهم الدول التي يُعَوَّل عليها ويتعاون معها عن كَثب في تعزيز مفهوم الاقتصاد الإبداعي ونشره حول العالم.

إن “دبي للثقافة” ملتزمة بتطور بيئة مبنية على المعرفة من خلال اكتشاف المواهب ودعمها، وبالتالي إرساء الأسس والبنى التحتية اللازمة لبناء اقتصاد إبداعي مزدهر في الإمارة. سنسعى إلى التعاون مع المؤسسات التعليمية للتمكن من بناء وتطوير المواهب في مختلف قطاعات الفنون والثقافة، وبالتالي خلق منظومة اقتصادية محفزة للإبداع، تضمن اجتذاب المواهب الواعدة إلى عالم الأعمال، لابتكار منتجات إبداعية قابلة للتسويق، ما يسهم في تعزيز أداء الاقتصاد الإبداعي بشكل ملموس. ويتحقق ذلك عبر خلق بيئة أعمال داعمة للثقافة والفنون، تحكمها لوائح وسياسات تعزز سهولة ممارسة الأعمال.

ما هو أبرز حدث أو جانب سيؤثر بأكبر درجة في المشهد الثقافي في إمارة دبي هذا العام؟

أعتقد أن الحدث الأبرز سيكون “إكسبو 2020″، إذ سيشكل تظاهرة عالمية تحتفي بالإنجازات والابتكارات الإنسانية ومركزاً لاحتضان المواهب والمبتكرين المحليين والعالميين. سيعكس “إكسبو 202” الريادة العالمية لدبي في الابتكار واستشراف المستقبل عبر التقاء 180 دولة وملايين الزوار من مختلف دول العالم، وفي هذه المنصة الاستثنائية التي تعزز تفاعل المجتمعات والدول لاستحضار مستقبل مشرق. ويوفر هذا المعرض العالمي الأروع منصة مثلى تمنح “دبي للثقافة”، بوصفها الداعم الرسمي للشؤون الثقافية لهذا الحدث، فرصة لتعريف الزوار والجمهور المحلي والعالمي إلى المشهد الثقافي الثري لمدينة دبي واقتصادها الإبداعي، وإثراء التجربة الثقافية لزائري المعرض من شتى الثقافات والجنسيات، عبر منظومة إبداعية متكاملة تدعم رحلة المعرض وتسهم في تحقيق رسالته المتمثلة في الشعار الذي يرفعه “تواصل العقول وصنع المستقبل”. ستلعب الشراكة بين “دبي للثقافة” و”إكسبو 2020″ دوراً مهماً في تحقيق أهداف هذه التظاهرة العالمية الفريدة، ودورها في ترسيخ مكانة الدولة الحالية والمستقبلية استناداً إلى ما تمتلكه من أصول ثقافية وفنية. إن تعاوننا مع “إكسبو 2020” يجعل الثقافة سفيرة هذا الحدث بما تقدمه من مبادرات وبرامج وبيئة عمل خلّاقة تحقق رؤية دبي مدينة المستقبل، وتسهم في تعزيز مكانة الإمارات دولياً، وإثراء رصيدها الثقافي، ورفد تراثها وإرثها الغنيين للأجيال المقبلة بما يحقق سعادة قاطنيها وزوّارها.

ما هو شغفك الرئيسي في مجال الابداع؟

الإبداع هو إعادة إنتاج الواقع برؤى جديدة تسمو بالحضارات الإنسانية. لدي ميل قوي نحو أنواع الإبداع على اختلافها.. يشدني أي عمل يحمل بصمات إبداعية، سواء كان في الكلمة أو اللون أو النغمة الموسيقية، أو غيرها من صنوف الإبداع، فجميعها تلامس الجوهر الإنساني في داخلي.

كيف ترى هالة بدري- فرص الاستناد للتراث الإماراتي لتكامل الناتج الإبداعي الحالي والأدوات التقنية الحديثة ومزج العناصر المشتركة بينهما في التصاميم والأعمال الإبداعية؟

يشكّل التراث مورداً إبداعياً غنياً، لا يستهلك بتاتاً، وذلك لسعته وتنوع ميادينه. من هنا، فإن توظيف الأدوات التقنية الحديثة لتعزيز الإرث الثقافي، من شأنه الإسهام في حماية التراث الإماراتي وترسيخ مكانته العالمية. بيئة اليوم هي بيئة التقنيات الحديثة والإنترنت والمعلوماتية، ما يجعل العلاقة بين الإبداع والتكنولوجيا عضوية وتكاملية. وانطلاقاً من دورنا في نشر المعرفة عبر توصيل المعلومة ونقلها، نحرص في “دبي للثقافة” على اعتماد الأفكار المبتكرة واستثمار الأدوات المعرفية التي ترسخ الإبداع للقيام بهذا الدور، مستندين إلى تراثنا الثري.

كما نقود حراكاً ثقافياً شاملاً للاحتفاء بالتراث الثقافي لإمارة دبي ودولة الإمارات العربية المتحدة وصونه وإلهام الأجيال الصاعدة للاعتزاز به والحفاظ عليه، موظِّفين التكنولوجيا الحديثة ضمن تجربة متكاملة تستخدم المنصات الرقمية ومجموعة متنوعة من الابتكارات العصرية، بما في ذلك الواقع الافتراضي والواقع المعزز وغيرها. والأمثلة على ذلك كثيرة: الجولات الثقافية الإرشادية الافتراضية في المواقع التراثية والمتاحف، حملة لنبدع معاً، التعاون مع لينكد إن في تقديم دورات التعليم الإلكتروني لأفراد المجتمع الإبداعي، ماراثون دبي للأفكار، المخيمات الافتراضية في المكتبات، الأندية الافتراضية في المتاحف. فضلاً عن ورش العمل والندوات الافتراضية.

هل تعتقدين أن جوانب ثانوية قد تبخس قدر العمل الإبداعي حين ينظر إليها في قطاع الأعمال سواء كانت تصميما للوغو أو لوحات تتصدر الأروقة أو غير ذلك؟

العمل الإبداعي باعتقادي يجب أن يكون عملاً متكاملاً وشاملاً لمختلف الجوانب ذات الصلة، والذي من شأنه أن ينعكس على حجم ناتج وتأثير هذا العمل. ومن هذا المنطلق تلعب دبي للثقافة دوراً بارزاً في تنمية روح الإبداع والابتكار لدى مختلف فئات المجتمع، عبر مبادرات متنوعة وشاملة تستهدف تطوير قدرات الفئات المستهدفة، وتحديداً الجيل الجديد، الذي سيلعب دوراً مهماً في تعزيز منظومة العمل الإبداعي في السنوات القادمة.
إن الابداع في العمل ليس المقصود به إنجازه وفقط، بل هو عملية متكاملة تحتم على الشخص البحث عن ما هو مميز وجديد، وخلق أفكار إبداعية في مختلف تفاصيل العمل.

لذا، فإننا في دبي للثقافة ملتزمون في لعب دور مهم في دعم رؤية حكومة الإمارات الساعية إلى تطوير مجتمع قائم على المعرفة، وتعزيز البيئة الثقافية والإبداعية في الإمارة، الأمر الذي من شأنه أن يسهم في تطوير العمل الإبداعي وقدرات وإمكانات المواهب والمبدعين في دبي.

كان هناك توجه سابق في المنطقة العربية، يعتمد استيراد كل شيء دون تطوير الابداع المحلي، كيف ترين الوضع الحالي وما هي رؤيتك للمستقبل على هذا الصعيد؟

نجحت دبي ودولة الإمارات بشكل عام في تغيير قواعد منظومة الابداع المحلي في المنطقة العربية ومنطقة الشرق والأوسط بشكل عام، وذلك بفضل الرؤية الحكيمة وتوجيهات القيادة الرشيدة، والذي وضع دولة الإمارات في مراكز متقدمة عالمياً على مؤشرات الابتكار، إذ جاءت في المركز الأول عربياً وال 34 عالمياً على مؤشر الابتكار للعام 2020، والذي يصنف الدول بناء على قدراتها الابتكارية.

إن دولة الإمارات باتت اليوم تشكّل نموذجاً يحتذى في مجال العمل الإبداعي والابتكار. كما يعتبر الابتكار عنصراً من المحاور الوطنية لرؤية الإمارات 2021 التي تندرج تحت عنوان متحدون في المعرفة، ويهدف إلى تحقيق اقتصاد معرفي ومتنوع، تعززه أفضل الخبرات بما يضمن الازدهار بعيد المدى لدولة الإمارات.
يُعدُّ استشراف المستقبل أحد أهم عوامل النجاح، كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي: “استشراف المستقبل، والقراءة التحليلية المعمّقة لجميع مكوناته كانا وسيبقيان الوسيلة الرئيسة التي تمكننا من استباق الزمن، لتبنّي أفضل الحلول، وبناء رؤية متكاملة تقدّم تصورات واضحة للقضايا الأكثر تأثيراً في حياتنا وعلاقاتنا وابتكار الآليات المناسبة للتعامل معها”، والتي ترجمها سموه عبر إعلانه عام 2020 بداية “الاستعداد للخمسين عاماً المقبلة”، والذي يهدف من خلالها إلى تعزيز سمعة الدولة ومكانتها المتقدمة على كافة المؤشرات التنافسية العالمية وبناء منظومة متطورة من التنمية المستدامة ورفع مستوى الإنتاجية في الاقتصاد الوطني الإماراتي المحلي والاستثمار في القطاعات المعرفية والعلمية والصناعات التكنولوجية المتقدمة والكفاءات الوطنية وتمكين اقتصاد المعرفة.