لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Thu 19 Sep 2013 09:30 AM

حجم الخط

- Aa +

داستر: حصان أسود فاز بالصدفة!

تعاني صناعة السيارات الأوروبية بشدة منذ بداية الأزمة الاقتصادية وهي في طريقها إلى إنهاء سادس عام على التوالي من انخفاض المبيعات لتصل إلى أسوأ أرقامها في العشرين سنة الماضية. وهوت المبيعات خلال شهر أغسطس/آب الماضي وحده بنسبة 4.9 % بحسب اتحاد صانعي السيارات الأوروبيين. أكثر من يضار من ذلك الركود العلامات الفرنسية والألمانية والإيطالية والتي تركز على الفئة العائلية المتوسطة، باستثناء شركة واحدة: رينو لا تعاني من ذلك الانهيار منذ أن أطلقت خط سيارات اقتصادية يلجأ إليها الأوروبيون في ظل الأزمة وتحتفي بها الأسواق الناشئة. من أبرز تلك الأطروحات التي لفتت الأنظار في الخليج هي سيارة رياضية متعددة الأغراض وزهيدة التكلفة اسمها داستر.

داستر: حصان أسود فاز بالصدفة!

تعاني صناعة السيارات الأوروبية بشدة منذ بداية الأزمة الاقتصادية وهي في طريقها إلى إنهاء سادس عام على التوالي من انخفاض المبيعات لتصل إلى أسوأ أرقامها في العشرين سنة الماضية. وهوت المبيعات خلال شهر أغسطس/آب الماضي وحده بنسبة 4.9 % بحسب اتحاد صانعي السيارات الأوروبيين. أكثر من يضار من ذلك الركود العلامات الفرنسية والألمانية والإيطالية والتي تركز على الفئة العائلية المتوسطة، باستثناء شركة واحدة: رينو لا تعاني من ذلك الانهيار منذ أن أطلقت خط سيارات اقتصادية يلجأ إليها الأوروبيون في ظل الأزمة وتحتفي بها الأسواق الناشئة. من أبرز تلك الأطروحات التي لفتت الأنظار في الخليج هي سيارة رياضية متعددة الأغراض وزهيدة التكلفة اسمها داستر.

في البداية، تشكك الجمهور من تأكيدات رينو الإعلانية البراقة واعتبر داستر ضمن فئة السيارات الكروس أوفر المنتفخة (من حيث الحجم والكماليات والسعر) بلا داع، وهي حيلة لجأ إليها الكثير من المصنعين في العقد الأخير لاجتذاب جمهور جديد من سكان المدن. وصنف إعلانات داستر وهي تخترق الرمال والمستنقعات في خانة المبالغة والتضليل الإعلامي المعتاد، حتى عندما طرحت في الأسواق الخليجية وجاءت الشركة بنجم الفورمولا مارك ويبر ليستعرض أداءها على الكثبان الرملية في صحراء عمان. لكن الشركة أصرت على رسالتها الأولى: داستر سيارة رياضية متعددة الأغراض ذات أداء جيد خارج الطرق الممهدة مع سعر صغير جدا. بالتدريج وبالتجربة، تلاشى الشك ليحل مكانه الدهشة وتساءل المستهلكون كيف يمكن لسيارة بهذا السعر أن تعطي تلك القدرات. البرامج والمواقع التي أخذتها للتجربة خرجت لتحديها في ظروف صعبة لكنها أثبتت أنها ليست حيلة تسويقية، وأن أداءها يجب احترامه حتى إذا نظر إليها البعض بدونية من حيث تجهيزات الصالون ومكوناته البلاستيكية.

لذلك يتنامى نجاح داستر يوما بعد يوم رغم أن بداية قصتها لم تكن مقصودة بالكامل. ففي عام 1999 استحوذت رينو على شركة «داتشيا» الرومانية في ظل نمو عالمي جيد يتيح لسكان روسيا وأوروبا الشرقية فرصة لامتلاك سيارات أفضل. رأت رينو حين إذن فرصة لإنتاج سيارات تنافس «لادا» الروسية في تلك الأسواق، وعندما طرحت بعضها في أوروبا الغربية عام 2005 لاقت إقبالا فاجأ الشركة ذاتها. ثم تحول هذا الإقبال إلى نجاح حين تصادف ذلك مع الأزمة المالية عام 2008 .

لذلك يمكن القول أن حركة توسع في اتجاه مختلف منذ وقت طويل أدت إلى إنقاذ رينو مما تعانيه الشركات الأخرى اليوم.

سر النجاح

يؤكد أرنو لوبوف نائب رئيس برنامج السيارات الاقتصادية لدى رينو بإصرار شديد: «ليست سيارة عادية أضفنا لها ريش لتبدو أكبر! لقد أردنا طرح سيارة رياضية حقيقية». ثم يقوم بشرح فكرته:»لقد لاحظنا أن المنافسين يتجهون إلى إضافة المزايا الفاخرة إلى السيارات الرياضية لتنال إعجاب سكان المدن وليتمكنوا من بيعها بأسعار أعلى وأعلى. ومع شيوع ذلك الاتجاه تم تجاهل سوق كامل من الأسعار المتواضعة وجدناه خاليا لنا».

تلك الدراسة البسيطة للسوق جاءت بثمار مذهلة: 700.000 داستر تم بيعها خلال 3 سنوات. كما أن وتيرة تلك المبيعات في تزايد مضطرد بعد زوال الشكوك في أداء سيارة بنصف سعر أرخص الأطروحات الأوروبية الأخرى في تلك الفئة. فقد زادت المبيعات بنسبة57 % خلال الوقت المنقضي من العام الجاري عن العام الماضي وأصبحت داستر بذلك السيارة الأكثر مبيعا هذا العام لشركة رينو.

ورغم طرحها متأخرا في الأسواق الخليجية وشغف تلك الأسواق بالسيارات الفاخرة، تمكنت من الصعود ضمن السيارات الأكثر مبيعا. كما ساهمت في زيادة مبيعات الشركة ككل بنسبة 13 % في منطقة الخليج بالمقارنة مع عام 2012، وبنسبة 32 % في دبي و 48 % في أبوظبي.

لتفسير تلك الظاهرة يجب التوقف عند جميع أطراف المعادلة: الأداء والتصميم والسعر المنخفض. فمن حيث الأداء تم اختبار السيارة في منطقة الخليج بشكل كامل قبل طرحها وتعديلها بما يتناسب مع البيئة المحلية. فعلى وجه المثال تم استبدال محرك الديزل الصغير عالي الكفاءة (وهو أحد أسرار نجاح السيارة في أوروبا) بمحرك يعمل بالبنزين بسعة 2.0 لتر بقوة 135 حصان. كما تم تدعيم التكيف وأنظمة التبريد لتتناسب مع درجات الحرارة المحلية المرتفعة. وهي متاحة في نسختين: نسخة بدون دفع رباعي وعلبة سرعات أوتوماتيكية تستهدف من يريدون ارتفاع كبير عن مستوى الأرض وقدرة على المناورة في الطرق الترابية أو الغارقة بالمياه، ونسخة أخرى مزودة بنظام دفع رباعي وعلبة سرعات يدوية بها 6 نقلات تم تقليص النقلة الأولى فيها لتتناسب مع المواقف التي يجب فيها صعود منحنيات حادة بأوزان ثقيلة بقوة ال135 حصان المتاحة.

كما أن السيارة تم بناءها بالكامل على منصة B0 التي أثبتت كفاءتها وصلابتها في موديلات عديدة لدى تحالف رينو-نيسان. ومميزات تلك المنصة الفريدة لم تؤثر على الأداء فحسب، ولكنها ساهمت في خفض سعر السيارة.

يقول لوبوف أن «تلك المنصة تم تصميمها للظروف الصعبة في الأسواق الناشئة. لكنها أيضا اقتصادية نظرا لكميات الإنتاج الكبيرة. فهي تستخدم لسيارات عديدة ومن فئات مختلفة لدى التحالف لأن لديها قدرة على حمل طراز من أي حجم طوله يتراوح بين 4 أمتار و4.7 متر».

وهكذا تصميم داستر بالكامل، يعتمد على مكونات متاحة بالفعل لدى رينو لتخفيض التكلفة إلى أقصى درجة. يوضح لوبوف أن «كابينة السائق بالكامل تم أخذها كما هي من طراز سانديرو كما تم استخدام قطع سيارات الشركة الأخرى بقدر الإمكان كالزجاج والمنصة وعلبة المحرك على سبيل المثال. باختصار لم نضيف الكثير غير تقنية الدفع الرباعي. لم يسهم ذلك في تقليص تكلفة البحث والتطوير بشكل مذهل فحسب، وإنما يعني إمكانية التوفير عند تصنيع وشراء المكونات». وعند معرفة ذلك، يزول الاندهاش أمام سعر السيارة. فالسعر يختلف تماما بما أن مشتريات التحالف من المواد والمكونات تكون بكميات مضاعفة لوضعها في سيارات مختلفة بدلا من طراز واحد، مما يعني هبوط سعر الوحدة. كما أن داستر بها نصف عدد القطع الموجودة في سيارات رينو من الفئات الأعلى مما يعني تجميع أسرع للسيارة وتكاليف صيانة أقل كثيرا.

البقاء في القمة

خليط من الحظ والحنكة أوصل داستر لتكون قصة نجاح نادرة، لكن التحدي الأكبر يكمن في الاحتفاظ بهذا المصدر المتنامي لعوائد الشركة. يقول لوبوف أن فريقه وجد «التوازن الأمثل بين سعة السيارة وأداءها. ويستمر في تطويرها لتناسب كل سوق على حدة، بل وللتعريف برينو وتقديمها في الأسواق حيث يضعف تواجدها مثل الخليج». ويشير هنا إلى طرحها تحت علامة رينو وليس علامة داتشيا. فداستر تطرح في أوروبا كسيارة من داتشيا وفي العالم العربي وأمريكا اللاتينية والهند تحت علامة رينو. السبب وراء ذلك بحسب لوبوف أن «هناك أسواق لا يرى الناس علامة رينو فيها على سيارات تقف في الشارع. نريد تغيير ذلك، لا نريد أن يكون عندنا علامتين تجاريتين في أسواق لا تعرفنا بشكل كافي».

فتأقلم السيارة على أسواق بعينها هو السبيل الأمثل لضمان استمرار الإقبال عليها. يعود لوبوف إلى جذور المشروع ليوضح تلك الإستراتيجية: «أردنا تصميم سيارة عملية للأسواق الناشئة فكانت في الأصل تستهدف روسيا متخذة في الاعتبار صعوبة ظروف القيادة هناك. ثم تم أقلمتها على ظروف الأسواق المختلفة. في الهند مثلا من المألوف جدا أن يتخذ العملاء سائقا خاصة لسيارات من تلك الفئة. فقمنا بتقديم عناية خاصة بالصالون الخلفي وإضافة فتحة تكييف في الخلف. أما في الخليج فهناك حاجة لمحركات أكبر وتكييف أفضل. وهناك عوامل مشتركة لعملائنا في كل تلك الأسواق مثل الشغف الشديد بالالكترونيات الحديثة فزودناها بالكثير منها كنظام ترفيهي يتصل بالهواتف الذكية عن طريق البلوتوث». لكن الفراغ الذي استغلته داستر لاجتذاب العملاء لن يستمر للأبد، فبعض المنافسين انتبهوا له ويستهدفونه الآن بشراسة. أبرزهم شركة فورد الأمريكية التي تبحث عن أي فرصة لإعادة عصرها الذهبي والتي تستعد لتطرح طرازها المشابه «إيكوفايندر» في الخليج خلال عام 2014 . لكن لوبوف يحتفظ برابطة جأشه: «لقد قلقنا عندما جاءت فورد بهذا الطراز لتنافسنا في البرازيل، لكننا معا هناك منذ عام كامل ومبيعاتنا لم تتأثر بل وتنمو. ايكسبورت قاعدتها أقصر بحوالي 30 سم مما يعني أن سعة السيارة أقل بكثير. كما أنها لم تركز على الأداء الرياضي وإنما ركزت على الكماليات».

أما أعداء داستر الحقيقيين فهم واضحون في ذهن لوبوف حيث يقول: المنافس الجاد الوحيد هو سوق السيارات المستعملة. لذلك نقدم امتيازات تجتذب زبائن هذا السوق إلينا مثل ضمان ساري لمدة سنوات أو 100.000 كم وخواص أمان عالية بالنسبة للسعر». وتسهل تلك المنافسة في أسواق الخليج التي لا تفرض جمارك كبيرة على السيارات، مما يجعل المخاطرة الإضافية سواء من ناحية الأمان أو من احتمالات الأعطال المكلفة لا معنى لها بهذه الأسعار. ويرى لوبوف أن مهمة فريقه في المستقبل ستستمر كما هي وتتلخص في جعل السيارات أكثر «ديمقراطية». ويقول: «بالطبع هناك سوق كبير في الخليج للسيارات الفاخرة. لكننا نستهدف الشباب والعملاء الذين يحتاجون سيارة اقتصادية. لذلك ما نقدمه ليس اختراع أي شيء بمعنى الكلمة، ولكن بحث كل السبل لتقديم تقنيات عليا كان يقصى منها هؤلاء المستهلكين بأسعار في متناول يد الجميع».