لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Sun 9 Mar 2014 07:17 AM

حجم الخط

- Aa +

جدة على خريطة الفن

الزمان: فبراير إلى أبريل من كل عام والمكان في اسم الحدث ليستدل إليه العالم: نقطة التقاء خط طول 21 مع خط عرض 39، أو بمعنى آخر مدينة جدة الساحلية الساحرة. 

جدة على خريطة الفن

عندما تنطلق مبادرة ثقافية جديدة في المملكة العربية السعودية، هناك فرصة كبيرة أن يكون منبعها جدة. فعروس البحر الأحمر تحب الجمال في كل صوره. ورغم معرفة معظم السعوديين والعرب بانفتاح وثقافة جدة، فانها كانت تفتقر إلى موعد محدد يضعها على الأجندة الثقافية العربية. الموعد الآن قد حدد.
فمبادرة “21,39” هي فاعلية فنية ستقام في مدينة جدة بشكل سنوي تهدف إلى إلقاء الضوء على المشهد الفني في أنحاء المملكة العربية السعودية. وتعمل الدورة الافتتاحية هذا العام على إبراز تاريخ الفن الحديث المعاصر في المملكة وتشجيع الاستثمار في الفنون ودعمها من قبل الأفراد والمؤسسات. وهي مبادرة غير هادفة للربح ينظمها مجلس الفن السعودي بإشراف مجموعة من المواطنين السعوديين الذين يسعون للمساهمة البناءة في المجتمع المحلي بتشجيع الفن والثقافة.

الفن عمل العام
مجلس الفن السعودي يتكون من مجموعة مواطنين شباب لديهم رغبة في النهوض بالمجتمع السعودي من خلال الفن والثقافة. ويقص محمد حافظ، نائب رئيس المجلس الفني السعودي، نشأته الحديثة فيقول: “تأسس المجلس الفني السعودي منذ حوالي 8 أشهر كأداة للتعريف بالفن. وترأس المجلس صاحبة السمو الملكي/الأميرة جواهر بنت ماجد آل سعود، رئيسة مؤسسة المنصورية للثقافة والإبداع”.

ورغم حداثة تكوين المجلس، تمكن في أشهر معدودة من تنظيم أحد أكبر فعاليات الفن المعاصر في المنطقة. وتتضمن برنامج حافل على مستوى المدينة، ويتعاون فيه العديد من الأطراف. فتشارك فيه صالات عرض ومؤسسات فنية محلية بهدف مد الجسور مع العالم الخارجي وإيجاد لغة موحدة مع المؤسسات الفنية العالمية. وتهدف مبادرة “21,39” إلى إتاحة الفرصة للجمهور في المملكة لاستكشاف وتذوق ثقافة جدة والمملكة بشكل عام، وتمكين الفنانين السعوديين من التعبير عن أنفسهم والانطلاق نحو العالمية من خلال الوسائل الإعلامية المختلفة والمنصات الجماهيرية. ويوضح حافظ أهمية ذلك قائلا: “الفن بمعنى الوعي بدأ في الخمسينات ونحن نغذيه ونعمل على تنميته. وكإنتاج فني فهو الآن غزير ونجد أعمال سعوديين في جميع معارض المنطقة”.

تتمحور الدورة الأولى من 21,39 حول معرضين رئيسيين يتضمنان أعمالا فنية لعدد من الفنانين الناشئين والمخضرمين. المعرض الأول بعنوان “مُعلقات” وسيتضمن أعمال لكل من أحمد مطر، ومنال الضويّان، وصدّيق واصل، الذين تستوحي أعمالهم أجواء العصر الجاهلي ومراسمهم التقليدية في إبراز شعرهم وثقافتهم. ويرجع حافظ الاختيار إلى التعلق بخصوصية ثقافة جزيرة العرب العريقة وتذكرة بأن جذور الفن فيها ضاربة في أعماق التاريخ. يشرح حافظ: “تم اختيار المعلقات للمعرض الرئيسي الأول بصفتها أول سبل التعبير وأول أشكال الفن العام في شبه الجزيرة العربية”.

أما المعرض الثاني فيعود إلى الماضي لكن إلى فترة أقرب بكثير. وهو بعنوان “الماضي كمقدمة”، حيث سيتم في هذا المعرض تقديم أعمال قديمة تم تحديث عرضها بأسلوب أكثر ابتكاراً، وتضم مجموعة من الفنانين مثل عبد الحليم رضوي، ومحمد صيام، وعلي الصفار، وعبدالله آل شيخ، وعبدالله حماس وآخرين. “الماضي كمقدمة معرض يكرم رواد الفن السعودي منذ الخمسينات. الفنان السعودي في يومنا هذا يتمتع بالشهرة وتقام له المعارض ويجني أرباحا مادية من عمله في الفن. لكن الرواد لم يأخذوا حقهم من كل هذا، لذا ننتهز تلك الفرصة لإبراز ما أنجزوه”.

كما يتم تنظيم معرض تعليمي على هامش الحدث يتضمن جولات ميدانية مصحوبة بمرشدين لأهم المعارض الخاصة بمجموعة من الفنانين، وبرنامج تدريبي للشباب المتطوعين لمراقبة أعمال الفريق وتوجيههم، ودورات توجيهية للفنانين السعوديين الشباب. وستعمل الجلسات النقاشية والحوارية المفتوحة على تغطية محاور مختلفة مثل تحليل المشهد العام للفن المعاصر، وتوجهات الفن السعودي في المنطقة، ودور الفنانين السعوديين كسفراء للثقافة الوطنية، والعمل على معالجة الأفكار النمطية المسبقة التي تروج لها وسائل الإعلام الدولية. ويشارك في هذه الجلسات مجموعة من المتحدثين الإقليمين والدوليين إلى جانب فنانين سعوديين ورؤساء معارض ومتاحف ومجموعة من الخبراء في عالم الفن.

روح جدة الحاضرة
يقول حافظ أن “ تسمية 21,39 هي رمز. وتمثل إحداثيات مدينة جدة وموقعها الجغرافي من حيث خطوط الطول والعرض على الخريطة. وتذوق الفن والوعي الثقافي من مقاييس تقدم الشعوب. وجدة من أول المدن في المملكة العربية السعودية التي اهتمت بالفن منذ عهد جلالة الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله وإنشاء المهندس محمد سعيد فارسي أكبر متحف مفتوح على سواحلها. “ولا تنسى أن جدة في منطقة مكة المكرمة، وهذا جعلها منفتحة على العالم حيث تستقبل الحجيج بثقافتهم وفنونهم المتنوعة منذ قديم الأزل. إن الفن بأشكاله وأنواعه موجود في كل الثقافات. ويتنوع بين حرف صغيرة وفنون تشكيلية”.
وتم إطلاق المبادرة في مؤتمر صحفي آخر خارج المملكة أقيم بدبي. يعلل حافظ ذلك ويقول: “الإعلان عن 21.39 تم من جدة ودبي. فالإمارات من المراكز الرئيسية للفنون في منطقة الخليج وعدد صالات العرض ومشاريع المتاحف خير دليل على ذلك. وهناك تشابه كبير بين جدة ودبي، فكلاهما موانئ وبالتالي تلتقي فيهما الأعراق والثقافات”.

ويمتد تأثير المبادرة إلى المدينة ذاتها. فهي لا تكتفي بعرض الجمال وإنما تنشره حولها وتحرص على أن ينال قيمته اللازمة. لذا تولي المبادرة أهمية خاصة للمنطقة التاريخية لمدينة جدة من خلال فعالية “عروض البلد”. وهي عبارة عن مشاريع خاصة تحمل صفة الاستمرارية وتهدف إلى دب روح جديدة في هذه المنطقة من خلال الفن وتسليط الضوء عليها كمركز للإبداع. و جدة “البلد” هي ثاني أكبر مدينة في المملكة العربية السعودية تأسست في القرن السابع. ويهدف هذا العرض إلى تشجيع المحافظة على النواحي الجمالية للبيئة المحيطة من خلال عدد من الأعمال الفنية التشكيلية، والفنون الأدائية وسلسلة من ورشات العمل الخاصة بالأطفال المحليين. وكانت بلدية جدة قد بدأت بجهود الحفاظ على التراث في السبعينيات من القرن الماضي. وفي عام 1991، أسست “جمعية المحافظة على التراث العمراني بجدة” للحفاظ على ثقافة البلد من آثار وعمارة تقليدية وللمساعدة على تشجيع السياحة الثقافية. وتهدف مبادرة 21,39 إلى العمل جنباً إلى جنب مع هذه المبادرات لترميم المنطقة وتحويلها إلى موقع ثقافي تاريخي.

تطور الفن السعودي
يرى حافظ أن الفن السعودي على مسار صحيح. ويأمل أن تساعد مبادرات المجلس على تعزيزه. لذا تتيح مبادرة فن جدة 21,39 الفرصة لعرض أعمال الفنانين السعوديين على الجمهور الإقليمي والدولي وتثمينها. فتقدير الفن أحد محفزات الإبداع الرئيسية. ويعطي للفنانين وقود للتفرغ والاحتراف والتفوق على أنفسهم. يقول حافظ أن “حاليا هناك القليل من المتفرغين، فالكثير من الفنانين السعوديين لهم وظيفة أخرى. النموذج الأكثر شيوعا هو أن نرى مهندسا أو طبيبا أو ملازما في الجيش وفنان تشكيلي في آن واحد. لكن حين ينمو ويصبح له وضعه في المجتمع كفنان يختار التفرغ بشكل كامل”. يمكن القول أن فلسفة المبادرة بالكامل تدور حول البناء على الموجود بالفعل وتطويره. فتركز الفعالية أيضاً على الثقافة الفنية الموجودة في المملكة لتظهر مدى التطور والنمو الذي يتجه المشهد الثقافي المحلي إليه.

لذلك لا تقتصر المبادرة على الفنانين المحليين فقط وإنما تستفيد من ثراء المجتمع السعودي المعاصر بتنوعه. وترحب بأعمال لمواطنين من جنسيات أخرى يعيشون في المملكة بما يحملونه من تفهم وتقدير للمشهد الفني السعودي. كما أن تطور وضع الفنان كفرد مساهم في المجتمع يساعد على ذلك. يدلل حافظ على ذلك بمثال لأحد المشاركين في المعارض هذا العام: “الآن أصبح هناك وضع قانوني للفنان المحترف. يشارك معنا على وجه المثال فنان فلسطيني اسمه أيمن يسري وهو مدون في أوراق الإقامة السعودية كفنان في خانة الوظيفة”. ولم تقع المبادرة هذا العام في خطأ شائع حول المنطقة، ألا وهو استقدام الأعمال العالمية الأبرز والدارجة إعلاميا في مشهد استهلاكي بحت. ويقول حافظ أن “عقدة الخواجة حقيقية في سوق الفن العربي. لكن في نفس الوقت يجب تقدير الأجنبي إذا كان بالفعل أمضى 20 أو 30 عاما في مشواره الفني وبالتالي يصبح علامة تجارية قائمة بذاتها حول العالم وليس عندنا فقط”. لكن زيادة الوعي الفني بشكل العام مفيد في جميع الأحوال من هذا المنظور. فعلى وجه المثال الزيادة العددية في عدد متابعي ومحبي الفن وجامعي الأعمال في حد ذاته مفيدة من وجهة نظره. يقول حافظ: “يجب توجيه الاستثمارات بشكل متوازن، أي الشراء من مناطق متعددة. وحتى لو بدأ الجامع بالأعمال العالمية بشكل عام سينتهي حتما للميل إلى أشياء بعينها. ومع ازدياد قاعدة المقتنين، ستزداد نسبة المتخصصين منهم”.