لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Sun 16 Mar 2014 07:15 AM

حجم الخط

- Aa +

هذا العام هل يتحدد مــــصـير الاقتصـاد العــالمي؟

منذ الأزمة الاقتصادية العالمية، والطريق إلى التعافي الكامل محفوف بالمفاجآت والتحديات، يدلي آرجونا ماهيندرانالرئيس التنفيذي للاستثمار بقسم إدارة الثروات في بنك الإمارات دبي الوطني، برأيه حول القضية الحاسمة في الاقتصاد العالمي

هذا العام هل يتحدد مــــصـير الاقتصـاد العــالمي؟

منذ الأزمة الاقتصادية العالمية، والطريق إلى التعافي الكامل محفوف بالمفاجآت والتحديات. ومن الواضح أن التعافي وحده لا يكفي، لكن العالم يفتقد معدلات النمو المرتفعة لفترات طويلة التي اعتادها في مقتبل الألفية.

هكذا تصارع جميع الاقتصادات سواء الناضجة أو الصاعدة أو الناشئة لاستعادة تلك الحيوية. وشاء القدر أن تكون كل المدارس الاقتصادية ممثلة بشكل شبه متوازن عبر التكتلات الاقتصادية الكبرى في العالم: من البيسماركية التقشفية الصارمة في منطقة اليورو إلى برامج التحفيز الجريئة في الولايات المتحدة والمتعقلة في الصين ونسختها القومية المغامرة في اليابان الجديدة بقيادة شينزو آبي.

وقد يكون هذا العام هو موعد تسليم ورقة الامتحان، حيث يكرم المرء أو يهان. أما المستثمر فهو يواجه اختيارات صعبة في ساحة متغيرة بسرعة قد تؤدي إلى الحيرة والتذبذب. لذا قمنا باستطلاع رأي ثلاثة خبراء مخضرمين لفك شفرة أسواق 2014.

 

كيف تحسن الاختيار وسط ضوضاء الأسواق
آرجونا ماهيندران
الرئيس التنفيذي للاستثمار بقسم إدارة الثروات في بنك الإمارات دبي الوطني

لدى آرجونا ماهيندران رغبة في استنباط التحركات الهيكلية العميقة التي تفوت معظم المعلقين الاقتصاديين وسط زخم متزايد. يقول أن «هناك الكثير من الضوضاء في السوق». وفي سوق المال أو في غيره لا يمكنك شراء أفضل ما يوجد إذا تركت الضوضاء تشتت تركيزك.

يرى ماهيندران عدة تروس متعطلة أو هشة في ماكينة الاقتصاد العالمي. أكثر ما يقلقه فيها وضع أوروبا الذي يرى اقتصادها قوي وجيد لكنه في دائرة مفرغة قد تستمر لعقود: «في أوروبا هناك توقف في التضخم. وهذا يعني أنها قد تدخل في مرحلة الركود طويل المدى الذي شهدته اليابان من قبل. وعندها تتغير سيكولوجية المستهلك فهو لن يشتري جهازا منزليا يعرف أن سعره سينخفض بعد ستة شهور، مما يؤثر على الإنتاج الصناعي ويرتفع معدل البطالة. ومن الصعب جدا الخروج من تلك الدائرة المفرغة».

ويرجع ماهيندران عدم مقدرة أوروبا المسارعة بإتمام الإصلاحات التي تلزمها إلى عوامل كلاسيكية مثل صعوبة إتخاذ القرارات بالإجماع والفارق بين شمال وجنوب منطقة اليورو. يشرح أن « هناك واقع يفرض نفسه لأن اليورو عبارة عن 'مارك ألماني مقنع'. فالاقتصاد الألماني من أبطال التصدير في العالم وهذا يساهم في تثبيت اليورو عند مستويات مرتفعة جدا. وبالتالي أوروبا ميزانها التجاري مع العالم ايجابي فمن الطبيعي أن تكون عملتها قوية». لكنه يرى أن النظام البنكي الأوروبي أيضا يجب أن يلام:»البنك المركزي الأوروبي يتحكم في العملة لكنه لا يتحكم في السياسة المصرفية للدول التي ما زالت محكومة محليا.

وقام مؤخرا بإجراء اختبارات أثبتت أن البنوك الأوروبية تنقصها الشفافية. كما أن سياسة البنك المركزي الأوروبي محافظة للغاية في ما يخص التخفيف الكمي بالمقارنة مع البنوك المركزية في اليابان والصين والولايات المتحدة. فالجميع قام بإصدار كميات كبيرة من العملة ليضخها في الأسواق لكن المركزي الأوروبي عزف عن ذلك. لذا لا أعتقد أننا سنشهد انخفاضا في سعر صرف اليورو قريبا».

ولا يعتقد ماهيندران أن هناك فقاعة عقار داخل أوروبا كفيلة بإدخالها في أزمة حقيقية. ففي العموم يرى أن «هناك ظاهرة عالمية أن تتزايد ثروات الأغنياء رغم الأزمة، ونتيجة لذلك نرى أن أسواق الأصول من عقارات وأسهم وسندات وغيرها أداؤها قوي». وهو يفرق «عقارات لندن دائما ما تكون فقاعية، وهي تعتمد في المقام الأول على تدفقات السيولة من الدول الناشئة لتفادي الضرائب ويدفعون نقدا. أما الموقف في ألمانيا مختلف لاختلاف الثقافة. لا يرى الألمان أن العقار رأس مال لهم، وهم من أكثر الشعوب تنقلا سواء داخل بلادهم أو في العالم. فلا يستثمر الألماني رأس ماله لشراء عقار وإنما يفضل تأجير منزل في المدينة التي يريد أن يسكنها للعمل ويمكث فيه بضعة سنوات ثم ينتقل إلى عمل جديد في مدينة أخرى».

وقد يكون خروج اليابان من الركود إن اكتمل، هو ما ينتظره الأوروبيون لمعرفة إذا ما كان يتوجب عليهم انتهاج «الآبينوميكس». ويبدو أن ماهيندران معجب بها هو الآخر: «شينزو آبي استخدم عدة أدوات وأولها أن البنك المركزي كرر ما فعلته الخزانة الأمريكية وأصدر كميات من العملة ضخها في قطاعات الاقتصاد المختلفة كما أدى ذلك إلى تخفيض سعر الين بنسبة تصل إلى 30 % مما يساعد اليابان إلى استعادة كامل إمكاناتها التصديرية. وقد أثبتت تلك الأدوات فاعليتها في إعادة النشاط على المدى القصير. وحتى مع توقعات نمو منخفضة، سيكون النمو الفعلي أكبر لأن التوقعات اليابانية دائما ما تكون متحفظة للغاية. أعتقد أن 1 % تحت ما سنراه في الشهور المقبلة. لأنك عندما تنظر إلى استطلاعات الرأي في قطاع الأعمال تجد أن مستويات الثقة في الاقتصاد ارتفعت بوضوح. كما أن معدلات الاستهلاك عادت للارتفاع. سنرى ما ستفسر عنه الضرائب الاستهلاكية الجديدة هذا العام، لكن أعتقد أنها لن تؤثر سلبا لأن قوة الدفع تتزايد يوما بعد يوم وراء الاقتصاد. كما أن نجاح ذلك الإجراء الجديد من شينزو آبي سيساعد في تقليل التوجس من الدين الياباني وزيادة الثقة في صلابة الاقتصاد».

الترس الثاني في منظومة الاقتصاد العالمي الذي يثير أداؤه قلق ماهيندران هو الصين. ولديه طريقة متميزة في شرح ما تحمله من مخاطر هذا العام: «إذا أردت أن تفهم الاقتصاد الصيني تخيل أنك أمام دبي 2009 لكن أكبر بألف مرة. لقد قامت الدولة باستثمارات ضخمة في البنية التحتية من مطارات حديثة وقطارات فائقة السرعة وموانئ متطورة. في الفترة بين عام 2009 و2011 قامت البنوك الصينية بإقراض 14 تريليون يوان. هذه كمية هائلة من النقود حين تعرف أن إجمالي تعاملات تلك البنوك عام 2008 كانت 10 تريليون يوان وأنها بتلك الوتيرة وصلت إلى 24 تريليون هذا عام. الحكومة الصينية تعمل على تهدئة هذا الوضع الآن وتطلب من البنوك الإقراض بشكل أقل.

هناك بعض البيانات الصينية الجيدة لكنها لن تستمر في رأيي لأن المشاكل قد تراكمت. فأنت تحتاج إلى ركاب يكفون القطارات السريعة وبضائع كافية لتشغيل كل هذه الموانئ لتسديد تلك الديون. والقيادة الصينية تعي ذلك لذا تعمل على تهدئة وتيرة النمو والتوسع».

لكن قلق ماهيندران ليس على الاقتصاد الصيني في حد ذاته وإنما من توابعه على الاقتصاد الأصغر التي تغذيه وتتغذى عليه. يقول: «في الحقيقة من وجهة نظري ما يحدث في الصين هو الخطر الحقيقي أمام الدول الناشئة. الصين مصنع العالم وتلك الدول هم موردي هذا المصنع. لذا ستعاني تلك الدول من التباطؤ الصيني أكثر من أي شيء آخر. الصين لا تزال عملاق تصدير وليس لديها نظام سياسي ديمقراطي يكبح القرارات إذ يمكن للحكومة نقل 10,000 مزارع من منطقة لأخرى وتحويلهم إلى عُمال مصانع بجرة قلم. ستتمكن الصين من الاستفادة من التباطؤ لتعيد ترتيب أوراقها.

لكن الدول التي تزودها بالمدخلات والمواد الخام ستتأثر بشكل أكبر. ففي هاتف يخرج من الصين تأتي الشرائح الإلكترونية من تايوان أو كوريا، ويأتي الزجاج من اليابان وتأتي الطاقة من الشرق الأوسط والمعادن من أمريكا اللاتينية. الآن أوروبا تستورد أقل والصين نفسها تقلص النمو كل تلك الأسواق التي تقف خلفها مهددة».

من وجهة نظر ماهيندران هناك حل لكل تلك المعضلات في خطوة واحدة: انهيار سعر البترول بما يقرب 20 دولار للبرميل. يوضح أن: «الخطر الثاني الذي يواجه الدول الناشئة في إفريقيا ودول مثل تركيا والهند وإندونيسيا هو استحالة استمرار دعم أسعار الطاقة عن طريق الاقتراض. تلك العملات تتساقط وهم يأملون أن التنافسية الناتجة عن الانخفاض في سعر صرف عملتهم ستساعدهم على التصدير. وبدأت أرقام الهند تظهر أن الروبية المنخفضة ساعدت الصادرات بالفعل. في حالة تركيا لم يحدث ذلك بسبب الثقافة. فالشركات التركية القائمة على التصدير تستخدم الدولار في تعاملاتها، ولم تخفض أسعارها رغم أن التكلفة المحلية لصناعة منتجها قد انخفضت. لكن النظرية التي أطرحها مختلفة بعض الشيء. أعتقد أن أسعار الطاقة آن لها أن تنخفض».

ولا يعتقد أن فكرته صعبة التحقيق أو بعيدة وإنما يرجحها على المدى القريب: «الولايات المتحدة الآن ثاني أكبر منتج للبترول في العالم بسبب النفط الصخري. هي لا تصدره اليوم بسبب قوانين تحظر ذلك منذ نشأة الأوبك. لكن هناك حديث عن تراخيص لتصدير الخام الأمريكي، كما أن تعديل الموانئ لتتمكن من ضخه إلى الحاويات وليس العكس سيتم على الأرجح في الشهور المقبلة. وعندها سنجد أن هناك كميات من البترول الأمريكي على السوق العالمي. أضف ذلك إلى ما قلناه عن الكساد الأوروبي وتناقص طلب الأسواق الناشئة على الطاقة تجد أن الأسعار قد تصحح بشكل كبير جدا».

كما أنه يعتقد أن منطقة الخليج العربي يمكنها احتمال ذلك الانخفاض بشكل جيد حتى يتحسن الاقتصاد العالمي ويعود الطلب إلى النمو: «دول مجلس التعاون الخليجي يمكنها أن تستمر على نفس مستوى الإنفاق الحكومي مستخدمة مخزوناتها النقدية لمدة 5 سنوات مع سعر طاقة منخفض. وتلك الأسعار لن تظل منخفضة للأبد وإنما ستعود إلى الارتفاع بالتدريج مع تعافي الدول الصناعية المستوردة للبترول. وعندما تنظر إلى ميزانيات دول مجلس التعاون خلال السنوات الماضية ستجد أن المصروفات لم ترتفع كثيرا مع ارتفاع الأسعار، وهذا يعني أنه تم أخذ احتمالية انخفاض لسعر النفط في الاعتبار».

أما دبي، فيؤكد على جاهزيتها الكاملة لحدث كهذا بل ويعتقد أنها قد تستفيد: «بالنسبة لدبي تدني الأسعار سيؤدي إلى حالة من الاستقرار في البورصة عند مستوى معيَّن بعد سنين من النمو المضطرد. تنوع الموارد بعيدا عن البترول وازدهار التجارة يعني أن تحسن الأسواق المستوردة للطاقة المحيطة بدبي سيفيد تلك القطاعات فيها. كما أن تحسن الوضع مع إيران به مكاسب ضخمة للتجارة في دبي التي تعتبرها الشركات بوابة ذهبية لدخول هذا السوق الضخم.أما في حال بقيت الأسعار مرتفعة وتدهورت تلك الأسواق ستهرب رؤوس الأموال منها إلى دبي. في كلتا الحالتين دبي ستسفتيد».

أما بالنسبة لعقارات دبي فيبدو ماهيندران مطمئنا للغاية بعملية حسابية بسيطة رغم الارتفاع السريع للأسعار. يقول ماهيندران: «بالنسبة لي يجب تعريف كلمة فقاعة عقارية. لا أعتقد أن ارتفاع الأسعار السريع وحده يشكل فقاعة. طالما أن ريع الإيجار السنوي يشكل أكثر من 6 % من قيمة العقار تعتبر الأسعار مقبولة، وإذا انخفضت قيمة هذه العوائد نحو 2-3 % من قيمة العقار يمكن التحدث عن فقاعة. في دبي على وجه المثال، يمكن اليوم التمتع بعائد سنوي يدور حول 8 % من قيمة العقار وهذه نسبة رائعة».

وقف التحفيز: الضرورة المؤلمة
جو الهوا
كبير المحلليين الماليين في شركة الباري ومقدم برامج تلفزيونية عن الاقتصاد

لا يمكن اعتبار جو الهوا من أكبر المتفائلين بالعام الجديد. يتوجس الهوا من عدة قطاعات، على رأسها الاستثمار العقاري الذي لطالما كان ملاذا لرؤوس الأموال: «أرى أن قطاع العقارات أصبح خطرا مجددا. ففي أوروبا نجد مخاطر في سوق العقارات البريطاني بشكل عام ووسط لندن بالتحديد. وفي ألمانيا ازداد سعر العقارات ليصبح تقييمه أعلى من الواقع بنسبة تصل إلى 25 % بحسب البوندسبنك (البنك المركزي الألماني). وفي الصين هناك تباطؤ عام وزيادة في التنظيم الحكومي فيما يخص العقارات. صحيح أن ثقل البيروقراطية الصينية يحكم التغيرات لكن لا تزال الأسعار ترتفع إلى ما هو خارج متناول معظم السكان».

لكنه أكثر اطمئنانا في ما يخص سوق العقارات بدبي، لأنه يرى أسبابا موضوعية لحيويته المستعادة: «في دبي يحكم العرض الجديد سوق العقارات وعدد المشاريع الجديدة، ودون ذلك لكانت فقاعة قد تكونت بالفعل. كما أن الطلب مدعوم بمشترين جدد. فبسبب الظرف السياسي أصبح للعملاء الأردنيين والسوريين والمصريين إقبال على العقارات في دبي. ومن المتوقع أن يستمر ذلك مع استمرار إقبال الجنسيات التقليدية من مشتري العقارات بدبي كالسعوديين والباكستانيين والهنود».

وكعادته يميل السوق إلى مبالغة طفيفة في القيمة الحقيقية، لكنها لا تزال في نطاق آمن. يوضح الهوا أن «العقارات في دبي قد قامت بالفعل بتعويض معظم خسائرها منذ انفجار الأزمة. ولا أعتقد أن نمو الأسعار في الفترة الماضية سيؤدي إلى تصحيح خلال العام، على الأقل لن يكون تصحيحا كبيرا».

ورغم التحسن المستمر في مؤشرات البورصات المتقدمة، الأوروبية منها والأمريكية واليابانية، لا يعتقد الهوا أن الريح ستستمر في الإتيان بما تشتهيه السفن. فجزء كبير من تعافي الأسواق المالية افتراضي وناتج عن سياسات لتحفيزها. وهناك قطاع واسع من الاقتصاديين الذين يعتقدون أن تسييس قرارات البنوك المركزية وتحفيزها للاقتصاد بهدف إرضاء للرأي العام خطأ سندفع ثمنه عاجلا أم آجلا. أصحاب هذه المدرسة يرون في البنوك المركزية أدوات لتقنين ومراقبة القطاع البنكي والسياسة المالية للدولة لا يجوز أن تتخذ إجراءات لخلق وظائف على سبيل المثال. يعتقد الهوا أنه «بعد الأرقام القياسية التي شهدناها لا شك في أن هناك تصحيح قادم. ففي أكتوبر ينتهي برنامج التحفيز الأمريكي على الأرجح. كما سنراقب أرقام الشركات والبطالة».

كما يتشكك في حقيقة تحسن الاقتصاد الأمريكي، فبغض النظر عن الإعلانات السياسية لا تبدو الأرقام منطقية. يشرح الهوا أن «في الولايات المتحدة هناك ظاهرة مقلقة. يتم الإعلان عن انخفاض أعداد المسجلين على قوائم البطالة لكن عدد الوظائف التي تم خلقها أقل بكثير. فهناك مليون و400 ألف شخص قد خرجوا من قوائم العاطلين الأمريكية في 6 أشهر مضت لكن لم تخلق سوى 500 ألف وظيفة في تلك الفترة».
ورغم عدة مفاجآت سارة في أوروبا، لا تزال نسبة التضخم المنخفضة تخنق القارة العجوز.: «نرى حالات خروج من الانكماش كلها مفاجئة. لكن لا يزال التضخم المنخفض يهدد أوروبا. أنظر إلى اليابان: حين انخفض سعر صرف الين سجل مؤشر نيكي للأسهم أعلى مستوياته منذ سنين».

وعن أزمة عملات الأسواق الناشئة يقول الهوا «رأينا انهيارا للعملات الهندية والتركية والبرازيلية. وهي دول مقبلة على استحقاقات ولديها عجز في الموازنة تحاول الدفاع عن عملاتها باستنزاف احتياطي النقد الأجنبي. لكن أتوقع أن تستمر في الانخفاض. كما أن النمو في روسيا خجول للغاية لأول مرة في سنوات وقد يتباطأ».

لكنه يميز الحالة التركية بأنها أكثر خطورة وحتمية من غيرها: «الانتخابات الهندية قد ترفع الروبية إلى مستوياتها السابقة وكأس العالم قد يحفز اقتصاد البرازيل، لكن أتوقع أن تستمر الليرة التركية في الهبوط. المستثمر الأجنبي فقد ثقته بشكل كبير في الاقتصاد التركي ورفع نسبة الفائدة بقوة من قبل البنك المركزي سيكلف العجز بشكل متزايد. أعتقد أن تركيا ستتراجع إلى ما قبل نمو السنوات الماضية. نسبة الفائدة ليست السلاح المناسب لمحاربة فقدان الثقة على الإطلاق».

الصورة ليست قاتمة بالكامل في عيني جو الهوا، فهو يرى عدة فرص استثمارية بديلة تلوح في الأفق: «ستزداد أهمية سوق السندات والأسواق الناضجة. لكن أعتقد أن هناك دول جديدة ستحتل المكانة التي كانت مخصصة لدول البريكس (BRICS) لدى المستثمرين. أفكر خاصةً في الفلبين مع التوصل إلى استقرار سياسي سيأخذ كثيرا من وهج دول محيطة مثل إندونيسيا وتايلاند. وأتوقع أداء ممتازا في انجولا رغم التضخم المرتفع بسبب اكتشافات البترول لكن الصورة ستعتمد على الاستقرار السياسي لجذب الاستثمارات اللازمة».

نار السوق ولا جنة المضاربة
لارس سيير كريستنسن
الرئيس التنفيذي لساكسو بنك

عند سؤال لارس سيير كريستنسن عن أحوال السوق خلال عام 2014 يصر على التفرقة ما بين وضع الأسواق المالية ووضع العاملين فيها، فهو يرى أن «العام لا يبشر بخير، فهناك أزمة الاقتصاديات الناشئة وتعافي لا يكتمل في الولايات المتحدة وأوروبا وتباطؤ في الاقتصاد الصيني بالإضافة إلى اضطرابات سياسية في أماكن عديدة. أعتقد أن العام سيكون صعبا للاقتصاد العالمي وأسوأ من معظم التوقعات التي ظهرت. لكن كل هذا يعني أن فرص المضاربة والتربح من عدم الاستقرار تتسع مما يفيد مؤسسة مثلنا كثيرا! وعام 2013 كان جيدا جدا بالنسبة لنا بعدما قمنا بإصلاح مؤسسي واسع النطاق وأعدنا التركيز على أولوياتنا».

ولا يعتقد كريستنسن أن المضاربة المفرطة هي ما أودت بالاقتصاد العالمي إلى هذا الحال التعس. ويرى بوضوح رأسمالي لا يتجمل أن «العالم بحاجة إلى المزيد من المضاربة والقليل من السياسة. حالنا سيكون أفضل بكثير إذا كانت الأسواق هي التي تتخذ القرار وليس السياسيين». وينفي كريستنسن أن المضاربة تناقض الإنتاج فيقول: «ما يعيق الإنتاج هو تدخل عالم السياسة فيه. المشكلة الحقيقية اليوم تكمن في عدم إمكانية السوق أن يعمل بحرية، لأنه يتقيد بما نعتقد أن هذا أو ذاك من رجال السياسة سيقوله أو ماذا سيقرر محافظ بنك مركزي ما. هذا أسلوب غير صحي في اختيار أين توضع الموارد. الأسلوب الطبيعي هو أن يقوم القرار على قناعة بجدارة شركة ما لديها منتج متميز أو بطاقات كامنة في دولة ما. كلما سارعنا إلى العودة لذلك النموذج كلما كانت المضاربة صحية».

لكنه يعترف بأن المضاربين يدفعون السوق إلى التطاير وأحيانا التخبط: «صحيح أن الأسواق دائما ما تلجأ إلى ردود فعل مبالغ فيها عند تلقي الأخبار. لكن هذه هي طبيعتها ودورها. دائما ما سيكون هناك تحرك أكبر من حجم الحدث نفسه قليلا. ويرجع ذلك إلى أن التحركات تنتظر حتى يكون الفرق كافي لينتج عنه عائد مادي. لكن سيكون هناك أيضا من هو مستعد إلى الدخول لسد تلك الفجوة إذا كانت أكبر من الواقع».

آخر ضحايا تلك ردود الأفعال العنيفة كانت الأسواق الناشئة. ويرجع كريستنسن ذلك إلى تغير في ثقافة الاستثمار نفسها تم إدخالها في نفس وقت تنامي الاستثمار في تلك الأسواق. ويدلل على نظريته بالعودة إلى الماضي القريب: «ما يوضح هذا الاتجاه هي الاختصارات المبسطة التي أطلقت على الأسواق بالجملة، والتي بدأت بمصطلح BRICS من ابتكار بنكجولدمان ساكس ليشرح إلى مستثمريه مجموعة من الأسواق. ففي واقع الأمر، الناس يحبون التبسيط والتقسيم إلى مجموعات واسعة تحت مسمى جذاب وسهل الحفظ. لقد أصبح ذلك أسلوب تفكير مختصر تم تعميمه ويمكن أن يكون ضيق في رؤيته. لكن من الأسهل على الناس الاقتناع بنظرة مبسطة للعالم دون التفكير في واقعه المعقد. وحتى مديري الصناديق الاستثمارية الذين لديهم ذلك الفهم العميق للتفاصيل مضطرين لأخذ تلك الانطباعات السطحية في حسبانهم لأنها تحرك الأسواق بالفعل».

من أكثر مظاهر سطحية المضارب الجديد أنه لم يعد يراهن على قطاعات قد تستفيد من الأحداث بل يضع السوق برمته في سلة واحدة. فعلى وجه المثال عندما تنخفض قيمة العملة تستفيد الشركات القائمة على التصدير لأن أسعارها تصبح أكثر تنافسية، وهو ما يبدو خارج الحسبان في الكثير من القرارات الاستثمارية اليوم. وخلال السنوات الأخيرة تكيفت المنتجات المالية نفسها لتناسب العقلية الجديدة: «أنا واثق من أن الذين يستثمرون في بلدان ناشئة بعينها ويعرفون أسواقها جيدا يصبحون متخصصين فيها بشكل ما ويمكنهم تمييز فرص بعينها. لكن إذا كان المستثمر يضع أمواله على أدوات مالية تمثل سوق كامل أو يتخذ قراره بناءا على المؤشر الخاص بكل سوق من الطبيعي أن يخرج من السوق عندما تتهاوى قيمة معظم الشركات في هذا المؤشر. فهو اختار المؤشرات كأسلوب استثماري لهذا السبب بالتحديد، وإلا لكان استثمر في شركات بعينها مثلا يثق في أداؤها منذ البداية».

كما أنه حتى المستثمر الأجنبي الواعي يتراجع بسبب عوامل موضوعية. يقول كريستنسن: «أعتقد أن رد الفعل ملائم. فإذا كان هناك مشكلة في تركيا على وجه المثال ستكون هناك مشكلة بالنسبة لليرة التركية على الأرجح، وبالتالي مشكلة مع كل الأصول التي يمتلكها المستثمر في تلك الدولة. لذا يتم تعميم القلق بشكل أكبر في الأسواق الناشئة، فالأرباح التي يجنيها المستثمر في تلك البلدان تعتمد بشكل كبير جدا على سعر صرف عملاتها وليس على أن الشركة التي استثمر فيها أكثر ربحية من منافستها هناك. وفقدان الثقة فيها يجعل اجتذاب رأس المال صعب للغاية بغض النظر عن ما إذا كان سيتجه إلى شركة ممتازة أو إلى شركة سيئة».

وقد تأتي تلك الظواهر الوقتية لتذكير الجميع بمشاكل أعمق وأهم تناسيناها عندما كانت تلك الأسواق تحقق عوائد مرتفعة. ينوه كريستنسن أن «هناك درجات متفاوتة من المشاكل الحقيقية في كل من هذه البلدان. يرجع ذلك إلى آليات اقتصادية مماثلة في معظمها، وعدم إجراء جميع الإصلاحات اللازمة فيها، بجانب اجتذابها لرؤوس الأموال الساخنة سريعة التنقل أكثر من الاستثمارات طويلة المدى. هناك ارتباط إلى حد ما. لكن بالفعل هناك مبالغة عندما ينسحب المستثمرون من كل تلك الأسواق لأن أوضاعها الحقيقية تتباين كثيرا. ويصبح هذا الانطباع رغم أنه غير دقيق كالنبوءة التي تحقق نفسها، فحين تعرف أن المستثمرون قد فقدوا الثقة في سوق ما يكون القرار الصحيح هو سحب أموالك منه».

وفي حين أن التعاملات كانت كثيفة في الأسواق الناشئة، إلا أنها لم تكون مستدامة. ويرى عملاء ساكسو بنك المنتجات المالية في تلك الأسواق بمثابة فرص للربح السريع. يقول كريستسن: «بعض عملائنا تعرضوا لخسائر في منتجات تتعلق بالأسواق الناشئة. والبعض الآخر لم يكن لديهم الثقة للاستثمار فيها بالأصل. ومعظم العمليات التي تتم من خلالنا في تلك المنتجات تتعلق بالعملات، وهي تعاملات سريعة ومتتالية احتمالات الأرباح والخسائر مرتفعة فيها. فستجد عملاء يراهنون على انهيار تلك العملات وعملاء آخرين يراهنون على أن الانخفاض مبالغ فيه وأن هناك تصحيح سيأتي ليتمكنوا من الخروج بسعر جيد».

لكن تدفق الأموال من تلك الأسواق إلى أوروبا قد يستغرق بعض الوقت بحسب كريستنسن. فهو ينتظر تخفيض سعر صرف العملة الموحدة قليلا قبل تحسن الأوضاع بشكل حقيقي في منطقة اليورو. ولا يعتمد في ذلك على فطنة البنك المركزي الأوروبي وإنما على منطق السوق: «أعتقد أن اليورو سيضعف بعض الشيء أمام الدولار لكن كنت أعتقد ذات الأمر منذ عام ونصف. اليورو يقاوم الانخفاض أكثر مما توقعنا، لكن هذا العام هناك عامل جديد وهو استعداد الدولار لأن يعود إلى الارتفاع بسبب الصلابة الذي أثبتها الاقتصاد الأمريكي بالمقارنة بمنطقة اليورو. وأعتقد أن انخفاض بسيط في سعر صرف اليورو بنسبة 7-9 % شيء جيد ومفيد لأوروبا وسيعطي اقتصادياتها فرصة للتعافي والمنافسة في التصدير».

عام 2014 يأتي وجميع السيوف مسلطة على المنظومة المالية. فمن الآثار الجانبية للتحفيز الذي كان يهدف إلى الخروج من الأزمة العالمية قد تولد الأزمة القادمة: «هناك الكثير من الفقاعات حول العالم وبعضها أخطر من غيرها. فهناك الكثير من رؤوس الأموال تدخل إلى فقاعات بدلا من التوجه إلى الاقتصاد الحقيقي، كما أن معدلات الفائدة المنخفضة حول العالم قد عززت وجودها. فقاعة القروض والعقارات في الصين تحتاج إلى التعامل معها، وأعتقد أن قرار الصين بأن تخفض سرعة النمو وأن تجعله أكثر استدامة ليس سيئا أبدا بل على العكس. صحيح أنه سيؤثر على أوروبا ومن يعتمدون على ركوب موجة نمو الصين لكنه جيد للاقتصاد الصيني ويجب علينا التعود عليه».

يبدو كريستينسن أكثر تفاؤلا فيما يخص الاقتصاد الخليجي لكنه يفضل الحذر والتخطيط متوسط وطويل الأمد احتسابا للصدمات: «أعتقد أن هناك خطر ظهور فقاعات في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي لكنها محمية من الآثار السلبية لتلك الفقاعات بشكل أفضل من غيرها. فهناك رأس مال حقيقي لمساندة الاقتصاد كما أن هناك مشاريع بنية تحتية ضخمة كفيلة بأن تساعد على تدويره لفترة. اعترف بأنني متفاجئ بالتفاؤل الكبير هنا بعد سنوات معدودة من حالة تشاؤم. مستوى الثقة المرتفع شيء جيد لكن أقلق من بعض تحركات أسعار العقار. من الصحيح أن انتقال رؤوس أموال من دول الربيع العربي يدعم القطاع بشكل أكثر واقعية وأن التصحيح إذا ما حدث سيكون أصغر من الماضي لكني أنصح بتوخي الحذر والتعلم من التاريخ. يجب الاستفادة من فترات الوفرة لتقوية وتجهيز الاقتصاد لفترات أصعب».