ألقت الأزمة المالية الراهنة بظلالها على المصارف في جميع أنحاء العالم، ولم تكن الأسواق الكبرى للتمويل الإسلامي بمعزل عن ذلك. وفي حين تكبدت المصارف على مستوى العالم خسائر بلغت 700 مليار دولار أمريكي في عام 2008، تأثرت دول الخليج أيضاً، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر ومملكة البحرين وعُمان والكويت بالأزمة المالية، حيث لم تشهد إلا نمواً محدوداً، إن وجد، في عام 2009. وشهد أداء أسواق حقوق الملكية هزات عنيفة وانخفاضاً حاداً على الرغم من الانتعاش الجزئي في هذا العام . وواجهت المصارف في دول مجلس التعاون مراحل صعبة مع ندرة السيولة وتزايد إدراك المخاطر والحقيقة الأبدية المتمثلة في التخلف عن سداد التسهيلات الائتمانية.
منذ بداية الأزمة العالمية في أواخر عام 2008، لم تكن المصارف الإسلامية بمنأى عن تداعيات الأزمة وتأثيرها. وبصفة عامة، زاد دخول الخدمات المصرفية الإسلامية إلى الأسواق الأساسية مع تفوق المصارف الإسلامية على المصارف التقليدية في ما يخص نمو الأصول.
إلا أن القيمة السوقية للمصارف الإسلامية وربحيتها تعرضت لضغوط هائلة مما أدى إلى تضييق الفارق بينها وبين المصارف التقليدية. وبمزيد من التحديد، سجلت عائدات المصارف الإسلامية انخفاضاً هائلاً منذ عام 2008 ولا سيما الانخفاض المدفوع بانخفاض الدخل المحقق من أنشطة الاستثمار.
وكانت بعض المصارف الإسلامية أكثر تأثراً بالقروض المتعثرة من المصارف التقليدية. ولا تزال المصارف الإسلامية أكثر تعرضاً للأصول العقارية مقارنةً بالمصارف التقليدية، في حين أن الكفاءة التشغيلية للمصارف الإسلامية لا تزال وراء ركب المصارف التقليدية.
وتبقى السيولة أيضاً عائقاً كبيراً أمام المصارف الإسلامية، ورغم تمكن المصارف الإسلامية من الحفاظ على حصتها السوقية من الودائع، سوف يلزم عليها أن تدخل في منافسة متزايدة في «حرب الودائع» وفقاً لتقرير القدرة التنافسية الصادر عن المؤتمر العالمي للمصارف الإسلامية لعام 2009/2010.
المشهد العام
وساهمت شركة ماكينزي آند كومباني في إعداد التقرير الذي يلقي الضوء على آخر التطورات التي شهدها مجال التمويل الإسلامي، ويتضمن التقرير أقساما تفصيلية تتناول إدارة السيولة في دول الخليج والمشهد العام للخدمات المصرفية الإسلامية في دول شمال أفريقيا وإدارة الاستثمارات الإسلامية.
ويوصى التقرير بأنه في ظل ظروف السوق الراهنة، يتعين على المصارف الإسلامية أن تقرر الآن مسار عملها المستقبلي وذلك من خلال استكشاف 4 مجالات هامة تتمثل أولها في تعزيز وتنويع مزيج الأعمال من خلال الوصول إلى خطوط أعمال متنامية جديدة مثل التمويل الشخصي وإدارة الأصول ومختلف مجالات الخدمات المصرفية الاستثمارية، وهي تلك المجالات التي كانت بعض المصارف الإسلامية توليها تركيزاً أقل في الماضي.
وثانياً، تحسين إدارة المخاطر بهدف الحد من الصعوبات التي تواجه المصارف الإسلامية على صعيد الائتمان والسيولة وذلك من خلال الارتقاء بمهارات وقدرات إدارة المخاطر. وثالثاً، تقليل تكلفة العمليات وتحسين جودة الخدمات بهدف الحفاظ على القدرة التنافسية في سوق متزايد الاحتياجات. وأخيرا استكشاف فرص النمو الدولية ولا سيما متى توفر رأس مال إضافي يمكن تحقيق استفادة أكبر منه بنشره في الأسواق الأقل نفاذاً إليها.
تحديات
وضعت الأزمة المالية العديد من التحديات والصعوبات أمام الاقتصادات والمصارف في جميع أنحاء العالم، مع تأثر القطاع المصرفي بصفة خاصة، حيث منيت المصارف العالمية بخسائر فادحة تصل إلى 700 مليار دولار أمريكي في عام 2008، وبلغ نصيب أكبر 25 مصرفاً 83 % من انخفاض القيمة الاسمية/الدفترية للأصول نتيجة لأزمة الائتمان.وأثرت الأزمة أيضاً على النمو العالمي، وإن كانت بعض التوقعات لعام 2010 أكثر تفاؤلاً.
ووفقاً لتقرير الدلالات المستقبلية الاقتصادية العالمية الصادر عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر/تشرين الأول 2009، بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي 3.3 % في عام 2008، إلا أن التقديرات تشير أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي تقلص في عام 2009 بمقدار 4.1 % ليصل إلى 1.1 %. ويتوقع أن يتعافى معدل النمو العالمي ليصل إلى 4.2 % في عام 2010 وذلك حسب تقديرات صندوق النقد الدولي. وقد خلفت الأزمة أيضاً تأثيراً واضحاً على معدلات النمو لعام 2009 في الأسواق الكبرى للتمويل الإسلامي.
تأثرت اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي أيضاً بالأزمة المالية، إذ لم تشهد إلا نمواً محدوداً، إن وجد، في عام 2009. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لثلاثة من بين دول مجلس التعاون الخليجي الستة (المملكة العربية لسعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة) شهد انخفاضاً في عام 2009 غير أنه من المتوقع أن تحقق جميع دول مجلس التعاون معدلات إيجابية من حيث نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي تتراوح بين 2 – 4 % مع توقع أن تحقق دولة قطر معدل نمو يبلغ 18.5 %.
ولم يختلف الوضع كثيراً في دول جنوب شرق آسيا، إذ تقلص الناتج المحلي الإجمالي لدولتي ماليزيا وسنغافورة بما يزيد عن 3 % في عام 2009، غير أنه يتوقع أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي لماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا نمواً يتراوح بين 2.5 – 5 % في عام 2010.
نمو سريع
لم تكن المصارف الإسلامية منذ عام 2008 بمنأى عن الأزمة، على الرغم من إزدياد نفاذ الخدمات المصرفية الإسلامية في الأسواق الأساسية مع تفوق المصارف الإسلامية على المصارف التقليدية في ما يخص نمو الأصول، حيث استمرت المصارف الإسلامية في تحقيق معدلات جيدة في نمو الأصول متفوقةً على المصارف التقليدية في عام 2008. وعلى سبيل المثال، بلغ معدل نمو أصول المصارف الإسلامية في الكويت والأردن 15 %، في حين بلغ معدل نمو إجمالي القطاع المصرفي 11 % في نفس العام.
واستمرت وحدات المعاملات الإسلامية في المصارف التقليدية في تحقيق نمو سريع، مما يشكل زيادة في حصة المعاملات المصرفية الإسلامية، إذ بلغ معدل نمو وحدات المعاملات الإسلامية في المصارف التقليدية في قطر والإمارات العربية المتحدة 80 % في عام 2008 مقارنةً بعام 2007.
وقد أدى النمو في أصول التمويل الإسلامي إلى زيادة نفاذ الخدمات المصرفية الإسلامية في الأسواق الأساسية. وشهدت أصول قطاع التمويل الإسلامي في قطر نمواً لتصل من 12.5 % في عام 2003 إلى 20.3 % في عام 2008 من إجمالي أصول القطاع المصرفي. أما قطاع التمويل الإسلامي في تركيا فقد سجل نمواً من 9.7 % في عام 2003 إلى 15.7 % في عام 2008 من إجمالي أصول القطاع المصرفي.
ربحية أعلى
ولا تزال معدلات الربحية المسجلة للمصارف الإسلامية أعلى بصفة عامة من معدلاتها في المصارف التقليدية ولا سيما في دول مجلس التعاون الخليجي. فعلى سبيل المثال، بلغ متوسط العائد على الأصول لأكبر 5 مصارف تقليدية في قطر 3.2 % في عام 2008، في حين بلغ 5.9 % لأكبر 3 مصارف إسلامية. غير أن ربحية المصارف الإسلامية سجلت انخفاضاً أكثر حدةً من المصارف التقليدية، مما أدى إلى تقلص الفجوة بينها وبين المصارف التقليدية.
فعلى سبيل المثال، بلغ متوسط العائد على الأصول لأكبر 3 مصارف إسلامية في الإمارات العربية المتحدة 2.7 % في عام 2007 وانخفض بمقدار 0.8% ليصل إلى 1.9 % في عام 2008، في حين بلغ متوسط العائد على الأصول لأكبر 3 مصارف تقليدية في الإمارات العربية المتحدة 1.8 % في عام 2007 وانخفض بمقدار 0.3 % فقط ليصل إلى 1.5 % في عام 2008.
تعرضت القيمة السوقية للمصارف الإسلامية وربحيتها لضغوط هائلة مما أدى إلى تضييق الفارق بينها وبين المصارف التقليدية، إذ سجلت العائدات انخفاضاً حاداً بداية من عام 2008 والذي يأتي مدفوعاً بصفة خاصة بانخفاض الدخل المحقق من أنشطة الاستثمار.
مخاطر العقار
وكان أداء المصارف الإسلامية في البورصة منذ بداية الأزمة مماثلاً بصفة عامة لاتجاه الهبوط الذي اتسم به أداء المصارف التقليدية. وتفقد المصارف الإسلامية في بعض الدول ميزاتها التنافسية من حيث توقعات السوق. ففي يونيو/حزيران 2008، اتجهت نسبة السعر إلى الأرباح للمصارف الإسلامية في قطر والإمارات إلى الارتفاع مقارنةً بالمصارف التقليدية، غير أنه في عام 2009 كانت التوقعات أفضل في صالح المصارف التقليدية عند المقارنة.
وكانت بعض المصارف الإسلامية أكثر تأثراً بالقروض المتعثرة من المصارف التقليدية، ولا تزال المصارف الإسلامية تواجه مخاطر ناتجة عن الأنشطة المكثفة في القطاع العقاري في حين أن الكفاءة التشغيلية لتلك المصارف لا تزال وراء ركب المصارف التقليدية.
يعتبر الانخفاض في عائدات الأنشطة الاستثمارية وزيادة المخصصات من العوامل التي دفعت الانخفاض في الربحية.
وعند تحليل الربحية الإجمالية لأكبر 3 مصارف إسلامية في الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة والبحرين، نجد أن النشاط الاستثماري في عام 2007 شكل 4.9 % من إجمالي العائدات مقارنةً بنسبة 3.5 % في عام 2008. وبالمثل، بلغت مخصصات نفس المجموعة من المصارف 0.4 % من إجمالي التكلفة في عام 2007 مقارنةً بنسبة 1.2 % في عام 2008.
ضغوط إضافية
وقد شكل ارتفاع التكاليف التشغيلية للمصارف الإسلامية مقارنةً بالمصارف التقليدية ضغطاً إضافياً على ربحية المصارف الإسلامية، حيث بلغت التكاليف التشغيلية لأكبر 3 مصارف إسلامية في تركيا 4.4 % من متوسط الأصول مقارنةً بنسبة 3.3 % للقطاع المصرفي بأكمله. أما في دول الخليج، بلغت التكاليف التشغيلية لأكبر 3 مصارف إسلامية في الكويت 2.5 % من متوسط الأصول مقارنةً بنسبة 1.6 % للقطاع المصرفي بأكمله.
وسجلت المصارف الإسلامية نسبة قروض متعثرة أعلى في عام 2008 من المصارف التقليدية في الأسواق الأساسية، حيث بلغت نسبة القروض المتعثرة في أكبر 3 مصارف تقليدية كويتية حسب الأصول 4.7 % مقارنةً بنسبة 8.6 % في المصارف الإسلامية. أما في الإمارات العربية المتحدة، بلغت القروض المتعثرة 1.6 % في أكبر 3 مصارف تقليدية حسب الأصول مقارنةً بنسبة 3 % في المصارف الإسلامية. وقد يزيد حجم القروض المتعثرة التي تتحملها المصارف الإسلامية في عام 2009 في هذه الأسواق الأساسية مع الانكشاف التدريجي للتأثيرات الكاملة لتباطؤ القطاع العقاري.
استمرت المصارف الإسلامية أيضاً في امتلاك حصة أكبر من الأصول العقارية مقارنةً بالمصارف التقليدية. ووفقاً لما ورد في التقارير السنوية الختامية، تمتلك أكبر 3 مصارف إسلامية في الإمارات العربية المتحدة أصولاً عقاريةً تمثل 26 % من إجمالي أصولها المصرفية مقارنةً بنسبة 19 % للمصارف التقليدية.
أما في الكويت، بلغت نسبة الأصول العقارية المملوكة لأكبر 3 مصارف إسلامية 24 % من إجمالي الأصول المصرفية لتلك المصارف مقارنةً بنسبة 20 % للمصارف التقليدية. وبصفة عامة يتوافق التركيز العالي للأصول العقارية مع الاتجاه الشائع في السنوات السابقة. وإضافةً إلى ذلك، سجلت عائدات شركات العقارات معدلات أقل من معدلات السوق أثناء الأزمة مما زاد من تقلص ربحية المصارف الإسلامية.
العائق الأكبر
تظل السيولة أيضاً عائقاً كبيراً أمام المصارف الإسلامية، ورغم تمكن المصارف الإسلامية من الحفاظ على حصتها السوقية من الودائع، سوف يلزم عليها أن تدخل في منافسة متزايدة في «حرب الودائع»، وفي ما يخص السيولة، تعاني المصارف الإسلامية حالة أكثر وضوحاً من عدم اتساق مواعيد استحقاق الخصوم مع مواعيد استحقاق الأصول مقارنةً بالمصارف التقليدية.
واستناداً إلى عينة من أكبر 7 مصارف تقليدية وإسلامية حسب الأصول في دول مجلس التعاون الخليجي، بلغت صافي فجوة السيولة عن فترة الاستحقاق التعاقدي مدة تتراوح بين سنة إلى 5 سنوات 23 % من إجمالي الأصول بالنسبة للمصارف الإسلامية في عام 2008 مقارنةً بنسبة 16 % للمصارف التقليدية عن نفس الفترة. إلا أن المصارف الإسلامية توفر مزيداً من الموارد المالية من الودائع مقارنةً بالمصارف التقليدية.
ومثلت ودائع العملاء لجميع المصارف الإسلامية في الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والسعودية في عام 2008 حوالي 69 % من الخصوم مقارنةً بنسبة 54 % من إجمالي خصوم المصارف التقليدية في المنطقة وعن نفس الفترة. تمكنت المصارف الإسلامية من الحفاظ على حصتها من الودائع خلال السنوات القليلة الماضية.
فمنذ عام 2005، بلغت ودائع المصارف الإسلامية في قطر والسعودية نسبة تتراوح بين 14 إلى 18 % من إجمالي ودائع العملاء في الدولتين. إلا أن بعض المصارف الإسلامية تقدم حالياً معدلات ربح دلالالية أعلى على ودائع العملاء والتي تزيد أحياناً بأكثر من 1 % عن المعدل الوطني للفائدة بين المصارف.
مراكز قوية
ولا تزال المراكز المالية التي سجلتها المصارف الإسلامية قوية، إلا أن الفجوة بينها وبين المصارف التقليدية مستمرة في التقلص ومن المحتمل أن تواجه المصارف الإسلامية تحديات صعبة مع زيادة معدلات القروض المتعثرة. فعلى سبيل المثال، بلغت نسبة كفاية رأس المال في أكبر 3 مصارف إسلامية قطرية 26.8 % لتزيد بذلك بمقدار 12.2 % عن أكبر أربعة مصارف تقليدية قطرية حيث كانت نسبة كفاية رأس المال فيها 14.6 %.
أما في عام 2008، بلغت نسبة كفاية رأس المال لنفس المصارف الإسلامية 21.7 % لتزيد بمقدار 7.4 % عن أكبر أربعة مصارف تقليدية قطرية حيث بلغت نسبة كفاية رأس المال فيها 14.3 %.
يتعين على المصارف الإسلامية أن تقرر الآن مسار عملها المستقبلي وذلك من خلال استكشاف 4 مجالات هامة في أعقاب الأزمة وفي مقدمتها تعزيز وتنويع مزيج الأعمال من خلال الوصول إلى خطوط أعمال متنامية جديدة مثل التمويل الشخصي وإدارة الأصول ومختلف مجالات الخدمات المصرفية الاستثمارية، وهي المجالات التي كانت بعض المصارف الإسلامية توليها تركيزاً أقل في الماضي. وقد حافظت منتجات التمويل الشخصي على معدلات نمو قوي في دول مجلس التعاون على مدار السنوات القليلة الماضية، وفيما يخص منتجات التمويل الشخصي.
