Posted inأسواق المال

قمة الدوحة: إعادة صياغة العالم

قدمت مبادرة «إعادة صياغة العالم» التي أطلقها المنتدى الاقتصادي العالمي في الدوحة، 58 مقترحاً لتعزيز التعاون العالمي، وضعها أكثر من 1500 من أبرز الشخصيات الأكاديمية ورجال الأعمال والشخصيات الحكومية وخبراء المجتمع المدني.

قمة الدوحة: إعادة صياغة العالم

قدمت مبادرة «إعادة صياغة العالم» التي أطلقها المنتدى الاقتصادي العالمي في الدوحة، 58 مقترحاً لتعزيز التعاون العالمي، وضعها أكثر من 1500 من أبرز الشخصيات الأكاديمية ورجال الأعمال والشخصيات الحكومية وخبراء المجتمع المدني.

اختتمت في العاصمة القطرية الدوحة الأسبوع الماضي أعمال «قمة إعادة صياغة العالم» التي نظمها المنتدى الاقتصادي العالمي، وافتتحها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير قطر بحضور الملكة رانيا العبد الله وحضور بارز لشخصيات عالمية اقتصادية وسياسية واجتماعية وسط مخاوف المشاركين من تضاؤل الاندفاع نحو إصلاح النظام العالمي.

وقد حضر القمة أكثر من 400 مشارك من أكثر من 60 دولة، وشكلت المناقشات مختبر عمل غير رسمي لاستكشاف وتدقيق وتبني أفكار السياسات وفرص الشراكات هذه. وتم نشر مقترحات إعادة صياغة العالم،في بداية القمة التي استمرت يومين، في تقرير حمل عنوان «مسئولية الجميع:تعزيز التعاون الدولي في عالم أكثر ترابطاً.»

تضاؤل الإرادة

وخلال الجلسة الختامية، قالت باتريسيا إسبينوزا كونتيانو، وزيرة الخارجية المكسيكية: «بوسعنا الآن أن نغتنم الوقت الراهن كفرصة لابتكار كيفية المضي قدماً». ومن جانبها، أضافت تارجا هالونين، رئيسة جمهورية فنلندا : «السؤال الأهم هو كيف يمكن أن نقوم بالإصلاح، وعلينا دائماً أن نفكر بكيفية القيام بذلك».

من جهة أخرى، أعرب بعض المشاركين عن قلقهم حيال تضاؤل إرادة المجتمع الدولي لتطبيق الإصلاحات الكبيرة، رغم أن تداعيات الأزمة المالية العالمية ما زالت تطفو على السطح. وعن ذلك، أوضح فيم كوك، رئيس وزراء هولندا السابق (1994-2002)، ورئيس نادي مدريد بالقول :»يحتاج العالم إلى أزمة تجعله يدرك ضرورة التغيير». بينما لفت آخرون إلى أن مقاومة التغيير قد يصعب التغلب عليها، حيث قال أكيم ستاينر، المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة:»يسود إحباط حول قدرة المنصات الدولية الحالية على توفير الأشكال المطلوبة من التغييرات الجذرية اللازمة. ويتعين علينا البحث عن الفرص الإيجابية لتحقيق التغييرات الكبيرة».

اتجاه واحد

واعتبرت سامانثا باور، مدير أول الشئون متعددة الأطراف وحقوق الإنسان في مجلس الأمن القومي الأمريكي، أن الوضع الراهن ليس خيارا متاحاً. ونوهت إلى أنه على مؤسسات التعاون العالمي أن تصبح أكثر تمثيلا وكفاءة.

وأضافت باور : «المؤسسات وأطر العمل التي لا تخدم مصالح الشعوب لن تكون مستدامة، فالتمثيل والفعالية والكفاءة تتلاقى جميعها في مدار واحد، علينا أن نسير في هذا الاتجاه». وأشارت باور إلى أنه يجب أن يتم التعامل مع التحديات العالمية من خلال مناهج متعددة الأبعاد، لا تشمل الحكومات فقط وإنما أيضا رجال الأعمال والمجتمع المدني. وقالت: «حتى الآن، لم نتعرف على الطريقة التي يمكن من خلالها دمج الجهات غير الحكومية».

ونوهت ساداكو أوغاتا، رئيسة الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا) وعضو مجالس الأجندة العالمية حول المساعدات الإنسانية، إلى أن الحلول الخاصة بالمشاكل العالمية يجب أن تأخذ في الاعتبار الظروف الحقيقية على أرض الواقع. وقالت: «النماذج التي نتبناها تتسم بطابع دولي مبالغ فيه، ويجب أن تكون نماذج الحوكمة التي نحتاجها نابعة من داخل مجتمعاتنا. فمن أجل أن تنجح في جهود التنمية علينا أن نتواصل مع الناس ونعيش معهم».

المنصة المناسبة

وفي حديثه أمام المشاركين، أوضح اللورد مالوك براون، نائب رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي أن مقترحات «مبادرة إعادة صياغة العالم» التي تمت مناقشتها في القمة يجب أن «تخرج من هنا إلى مؤسسات صنع القرار». وقال: «نمتلك المنصة المناسبة التي تتيح لنا إزالة جميع العقبات التي تقف في طريقنا نحو تبني هذه الأفكار في مختلف العمليات الحكومية والوطنية».

واختتم كلاوس شواب، المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي قائلاً: «سوف نحول مبادرة إعادة صياغة العالم إلى شراكة قائمة على أجندة عالمية مستمرة. وعلينا جميعا أن نعمل معا وأن نكون سفراء لمبادرة إعادة صياغة العالم وما تم تحقيقه هنا في قطر».

مقترحات شاملة

وقد أصدر «المنتدى الاقتصادي العالمي» تقريره الذي تضمن جملة مقترحات شاملة تهدف إلى تعزيز التعاون الدولي والارتقاء بممارسات الحوكمة إلى مستويات غير مسبوقة.

ويعد تقرير مبادرة «إعادة صياغة العالم» نتاج عام كامل من الحوار وثمرة جهود فرق عمل ضمت أكثر من 1500 من أبرز الشخصيات الأكاديمية ورجال الأعمال والشخصيات الحكومية وخبراء المجتمع المدني وصناع القرار من مختلف أنحاء العالم. وقد ضم 58 مقترحاً محدداً و9 مقالات متخصصة وضعتها بعض أبرز مؤسسات المجتمع الدولي، حول التعاون الدولي في المجالات الاقتصادية والبيئية والأمنية.

وحذر تقرير المنتدى الذي حمل عنوان «مسئولية الجميع: تعزيز التعاون الدولي في عالم أكثر ترابطاً»، من تراكم مخاطر جسيمة وتحديات عالمية في العديد من المجالات، وأن المؤسسات والترتيبات الدولية غالباً ما تكون غير مجهزة بالصورة المناسبة لتوفير الاستجابة الاستباقية.

ودعا التقرير، الذي ذكر المجتمع الدولي بأنه في خضم الأزمة المالية خلال أواخر عام 2008 وبداية عام 2009 كان «مقيداً بالطبيعة المتغيرة التي يتميز بها عصرنا»، إلى «التمسك بهذه الفرصة، وترسيخ إنجازه الكبير المتمثل في احتواء الأزمة، وتجديد عهده الذي قطعه مسبقاً بخصوص ترميم النظام العالمي».

المصالح الضيقة

وبالتوازي مع مؤتمري «دمبارتون أوكس» و»برايتون وودز» عام 1944 اللذان تم خلالهما تصميم الكثير من هيكليات الأمن والاقتصاد الدولي لفترة ما بعد الحرب، وذلك قبل أكثر من عام على انتهاء الحرب العالمية الثانية، خلص التقرير إلى أن الوقت قد حان بالنسبة للحكومات والشركات ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى إلى «الترفع عن مصالحها الفورية الضيقة والنظر بجدية أكبر إلى الفوائد طويلة الأمد التي ستجنيها من توفر منظومة تعاون عالمي سليمة ومنظمة للقرن الحادي والعشرين».

واتفق ريتشارد سامانز، مدير المنتدى الاقتصادي العالمي وكلاوس شواب المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى واللورد مالوك براون، نائب الرئيس، المنتدى الاقتصادي العالمي، في فصل المراجعة العامة ضمن التقرير على أنه: «ينبغي على الحكومات، حتى في الوقت الذي تقوم خلاله برسم استراتيجياتها الخاصة للهروب من إجراءات التحفيز المالي والنقدي المطبقة خلال الأزمة، المشاركة في الجهود الرامية إلى تعزيز استيعاب المعنى الأوسع للتغييرات التي ساهمت في إحداث نقلة كبيرة في وضع المجتمع الدولي خلال الفترة الماضية، وجعلت الكثير من هيكلياته التعاونية غير ملائمة تماماً للأهداف المطلوبة».

واقترح تقرير المنتدى «وضع مخطط لتعزيز التعاون الدولي في عصر يتميز بالاعتماد المتبادل متزايد التعقيد، مما يجعل الأمر أكثر فعالية وشرعية»، وذلك استناداً إلى العديد من المقترحات التي انبثقت من عملية إعادة صياغة العالم.


تجاوز التعددية

وبصورة أكثر تحديداً، يقترح التقرير منهجاً «متعدد الأبعاد» ويركز بصورة أكبر على النتائج تجاه الحوكمة والتعاون الدولي، على أن يشمل، ولكن في نفس الوقت، يتجاوز حدود التعددية.

ويرى التقرير أن الترابط المتنامي الذي يشهده المجتمع الدولي يسهم في خلق طرق ووسائل جديدة لتسريع التقدم فيما يتعلق بمعالجة العديد من التحديات العالمية، كما يشرح الفوائد التي يمكن أن تنتج عن عملية توحيد الاستراتيجيات العملية التي تستفيد من هذه الأدوات والقدرات الإضافية لتحقيق تقدم ملحوظ في مواجهة قضايا مهمة مثل تغير المناخ ونضوب مصائد الأسماك والبطالة والفقر والصحة العامة وانتشار أسلحة الدمار الشامل والحصول على التعليم والأمية حتى عندما تبدو الاتفاقيات الجديدة متعددة الأطراف بعيدة دبلوماسياً.

الدولة النواة

ودعا التقرير «نواة النظام العالمي، أي الدولة، إلى أن تتكيف مع عالمنا الأكثر تعقيداً، في وقت أصبحت فيه المؤسسات الفاعلة غير الحكومية قوة متنامية الأهمية». وتحقيقاً لهذه الغاية، يحث التقرير الهيئات الحكومية والمنظمات الدولية على التعبير عن نفسها بصورة أكثر صراحة باعتبارها تشكل جزءاً من «نظام التعاون العالمي الأوسع والذي يمتلك القدرة على التغلب على القيود المتعلقة بالنمو والمعلومات والترابط التي تعاني منها حالياً، وذلك من خلال دعم إعداد وتنفيذ القرارات المتعلقة بعمليات التفاعل مع الشبكات متعددة التخصصات وأصحاب المصلحة المتنوعين من الخبراء والجهات الفاعلة ذات الصلة».

وفي السياق نفسه، حثّ التقرير على تعزيز حس الملكية والمسئولية، ونقلة نوعية في القيم، من جهة هذه المؤسسات غير الحكومية وقادتها حول سلامة النظام الدولي.

وانتقد التقرير «الثمن الباهظ الذي دفعه المجتمع الدولي لقاء تهاونه تجاه النظام المالي ومخاطر الاقتصادات الكلية، التي تم التطرق إليها على نطاق واسع، وسمح لها بالرغم من ذلك أن تتراكم لأمد طويل».

ودعا التقرير «القائمين على تدريب واختيار قادة الأعمال، والعلوم، والتعليم، والدين، والإعلام، وكذلك السياسة، لاسيما برامج تعليم الجامعيين ومجالس الإدارة وأقسام الموارد البشرية، إلى إعادة تصميم مناهجهم وسياسات تنمية المهارات العليا، وسياسات الترقية، ليعكسوا أنهم لا يعملون على بناء قادة المؤسسات فقط، بل أيضاً مسئولين عن النظام العالمي وبالتالي دور المجالات التي يعملون فيها».

مقترحات

وبالإضافة إلى تقديم مقترحات لتعزيز هيكليات التعاون العالمية على صعيد الأزمات المتنوعة مثل الاستقرار المالي، والتجارة الدولية، وقلة المياه، والحد من جرائم الإبادة الجماعية، وأمن الإنترنت، وسوء التغذية، وأمن الطاقة والعديد غيرها، يقدم تقرير «مبادرة إعادة صياغة العالم» عدداً من المقترحات ذات النطاق الأوسع للمجتمع الدولي، حيث أنه على سبيل المثال:

• يحثّ اجتماع قادة مجموعة العشرين على الإسراع في توضيح أهدافه الحالية وعلاقته مع منظمة الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المختصة، حيث قدم التقرير عدداً من المقترحات الخاصة بهذا الشأن. كما أنه يحفز هؤلاء القادة على التوصل إلى اتفاق شامل حول مفاوضات الأمم المتحدة للمناخ، التي وصلت إلى طريق مسدودة، والتجارة في «منظمة التجارة الدولية»، وتمويل «الأهداف الإنمائية للألفية»، وإصلاح «صندوق النقد الدولي» و»البنك الدولي»، ومفاوضات إعادة موازنة الاقتصادات الكلية العالمية، مؤكداً أن مثل هذه القفزة بالنظام نحو التعاون الدولي من شأنها تحقيق منفعة حقيقة كبيرة للبلدان النامية، والصاعدة، والمتقدمة، ويمكن أن تأتي فقط عن طريق قادة مجموعة العشرين.

• يقدم رؤية لتحقيق تطورات كبيرة في مجال الحوكمة البيئية العالمية عبر الاستراتيجيات العملية الهادفة ومتعددة الأبعاد، من أجل دعم الخطوات العملية في المشاكل البيئية المختلفة، سواء كان من الممكن أو غير الممكن التوصل إلى اتفاقيات متعددة الأطراف حولها قريباً. ويوصي التقرير بأن يبادر مؤتمر الأمم المتحدة في عام 2012 «ريو 20» إلى تبني الأفكار العملية العديدة الواردة فيه، من أجل بناء آليات تمكين عامة وخاصة، واعتماد أنظمة معلومات أفضل، وحشد التحالفات الكبرى لبحث المشاكل الأساسية، وتعزيز القدرات المؤسسية، وعند الإمكان توسيع نطاق القانون الدولي ليشمل التحديات المتنوعة مثل الحفاظ على الحياة البحرية والمحميات المرجانية، وكفاءة استهلاك الطاقة، وتطوير التقنيات منخفضة الكربون، وقطع الأشجار، ومياه الشرب الآمنة والتعقيم، ومعايير الكربون للاستثمارات وقطاعي الشركات والمستهلكين، والاستهلاك المستدام، وأمن الطاقة.

الدائرة المفرغة

من جانبه، قال البروفيسور كلاوس شواب، المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي: «لكي نتجنب الوقوع في دائرة مفرغة من جهود مواجهة الأزمات، يتعين علينا تحليل القوى الرئيسية التي تسهم في تغيير عالمنا وأن نعمل على وضع سياسات تأخذ باعتبارها التغيرات الهيكلية المتعددة التي تشهدها العوامل الجيوسياسية والجيواقتصادية».

وأضاف براون:»لقد وصلت العديد من القضايا إلى طريق مسدودة في المفاوضات الحكومية الرسمية. وتكمن القوة الرئيسية في هذا المنهجية في أن الناس القادمين من خلفيات مختلفة ولكن يشتركون في العديد من التجارب، قد تمكنوا من التوصل إلى حلول ذكية تساعد في الخروج من الخانة الضيقة للترتيبات الحكومية الدولية التقليدية».

يذكر أن دولة قطر، وسنغافورة، وسويسرا، وتنزانيا هم رعاة مبادرة إعادة صياغة العالم. وقامت بتطوير المقترحات مجالس الأجندة العالمية التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي والتي تضم مجموعات متعددة من أصحاب المصلحة من الخبراء وصناع القرار، ورواد الفكر والأعمال والمجتمع المدني والمؤسسات الدولية والحكومية، إضافة إلى مجموعات شركاء الصناعة وفرق عمل القادة العالميين الشباب.

18 شهراً

وعلى مدار الـ 18 شهراً الماضية، دأب نحو 1500 خبير موزعين على عدد من مجموعات الدراسات المختصة، على هدف إعادة صياغة أشكال التعاون الدولي.

ودرست هذه المجموعات جميع أنواع المشاكل التي يواجهها العالم بدءاً من الأزمة المالية والفقر والأمن والتغيرات المناخية، إلى التجارة والهجرة، من أجل اقتراح كيفية مواجهة كل منها على المستوى العالمي. وشكلت قمة الدوحة أمام هؤلاء فرصة لطرح تقريرهم وآرائهم على ممثلي الحكومات في القمة التي استضافتها قطر.

وفي حين جاءت هذه الخطوة نتيجة للأزمة المالية العالمية الراهنة وأيضا نتيجة للفجوات الواضحة التي كشفتها على صعيد التشريعات الدولية الخاصة بالبنوك، إلا أنها كانت بمثابة جانب بسيط من مشكلة أكثر عمقاً واتساعاً. فالعالم مرتبط في العديد من جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية، بيد أنه يفتقر إلى الحوكمة أكثر من ذي قبل بكثير.

وفي حين اتخذت الأزمات أبعاداً عالمية، بقيت الحكومات تعمل فقط على إطار الدولة الضيق، كما أن جيل المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز، لم يفلح في ملء الفراغ الذي خلفه انهيار الإمبراطوريات الأوروبية القديمة، حتى أنها لم تعمل على ذلك على الإطلاق.

وبالفعل، كان نتاج تلك الفترة عبارة عن دولٍ غيورة على حماية استقلاليتها من التدخلات الخارجية. ورغم أن القفزات النوعية التي شهدتها مجالات التجارة والاتصالات والتقنيات، باتت تشد العالم بعضه إلى بعض، فليس هناك سوى مستوى ضئيل من الإجماع حول كيفية مواجهة هذه القائمة المتنامية من الأزمات العالمية.

مثال واحد

ولم تكن الاستجابة البسيطة للوصول إلى مسار عالمي متفق عليه، من أجل التوصل إلى تشريعات مالية دولية سوى مثال واحد، حيث تتباين الاستجابات الخاصة بهذا الشأن على مستوى الدول، كما أن المؤسسات المالية بدأت تبحث عن أماكن أقل ضريبة وتنظيماً، الأمر الذي يقوض بدوره جميع المساعي الإصلاحية.

وحتى على نطاق أوروبا التي تشهد مستويات أوضح من الحوكمة، عجزت البلدان عن الاتفاق على مدى خطورة الرماد البركاني المندفع من بركان آيسلندا على محركات الطائرات.


وشهد عام 2009 تفاؤلاً مبكراً بأن مجموعة العشرين المطورة التي سارعت لتحل محل مجموعة الثمانية السالفة، قد تتمكن من توفير آلية فعالة لمواجهة الأزمة العالمية، حيث أظهرت في اجتماعاتها الأولى على مستوى قادة الحكومات في واشنطن ولندن وبطرسبرغ، أنها تعمل بحزم على تهدئة الأسواق عبر إطلاق رزم التحفيز المالية العالمية المنسقة، وتزويد صندوق النقد الدولي بالموارد التي تتيح له مقاومة أية انهيارات مستقبلية.

ومع مرور الوقت، ارتدت الدول التي وجدت أنفسها مرهقة بخسائر بنوكها المحلية، وكلفة رزم التحفيز نفسها، نحو خطط التحوط الوطنية.

عالم مضطرب

ورغم الجهود التي بذلتها كوريا الجنوبية وفرنسا، وكفاح رجال السياسة واجتماعات مجموعة العشرين الحالية والمستقبلية، من أجل الحفاظ على طموحات مجموعة العشرين، فإن العالم ما زال يبدو مضطرباً ومنقسماً.

وكما هي حال المفاوضات التجارية والمناخية المؤجلة، فإن مجموعة العشرين تعتمد أيضاً اعتماداً كبيراً على الإرادة السياسية، يضاف إلى ذلك أن الحكومات خسرت الكثير مما لديها نتيجة للجدل الداخلي الذي سببته كفالة إنقاذ العالم من الأزمة المالية.

فها هي الانتخابات البريطانية تقصي غوردون براون رئيس الوزراء البريطاني الذي يعد أبرز رواد جهود الإنقاذ خارجاً، بينما يواجه الرئيس الأمريكي باراك أوباما نشاطاً متجدداً للحزب الجمهوري، في حين تكافح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لتبرير خطط إنقاذ اليونان للشعب الألماني.

وجاءت الجهود الحكومية المالية الدولية في عام 2009 بديون متزايدة وكثير من التوترات الداخلية السياسية في العام التالي، وبالتالي لا عجب أن يعمد رجال السياسة إلى تجنب التورط مع الأطراف المتعددة كلما سنحت لهم الفرصة.

وتشكو مجموعة العشرين اثنين من العيوب الأخرى، فهي تمثل 85 % من الاقتصاد العالمي، وتمتلك نفوذاً أقوى بكثير من مجموعة الثمانية نظراً لرجوح كفة الاقتصادات الغربية القديمة التي تركت الصين، والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وغيرها خارجاً.

العيب الثاني

ورغم كبر حجمها، فإنها ما زالت تستثني الكثير من البلدان الأمر الذي يشكل شكوى متزايدة في الأمم المتحدة. وبالنسبة للعديد منا، فإن أصوات المجتمع المدني، والمنظمات غير الحكومية، والأعمال وغيرهم من الأطراف ذات الأهمية في الاقتصاد السياسي العالمي الجديد، تحتل القدر نفسه من أهمية الإقصاء جانباً.

ومن ثم يأتي العيب الثاني الذي يمكن لمشروع المنتدى الاقتصادي العالمي أن يساعد بشأنه، وهو تعقيد عملية تطوير السياسات في مجموعة العشرين، والتي جاءت أساساً من جولات الذهاب والإياب المتعددة لقادة مجموعة الثمانية المرهقة، والاجتماعات اللامنتهية حول العالم، والمؤتمرات الصوتية والتبادل الكثيف للمسودات عبر البريد الإلكتروني من أجل الاتفاق على الأداة الرئيسية لاجتماع مجموعة العشرين. ورغم أن اجتماعات مجموعة العشرين تضم أوراق تكليف واستشارات، إلا أن معظمها يضيع على أرضية إعداد النسخة النهائية، أثناء احتدام الصراع المحموم على التوصل إلى إجماع حول التقرير. وبالتالي، تتقلص المشاكل المعقدة إلى ملخص غامض للتقرير، يحمل أقل السمات المشتركة، ومن ثم يستمر النقاش كما كان مقرراً له، وغالباً ما تهدر فرص القيام بأية خطوات عملية.

ومن خلال الجمع بين خبراء السياسات من الجهات الحكومية والمؤسسات الدولية، وكذلك مراكز الفكر والجامعات والأعمال والمنظمات غير الحكومية، غير الملزمين بتقديم وجهة نظر رسمية، ودون تحديد أي موعد نهائي مصنطع، أو الحاجة للاتفاق على كافة التفاصيل الصغيرة، كان كلاوس شواب المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي، يأمل الخروج بمجموعة مقترحات أكثر أصالة واتساعاً، مقارنة بما تتيحه الزاوية الضيقة لاجتماعات مجموعة العشرين وغيرها من المفاوضات الدولية. فما الأسلوب الذي اتبعه الخبراء؟ أولاً، عمدوا إلى تجنب المبادارت المؤسسية الدولية الجديدة والضخمة، وأيضاً إعادة إطلاق منظمة الأمم المتحدة أو إغلاق صندوق النقد الدولي.

الأفكار الذكية

وعوضاً عن ذلك، اتجهوا للتركيز على الأفكار الذكية الموزعة، وعلى ملتقى يجمع بين مستخدمي ومزودي الطاقة للتحدث عن استقرار الطاقة، وسياسات التسعير أيضاً، وملتقى مشابه للجمع بين الدول التي يتوافد منها المهاجرون وتلك التي تستقبلهم على طاولة واحدة. وذلك نظراً لأن غياب المقترحات الكبيرة للتغيير المركزي يلائم المناخ الحالي، إذ ليست هناك شهية حالية لمثل هذه المقترحات في عالم ما بعد الركود الاقتصادي.

في الواقع هناك الكثير من الشكوك حول ما يمكن للمؤسسات العامة الكبيرة أن تحققه وحدها في عالم يتميز بتعدد أصحاب المصلحة فيه. ومن الواضح أن هناك الكثير من التساؤلات بين الخبراء حول رغبة أو قدرة الحكومات وحدها على حل المشاكل. وعليه، نجد أن التركيز يتحول إلى كيفية قيام الحكومات بتوفير الدافع أو الحوافز من خلال التنظيم والضمانات للقطاع الخاص، وليس لتحقيق الأرباح من خلال القيام بتوسيع البنية التحتية وتوفير الخدمات في معظم أنحاء العالم.

ويرى التقرير بالنظر إلى مسألة تغير المناخ أن الشركات ومؤسسات المجتمع المدني أصبحت جاهزة للمضي قدما نحو الوصول إلى اقتصاد عالمي منخفض الكربون حتى في ظل محاولة الحكومات تجنب التكاليف السياسية والمالية التي تتطلبها هذه العملية. وبالمثل، فإن القطاع الخاص لديه أفكار عملية تساعد في الوصول إلى طاقة نووية آمنة، وبالتالي نمو قطاع طاقة نووية عالمي يسهم في الحد من خطر الأسلحة المارقة.

حوكمة المحيطات

ويظهر الخبراء تميزاً على صعيد التطرق إلى القضايا التي غابت عن التفكير الحكومي. فعلى سبيل المثال، بقيت الحكومات واضحة حول مسألة حوكمة المحيطات بعد أن أمضت سنوات طويلة غارقة في معاهدة البحار، والتي هي عبارة عن مفاوضات دولية تطلبت جهوداً كبيرة من بعض المسئولين المعنيين لإكمالها.

وأعلنت لجنة المنتدى الآن بأن المحيطات تمثل تهديداً بيئياً صامتاً، ولا يقل تأثيره على مستقبل أطفالنا عن تغير المناخ، حيث يشهد التنوع البيولوجي والحياة البحرية تدميراً متهوراً نظراً لأن الملوثين وأساطيل الصيد التجارية تتعامل معها على أنها إقطاعيتهم الخاصة. فقد قاموا بوضع مقترحاتهم قبل فترة طويلة من حادثة التسرب في خليج المكسيك التي تسبب لهم الآن الكثير من الانزعاج.

وباعتبار أن الخبراء لم يمثلوا المواقف الرسمية، فإن هناك مجالا لنمو حس سليم. ولكن بطبيعة الحال وفي بعض الأحيان، يكون العكس تماماً، حيث يطلق العنان للمخيلات في الوقت الذي يسعى فيه الأكاديميون إلى المزايدة على بعضهم البعض من خلال المقترحات.

ولكن كان هناك أفكار معقولة حول تحسين الصحة العامة العالمية والمساعدة في عملية التنمية، فقد تمكن اثنان من الخبراء، وهما بنك الاستثمار الأمريكي غولدمان ساكس، واقتصادي صيني، من رسم ارتباط بين مجموعة من المقترحات التي تخص التنظيم واختلال التجارة التي قد توفر خارطة طريق للمشاركين في قمة مجموعة العشرين.

ويظهر النهج المتبع أن هناك الكثير من الأفكار الجيدة حول كيفية إدارة العالم، وأنه لا بد من تزويد مجموعة العشرين أو الأمم المتحدة بالعمليات المناسبة بما يتيح الفرصة أمام مجموعة واسعة من أصحاب الرأي للتفكير ومناقشة الحلول بأسلوب أقل ضيقاً من القنوات الرسمية. كما يظهر من خلال هذه المعطيات أن كل نهج مرتبط بالآخر. ولا شك في أن هذه المقترحات ستبقى مجرد أفكار أكاديمية مثيرة للاهتمام إذا لم تتبناها الحكومات وتضمنها في المبادرات والمفاوضات الدولية.

ومن جهة أخرى، أظهرت الحكومات نوعاً من المحافظة والحذر إزاء تغيرات دولية جريئة، إلى أن أجبرتها الأزمة على المضي في طريق مغاير. ولن يحدث التغيير إلا إذا وقفنا جميعاً وراء الأفكار التي نهتم بها ونثير المناقشات حولها.