تستضيف فرنسا أكثر من 22000 ألف شركة أجنبية حالياً، ومع ذلك فإنها تسعى بقوة لكسب المزيد من الشركات والاستثمارات الأجنبية، من خلال مواصلة الإصلاحات وتسهيل بيئة وقوانين الاستثمار، وكذلك للتغلب على تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة.
تعتبر فرنسا خامس أقوى اقتصاد في العالم بناتج وطني إجمالي يصل إلى 2634 مليار دولار لعام 2009. وحسب تقرير معهد التنمية الإدارية الذي نشر بتاريخ 19 مايو/أيار 2010 حول التصنيف السنوي العالمي للتنافسية، جاءت فرنسا في المركز الـ 24، متقدمة 4 مراكز عما كانت عليه في 2009.
وللوقوف على الأوضاع الاستثمارية في دولة بحجم فرنسا التقت أريبيان بزنس، سليم صيفي مستشار الاستثمار الإقليمي الوكالة الفرنسية للاستثمارات الأجنبية في الشرق الأوسط والتي تعمل على تعزيز وتسهيل الاستثمارات الأجنبية في فرنسا. وكان صيفي يشغل منصب الملحق التجاري في القسم التجاري لدى السفارة الفرنسية في المكسيك وفي السفارة الفرنسية في الكويت كمستشار في القسم السياسي لغاية سبتمبر/أيلول 2007. حيث كان الحوار التالي:
كيف تعتقدون أن بإمكان الوكالة الفرنسية للاستثمارات الأجنبية أن تكسب مزيدا من الاستثمارات الخليجية، بينما يعاني العالم وبخاصة أوروبا من أزمة اقتصادية ؟
على الرغم من تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في جميع أنحاء العالم، لا يزال الاستثمار الأجنبي مستمرا في فرنسا. لقد سجلت فرنسا 639 مشروعاً استثمارياً أجنبياً في عام 2009 ، بزيادة عن الرقم المسجل في عام 2007 وهو (624) مشروعاً، وتقريباً نفس العدد المسجل في عام 2008 (641). هذا ما جعل من فرنسا الوجهة الأوروبية الرائدة للاستثمار الأجنبي في عام 2009 والأولى في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية. فأكثر من 22000 شركة أجنبية موجودة حاليا في فرنسا.
وللمحافظة على مرتبتها وكسب مزيد من الاستثمارات الأجنبية قامت الحكومة الفرنسية بالعديد من الإجراءات والإصلاحات بعيدة الأمد في السنوات الأخيرة لتسهيل الأعمال في فرنسا لفائدة الشركات والمستثمرين. وفي هذا الإطار أستطيع ذكر بعض الإجراءات التي تم اتخاذها مؤخرا :
فقد خصصت الحكومة الفرنسية 1.5 مليار يورو على شكل منح لمشاريع التطوير والدراسات، وسوف تستثمر أيضا مبلغ 5 مليار يورو في السنوات المقبلة لتطوير الجامعات والبحث العلمي فيها.
وتشجع الحكومة الفرنسية أي نوع من الاستثمار في مجال الطاقة المتجددة والتنمية المستدامة بتخصيص 5 مليار يورو كل عام و حتى عام 2020 لتنمية هذا القطاع.
و في مجال الموارد البشرية، هناك نوع جديد من عقود العمل محددة المدة التي جعلت من التوظيف وإنهاء الخدمات أكثر سهولة.
وفي ما يخص تشجيع الاستثمارات الخليجية، تقدم الوكالة الفرنسية للاستثمارات الأجنبية تسهيلات شخصية ومخصصة للمستثمرين الخليجيين عبر مكتبها الإقليمي المتمركز لدى القسم الاقتصادي التابع للسفارة الفرنسية في أبوظبي. وهذا المكتب مسئول عن تشجيع ودعم الاستثمارات الخليجية في فرنسا وتقديم الدعم الكامل للمستثمر الخليجي لدى المؤسسات والأطراف الفرنسية المعنية بذلك.
ماذا يمكن أن تقدم فرنسا إلى مستثمري الإمارات العربية المتحدة الذين يختلفون عن مستثمري البلدان الأخرى في الاتحاد الأوروبي؟
أولا أود أن اذكر انه يوجد حاليا عدد من الاتفاقيات الثنائية لدعم الاستثمار المباشر بين البلدين كاتفاقية منع الازدواج الضريبي الموقعة في عام 1989 واتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات في البلدين الموقعة في عام 1991. هذه اتفاقيات تأكد عن التزام التاريخي للبلدين في مجال دعم الاستثمار المتبادل.
ويعود اختيار فرنسا بدلاً عن البلدان الأخرى في الاتحاد الأوروبي كوجهة للاستثمار الأجنبي ومنه الإماراتي إلى عدد من العوامل، ومنها مثلا :سوق استهلاكية كبيرة تمتاز بالمرونة، بنى تحتية ممتازة، أيد عاملة مؤهلة، النمو عبر الإبداع والابتكار، وحياة ذات جودة عالية. وهنا أود أيضاً أن أذكر بعض الامتيازات المقدمة للمستثمر الأجنبي في فرنسا:
أولاً تعتبر فرنسا خامس أقوى اقتصاد في العالم بناتج وطني إجمالي يصل إلى 2634 مليار دولار لعام 2009. وبعد تجاوز الركود الاقتصادي العالمي لسنة 2008، لم ينخفض الناتج الوطني الإجمالي لفرنسا إلا بنسبة 2.3 % في عام 2009 مقارنة بنسبة 4.8 % في كل من المملكة المتحدة وألمانيا. كما انتعش الاقتصاد الفرنسي مجددا في الربعين الثالث والرابع (0.2+ % و0.6+ %).
وثانياً الإعفاء من ضريبة الدخل حتى 50 % من الراتب (الإعفاء الكامل للضرائب على بدل السكن) وذلك للمغترب الأجنبي الذي يعمل بعقد عمل خارجي.
وثالثاً تقل ضريبة الدخل في فرنسا عن نظيرتها في المملكة المتحدة، حيث أن النسبة الأعلى في فرنسا هي 40 % وتطبق فقط على الدخل الذي يتجاوز 70000 يورو (37400 جنيه إسترليني في المملكة المتحدة).
ورابعاً فان الفائدة الضريبية عن الاستثمار في البحوث في فرنسا هي الأكثر جذبا في أوروبا. لا يوجد سقف لحدود الصرف على الفائدة الضريبية إذ أنها تحسب على الحجم السنوي لكل المصاريف المتعلقة بالبحوث والتطوير (الرواتب ، التأمينات الاجتماعية ، مصاريف العمليات، تراجع قيمة العملة، براءات الاختراع).
خامساً. وفقا لبيانات KPMG في عام 2008 فإن كلفة افتتاح وإدارة الأعمال هي أقل في فرنسا منها في ألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة وهولندا.
هل لديكم أية أرقام عن حجم الاستثمارات الإماراتية خاصة، والخليجية عامة في فرنسا؟
الاستثمارات المباشرة الإماراتية في فرنسا ملموسة إذ وصل مجملها إلى 1.8 مليار يورو حتى عام 2008 ، مما يمثل 45 % من إجمالي الاستثمارات الواردة من منطقة الشرق الأوسط. فقبل 10 أعوام كانت هذه الاستثمارات لا تتجاوز 485 مليون يورو. ومنذ 2003، جاءت 65 بالمائة من الاستثمارات الخليجية من دولة الإمارات العربية المتحدة. أما الاستثمارات المباشرة الخليجية، فقد وصل مجملها إلى أكتر من 4.1 مليار يورو حتى عام 2008، بزيادة 32 % عن عام 2007.
وتتركز معظم هذه الاستثمارات في القطاعات المنتجة كالمواصلات والنقل، ومعدات الطيران، والأجهزة الكهربائية والالكترونية، وصناعة السيارات والطاقة . كما تتركز الاستثمارات في الميادين الغير منتجة كالقطاع العقاري. ومن أهم المناطق الفرنسية التي استفادت من هذه الاستثمارات هي منطقة ايل دى فرنس (باريس وضواحيها)، ميدي بيرينييه (تولوز وضواحيها) و لان غدوك روسينيون في جنوب فرنسا.
ما نوع الإصلاحات التي تخطط فرنسا لإجرائها لتشجيع التنمية المستدامة؟
لتشجيع التنمية المستدامة وخاصة تنمية الطاقات المتجددة، قامت الحكومة الفرنسية في الآونة الأخيرة بعدد من الإجراءات والإصلاحات البعيدة الأمد. أستطيع ذكر «اتفاقية غرونيل للبيئة» وهي عبارة عن جملة من التدابير الاستثنائية لجعل الاقتصاد الفرنسي أكثر استدامة وتنافسية.
ففي هذا الإطار ستقوم الحكومة الفرنسية باستثمار460 مليار يورو حتى عام 2020 تتضمن مشاريع بيئية وتطوير الطاقات المتجددة والتكنولوجيات «الخضراء» ، وتحديث الخدمات اللوجستية والنقل المستدام.
كيف تؤثر هذه الإصلاحات على الشركات الخليجية التي تتخذ من فرنسا مقراً لها حالياً؟ وكيف تؤثر الإصلاحات المستقبلية على هذه الشركات؟
سوف تؤثر المشاريع الرئيسية التي حددتها «غرونيل للبيئة» في البناء والنقل والطاقة والنفايات والخدمات تأثيراً حاسماً على النمو الاقتصادي في فرنسا وسوف تخلق فرص استثمارية عديدة للشركات الأجنبية ومنها الخليجية.
على سبيل المثال ، قررت فرنسا منذ 3 سنوات الانطلاق في مشاريع مستقبلية كبيرة مثل «لو غراند باريس» وهو يتمثل بإنشاء بنية تحتية مستدامة وجديدة بالكامل لمنطقة باريس، والمشروع الآخر هو مشروع القطار الفائق السرعة لنقل البضائع.
بالإضافة إلى كل هذا، تم فتح قطاعات جديدة أمام الاستثمار الخاص الأجنبي في المطارات والموانئ والجامعات والتي يمكن الآن إدارتهما من قبل شركات خاصة.
نعرف أن فرنسا تحتل مرتبة مرموقة من حيث الابتكار، وأن تقرير إستراتيجية لشبونة يؤيد الابتكار، فهل تخطط فرنسا للمبادرة بإصلاحات تعزّز وجهات النظر الواردة في التقرير؟
تعمل فرنسا بالفعل لتحقيق برنامج «أوروبا 2020». وبما أن المفوضية الأوروبية تقترح اندماج 75 % من السكان في سن العمل في سوق العمل وهذا حتى 2020 (النسبة الحالية هي 69 %) فهي تخصص 3 % من الناتج المحلي الإجمالي للابتكار، وقد اتخذت الحكومة الفرنسية تدابير جدية تتماشى سويا مع المبادرات الاقتصادية الرئيسية لتحقيق برنامج أوروبا 2020، أذكر3 منها وهي:
دعم الابتكار، حيث أن الضرائب على الأنشطة المتعلقة بالبحوث والابتكار في فرنسا تعد من الأفضل عالميا. فهذه الضريبة هي ثاني أقل نسبة في العالم قبل ألمانيا والمملكة المتحدة واليابان. فهذا الامتياز الضريبي يسمح للشركات المستثمرة في البحوث و الابتكار بتعويض 50 % من قيمة الاستثمار في السنة الأولى، و 40 % في السنة الثانية و30 % في السنة الثالثة.
وللوصول إلى الرقمية الشاملة في أوروبا وبالتحديد لتحقيق برنامج «فرنسا الرقمية 2012 « فلقد اتخذت فرنسا 154 إجراءً لتكون من البلدان الرئيسية في هذا المجال، فستستثمر الحكومة حتى نهاية 2010 ما يصل إلى 40.5 مليار يورو لتطوير شبكات و خدمات الاتصالات السريعة.
وفي المجال التربوي، هناك 6 % من الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا مخصص للتعليم مما يجعلها من أهم 5 دول في العالم المستثمرة في الموارد البشرية. فعلى سبيل المثال، شرعت الحكومة في إصلاح الجامعات عبر استثمار50 مليار يورو. ولنتذكر أن 41 % من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و 34 سنة هم جامعيين وهذه النسبة من أعلى النسب في العالم.
كيف كان تأثير نتائج المنتدى الاقتصادي العالمي في بروكسل على الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) في فرنسا؟
فرنسا بلد مفتوح للاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهي الوجهة الرئيسية لتدفقات الاستثمار في أوروبا وفي العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية. فغالبية الشركة أجنبية موجودة حاليا في فرنسا جاءت من الدول الأوروبية. ففي عام 2009 مثلا، جاءت 68 % من المشاريع الاستثمارية الأجنبية في فرنسا من أصول أوروبية. ويشكل المنتدى الاقتصادي العالمي في بروكسل فرصة فريدة للقاء صناع القرار ورجال الأعمال.
فحسب تقرير معهد التنمية الإدارية في لوزان والذي نشر بتاريخ 19 مايو/أيار 2010 عن التصنيف السنوي العالمي للتنافسية، جاءت فرنسا في المركز الـ 24، متقدمة 4 مراكز عما كانت عليه في 2009. كما أنها تحتل المرتبة العاشرة بين الدول الرئيسية التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 20 مليون نسمة. ويذكر تقرير معهد التنمية الإدارية العديد من العوامل التي أدت الى ذلك: إنتاجية العمل، ومستوى عال من التعليم، ونوعية ممتازة من البنية التحتية والصحية والبيئية.
