حجم الخط

- Aa +

Mon 9 Jun 2014 07:20 AM

حجم الخط

- Aa +

قمصان شركة جو بدو تنشر الثقافة العربية حول العالم

أطلق تامر المصري وميشيل مقدح شركة "جو بدو" االتي تصنع وتوزع قمصان تحمل عبارات عربية وتعكس الثقافة الشعبية لدى الشبان العرب ومع الوقت تمكنا أن يلفتا نظر أكبر المستثمرين وتخطت ثورتهما العربية حدود الأردن والمنطقة العربية لتصل إلى العالم

قمصان شركة جو بدو تنشر الثقافة العربية حول العالم
القمصان الأكثر مبيعاً لـ"جوبدو" العام الماضي حملت عبارة "هنا القاهرة" والتي تعكس تضامن الشباب مع نظرائهم في مصر في أعقاب الربيع العربي

مع انتشار الإنترنت والبرامج التلفزيونية والفنانين الأجانب في المنطقة العربية، أصبح الشبان العرب يعانون من أزمة هوية وبدأوا بالابتعاد عن الثقافة العربية. مع ازدياد اعتماد هؤلاء على اللغة الإنكليزية، أخذت اللغة العربية بالتراجع. تامر المصري وميشيل مقدح، وهما شابان أردنيان، لاحظا هذه الظاهرة وقررا أن يتوليا زمام الأمور وأن يشجعوا الشبان على التمسك بعروبتهم من خلال إطلاق موجة جديدة من شأنها أن تؤثر على الثقافة الشعبية في الأردن بشكل خاص وفي المنطقة العربية بشكلٍ عام.  فأطلقا شركة "جو بدو" التي تصنع وتوزع قمصان تحمل عبارات عربية وتعكس الثقافة الشعبية لدى الشبان العرب. وبعد أقل من 7 سنوات، تمكنا أن يلفتا نظر أكبر المستثمرين وتخطت ثورتهما العربية حدود الأردن والمنطقة العربية لتصل إلى العالم. التقينا بتامر المصري، الرئيس التنفيذي لـ “جو بدو"، وميشيل مقدح، مدير التسويق والعلاقات العامة، لمعرفة المزيد.

بدأت شراكة تامر المصري وميشيل مقدح خلف المقاعد الدراسية. عند إنهائهما دراستهما المدرسية في عمان، انطلق كل منهما في طريق منفصل لبدء تحصيلهما الجامعي. فترك تامر الأردن والتحق بجامعة تورونتو في كندا حيث تخصص في العلاقات الدولية أما ميشيل فبقي في عمان والتحق بمعهد نيويورك لتكنولوجيا المعلومات حيث تخصص في هندسة الكمبيوتر.

أعوام عديدة مضت قبل أن يلتقي دربي هذين الشابين من جديد. فعندما عاد تامر إلى الأردن، قام بزيارة صديق طفولته ميشيل الذي فوجئ برؤية تامر عند باب منزله. وسرعان ما عادت الذكريات إليهما وبدءا يقضيان الكثير من الوقت مع بعضهما البعض. في ذلك الوقت، كان يعمل ميشيل في الشركة التي تملكها عائلته والتي تتخصص في تصنيع وتوزيع الألبسة أما تامر فانضم إلى السفارة الكندية في عمان كمسؤول عن العلاقات العامة. وسرعان ما بدء الشابان بالاجتماع يومياً بعد الدوام غير سعيدين بوضعهما حيث لم يكن أحدهما يستمتع بالعمل التقليدي والوظيفة التي تضع الكثير من الضوابط على طموحتهما الريادية وميولهما الإبداعية فأخذا يبحثان عن أفكار لمشاريع أعمال يمكن أن تشفي غليلهما. ويقول تامر:" إن سوق العمل في عمان سوق قاس جداً وهو مليء بالمنافسة الشرسة مما يدفع الشبان إلى اللجوء إلى الابتكار والإبداع ومن هنا تأتي الطفرة الريادية التي نشهدها حالياً."

ثورة عربية من نوع آخر

الثقافة الشعبية أو Pop Culture هي مجموعة الممارسات والعادات والتقاليد الشائعة في مجتمع معين وهي نتاج التفاعلات اليومية بين عناصر المجتمع كما تعكس حاجاته وهمومه ورغباته ومشاكله. وتشمل هذه الثقافة كل وجوه الحياة اليومية من عادات الطبخ والمأكولات والثياب والإعلام ونواحي التسلية المستخدمة. وفي الآونة الأخيرة، أصبحت الثقافة الشعبية لدى الشبان العرب تشبه إلى حد كبير الثقافة الغربية فأخذت اللغة الإنكليزية بالسيطرة على معظم نواحي حياة هؤلاء الشبان من الملابس التي يرتدونها والتي تحمل عبارات لا تمت إلى الثقافة المحلية بأي صلة إلى وسائل التواصل الاجتماعية التي غلب عليها الطابع الغربي إلى اللغة المحكية بينهم.

لاحظ تامر وميشيل هذه الظاهرة ووجدا أنه بمقدورهما أن يطلقا مشروعاً من شأنه أن يجعل الشبان يعودون إلى اللغة العربية وأن يجعلوها جزءاً من حياتهم اليومية. ويقول ميشيل: "امضينا ساعاتٍ طويلة ونحن ندرس كل الاحتمالات وكنا نعلم أننا إن أردنا النجاح فعلينا أن نجد حاجة موجودة وغير مشبعة وان نقوم بسد هذه الثغرة. انطلقنا من هذه النقطة وبحثنا جاهدين عن هذه الثغرة حتى وجدناها. رأينا أن الثقافة الغربية قد تغلغلت بشكلٍ كبير في حياتنا اليومية خاصةً عند الشباب على حساب الثقافة العربية وأخذت لغتنا العربية بالتراجع وأخذت اللغة الإنكليزية الحصة الأكبر. فشعرنا أنه بإمكاننا أن نجعل اللغة العربية أكثر جاذبية وعصرية عبر دمج الثقافة الشعبية المحلية مع الحياة اليومية وتسليط الضوء على المشاكل التي يعيشها الشبان في منطقتنا."

ومن هنا، عقد الشابان عزمهما على إطلاق مجموعة من القمصان أو الـ "تي شيرت" التي تحمل عبارات عربية وأمثال شعبية والتي تتعامل مع مشاكل الشبان العرب بشكل طريف وأطلقا على مشروعهما اسم "جو بدو" المستوحى من اللهجة البدوية وتحديداً من جملة "جاءوا البدو" عام 2007.  بدأت الفكرة على نطاقٍ صغيرة وبمبلغٍ لا يتجاوز $4000 فقاما بوضع ستة تصاميم وأنتجا 600 تي شيرت. وقام ميشيل باستخدام الخبرة التي نالها من خلال العمل مع عائلته والعمل على تأمين القمصان أما تامر فقام بتصميم الرسومات والعبارات نظراً لشغفه الكبير للرسم.  ويقول تامر: "أردنا أن نطلق مشروع لا تقتصر قيمته على الربح المالي بل تتعداه إلى بعد ثقافي واجتماعي والذي يدفع الأفراد إلى الشعور بالفخر تجاه هويتهم. ووجدنا أن الـ "تي شيرت" أو القمصان هم شكل من أشكال الإعلام المتحرك والتي تمكننا إلى الوصول إلى أكبر قدر من الأشخاص. أردنا بناء علامة تجارية محلية تتمتع بفدر كبير من الطاقة والحيوية."  

بعد هذه الخطوة، بدأ الشابان بالبحث عن المكان المناسب حيث يستطيعان أن يقوما بعرض وتسويق منتجاتهما. إلا أن فكرة الحصول على متجر كانت بعيدة جداً حيث كانا لا يزالا يعملان بدوام كامل في وظائفهما ولم يملكا الوقت أو المال الكافيان لإدارة متجر. وبعد بحثٍ طويل، استطاعا أن يحصلا على الموقع المثالي في سوق جارا وهو سوق تراثي موسمي (من أيار حتى تشرين الأول) يرتاده السياح بكثرة في منطقة جبل عمان. لم تكن البداية سهلة خاصةً مع طول انتظار الشابان لجهوز منتجاتهما. ولكن عند وصولها إلى سوق جارا، سرعان ما لفتت أنظار الجميع وبدأ المارون بالتجمع أمام كشك جو بدو المتواضع وبتبادل التعليقات والابتسامات. 

علامة تجارية من الشبان العرب وإليهم

انتهى فصل الصيف وبيعت معه كل القمصان وعاد الشابان إلى تخطيط المرحلة القادمة. فقاما باللجوء إلى الأصدقاء ودعوتهم للمشاركة بالتصاميم. وبعد مرور العام الثاني، شعر تامر وميشيل أن هناك ضرورة لشمل كل اللهجات والثقافات المحلية العربية فهما لم يريدا أن تكون علامتهما التجارية أردنية بل أرادا أن تكون عربية بالدرجة الأولى. ونظراً لانتشار شبكات التواصل الاجتماعي وشعبيتها بين الشباب العرب، أطلقا مسابقات وتحديات عديدة عبر الصفحة التابعة لهما على الفيسبوك وقاما من خلالها بدعوة مصممين شبان من جميع أنحاء العالم العربي للمشاركة بتصاميم تعبر عنهم وتعكس هويتهم ومشاكلهم اليومية. ومع الوقت، تمكنت جو بدو من تأسيس منصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تجمع بين أكثر من 60 مصمم عربي من مصر والأردن ولبنان والإمارات والتي تشجعهم على التواصل مع بعضهم البعض والتعاون على الإبداع. 

ويقول تامر: "لم نرد أن نتفرد بتطوير هذه العلامة التجارية. لذلك حاولنا أن نسنح الفرصة أمام أكبر عدد من الشبان للتعبير عن أنفسهم والمساهمة بأفكارهم وتسليط الضوء على مشاكلهم اليومية. فعلى سبيل المثال، عبارتي "وظّفك" و"ما معي أحلق" تشيران إلى مشكلة التوظيف والبطالة المنتشرة لدى الشباب العرب. كما كانت أكثر العبارات مبيعاً العام الماضي "هنا القاهرة" و"Freeدم" وهي تلاعب على لفظ كلمة Freedom أو حرية والتي تعكس تضامن الشباب مع نظرائهم في مصر في أعقاب الربيع العربي."

بعد أربعة أعوام من عملهما على جوبدو، قرر تامر وميشيل ترك وظائفهما والتفرغ بالكامل لـ "جو بدو". ورغم معارضة الأهل، استمرا بتكريس وقتهما للمشروع وأنتجا 70,000 تي شيرت سنوياً التي تحمل أكثر من 120 تصميم.  كما أضافا إلى مجموعتهما القبعات وتي شيرتات الأطفال وشنط أجهزة الكمبيوتر المحمول وأجهزة الآيباد. وفي الفترة الماضية، تمكنت هذه العلامة التجارية العربية من الانتشار في المنطقة مع متجرين لـ "جوبدو" في عمان و10 مراكز توزيع داخل محلات فرجن (Virgin) في الإمارات والسعودية ولبنان ومصر. كما قام الشابان بإطلاق موقع المتجر الإلكتروني الخاص بهما وأطلقا شراكة مع موقع "نمشي" للتسوق الالكتروني (Namshi.com). ومن خلال هذه الخطوة، لقيت منتجاتهما شعبيةً ونجاحاً غير متوقع حيث ارتفع عدد المتبضعين الأجانب الذين أظهروا اهتماما كبيراً بهذه العلامة التجارية وبفن تصميم الكتابة العربية فبدأ التصدير إلى الولايات المتحدة وفرنسا وأستراليا وألمانيا. ويضيف تامر:" في صغرنا كنا نقوم باستيراد الثقافة الغربية أما الآن فنحن نقوم بتصدير الثقافة العربية إلى جميع أنحاء العالم وهذا مصدر فخرٍ كبير لنا وأحد أكبر إنجازاتنا التي نعتز بها."

عقبة التمويل

في بداية عام 2012، ازداد الطلب على البضائع ونمت الحاجة لتصدير منتجات جو بدو إلا أن الشابان لم يملكا رأس المال الكافي للقيام بتوسع من هذا الحجم. فحاولا الحصول على التمويل من البنوك والشركات المانحة لرأس المال المغامر (Venture Capital) إلا أنهما لم يلقيا الدعم الكافي حيث رأت هذه الشركات أن جو بدو قد تخطت مرحلة التمويل الأولي. عندها، بدأ تامر وميشيل بمهمة البحث عن مصدر تمويل يؤمن برؤيتهما والذي يستطيع أن يقدم لهما الدعم المادي.

وبعد بحث طويل، بدأ الشابان بسماع أصداء موجة جديدة في عالم الشركات الناشئة وهي التمويل الجماعي فتواصلا مع عدة مؤسسات قبل أن يرسو قرارهما على "يوريكا" (Eureeca) وهي منصة إلكترونية للتمويل الجماعي أو Crowdinvesting المخصص لتنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة وتمكينها من الحصول على التمويل من أفراد المجتمع مقابل إعطاء هؤلاء أسهم فيها. إحدى العوامل التي شجعت الرياديان على اختيار يوريكا كانت قصتا نجاح "نبّش" و"حرير" وهما شركتان ناشئتان استطاعتا الحصول على التمويل اللازم عبر يوريكا. وكون يوريكا تسمح للمستثمرين بالمشاركة بمبالغ صغيرة، رأى تامر وميشيل أن هذه الطريقة ستسنح الفرصة أمام عائلتهما وأصدقائهما وكل الأشخاص الذين يؤمنون برؤية جو بدو بالمشاركة وأن يصبحوا جزءاً أساسياً منها. 

ويقول ميشيل: "مشكلتنا الأساسية منذ البداية كانت عدم قدرتنا على تصنيع وتوزيع كميات كافية. ونحن لم نقم بأي جولات استثمار خلال الأعوام الماضية وكوننا في طور التوسع، كانت هذه الخطوة أمرأً لا مفر منه. لذلك لجأنا إلى يوريكا. وعقب التقائنا بالمؤسسين كريس توماس وسام القواسمي، رأينا أنهما يتحليان بشغف كبير لريادة الأعمال ومعرفة كبيرة في مجال التمويل ولذلك شعرنا أنهما المنصة المثالية لجو بدو."

أطلق الشابان حملة التمويل على منصة يوريكا الإلكترونية في نيسان 2014 أملاً منهما بأن يستطيعا تحقيق هدف التمويل خلال الجولة التي تمتد على فترة ثلاثة أشهر. ورغم ثقتهما بيوريكا وبمنتجاتهما، إلا أن الشكوك والمخاوف لم تتركهما. وخلال أربعة أيام حصل أمر يفوق كل التوقعات: حققت جوبدو هدف التمويل بالكامل وحطمت أرقام يوريكا القياسية وتمكنت من جمع 118,000 دولار في فترةٍ قصيرة وجذب 28 مستثمر يؤمنون برؤية هذين الشابين. يقول تامر بصوتٍ تملؤه الحماسة: "لم نستطع أن نصدق أعيننا. كانت تجربة مذهلة. لا شيء يفوق الشعور بالتقدير وأن ترى أن هناك أشخاص يعتقدون أن فكرتك فكرة جيدة وأن يستثمرون فيها." ويضيف ميشيل:" أحد أهدافنا الأساسية الآن بعد حصولنا على التمويل هي أن نرفع عدد الـ “تي شيرت" إلى 100,000 وأن نضيف منتجات جديدة إلى مجموعتنا كالإكسسوار. كما نريد أن نقوم بتطوير واجهة المستخدم لموقعنا وأن نجعل تجربة التبضع الإلكتروني تجربة بصرية ممتعة وسهلة الاستخدام من خلال فهم سلوك المستخدم الذي يتبضع عبر الإنترنت والذي يختلف بطبيعة الحال عن المتبضع في المتجر الفعلي."

شهية ريادية

فتحت تجربة جوبدو شهية هذين الرياديين وشجعتهما على المغامرة فقاما بإطلاق عدة مشاريع متتالية رغبة منهما بتحقيق نفس النجاح الذي شهداه. ولكن لم تكن الطريق سهلة كما توقعا واضطرا لإغلاق هذه المشاريع. ورغم اعتقادهما أنهما قد ارتكبا العديد من الأخطاء لم يفقدا شغفهما وحماسهما ويريا أن كل هذه الأخطاء كانت جزءاً أساسياً من التجربة وهذا ما جعلها ممتعة.

ويقول تامر: "لقد قمنا بمغامرات عديدة وأطلقنا عدة مشاريع إلى جانب جوبدو فافتتحنا مقهى بجوار متجرنا. وقمنا بإغلاقه بعد أقل من عامين من افتتاحه. وكانت تجربة صعبة ولكنها كانت الخطوة الصحيحة. نحن نجتاح إلى التركيز وصب كل طاقتنا في جو بدو. لقد اعتقدنا أننا جاهزين لبدء مشروع آخر إلا أن جو بدو لا زال في طور النشوء.

ويضيف ميشيل: "نحن لا زلنا في البداية ولم نحقق حتى الآن أكثر من 10% من النجاح والنمو الذي نطمح إليه. هدفنا أن نجعل من جو بدو علامة تجارية عالمية بهوية عربية وأن تصبح محط أنظار الجميع. نريد أن يطمح الطلاب الجامعين بالانضمام إلى شركتنا وأن نكون موجودين في جميع أنحاء العالم.