رأي: الاستدامة تبدأ من المصدر

ما أهمية إدارة سلسلة التوريد والتوريد الأخلاقي كمعايير جديدة لمشاريع الأبنية الخضراء؟
رأي: الاستدامة تبدأ من المصدر
بقلم: محمد مرزوق هو المدير الفني في "إيه أس جي سي"
بواسطة أريبيان بزنس
الأربعاء, 28 نوفمبر , 2018

تشتهر دولة الإمارات العربية المتحدة بصروحها العمرانية الرائدة على مستوى العالم مثل برج خليفة؛ ومتحف الاتحاد؛ ومتحف اللوفر أبوظبي؛ ومكتبة محمد بن راشد ومعرض إكسبو 2020 دبي المرتقب، وجميعها أيقونات هندسية غير مسبوقة عالمياً تتخطى حدود المألوف. وفي حين تتجه أنظار العالم إلى المباني الأكثر شهرة في البلاد، هناك خلف الكواليس التزام متصاعد لا بتشييد الصروح المذهلة وحسب، بل بمراعاة الاستدامة في تشييدها.

ففي الوقت الراهن، تلعب الاستدامة بالفعل دوراً محورياً في تحقيق أهداف الأجندة الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة 2021. وفي إمارة دبي على سبيل المثال، تسهم التشريعات مثل المرسوم الصادر عن "بلدية دبي" في ضمان تلبية كافة المباني الجديدة من عام 2014 وما فوق لمعايير أنظمة ومواصفات الأبنية الخضراء، آخذة بعين الاعتبار أن المباني السكنية والتجارية والمباني العامة على مستوى العالم تقف وراء 30% من الاستهلاك العالمي للطاقة. وفي حين يأتي تطبيق أنظمة التقييم كخطوة إيجابية، إلا أن الواقع الراهن يستدعي اتخاذ العديد من الخطوات الأخرى.

ومن خلال عمل "إيه أس جي سي" على جناح الاستدامة في "إكسبو 2020 دبي"، بحثنا عن سبل جديدة للتفوق على معايير الفئة البلاتينية للريادة في تصميمات الطاقة والبيئة (LEED)، حيث سيكون الجناح محوراً رئيسياً للاستدامة والمنشآت الخضراء في معرض إكسبو. وعلى صعيد هذا المشروع أو غيره من مشاريع الإنشاءات في دولة الإمارات العربية المتحدة، تعد مسألة إدارة وتوريد مواد البناء بمثابة العنصر الأكثر أهمية في تطبيق استراتيجية أكثر استدامة وصداقة للبيئة.

غالباً ما تتميز مواد البناء الصديقة للبيئة بقدرتها على تقليص استهلاك الطاقة؛ وتتمتع بدورة حياة طويلة؛ ومعظمها مصنوع من مواد معاد تدويرها، أو تحد بشكل كبير من تلوث البيئة. ووفقاً لتقرير صادر عن شركة "نافيجانت للبحوث"، يتوقع لقيمة السوق العالمية لمواد البناء الصديقة للبيئة أن تشهد نمواً إلى أكثر من 254 مليار دولار أمريكي في عام 2020، بزيادة أكثر من 100 مليار دولار أمريكي مقارنة مع عام  2013.

عندما يُطرح موضوع الحفاظ على الموارد، فإن الموارد التي تبدر إلى الأذهان تنحصر بالخشب، الماء، أو النفط والغاز والبتروكيماويات. ولكن في الحقيقة، فإن قطاع الإنشاءات يشمل العديد من الموارد الأخرى. فالرمل، على سبيل المثال، يعد مكوناً رئيسياً في عملية البناء ويتم استخدامه لصنع الأسفلت والخرسانة والزجاج وقوالب سكب المعادن وغير ذلك الكثير. ويستخدم العالم سنوياً حوالي 30 مليار طن من الرمل لإنتاج الخرسانة وحدها. وفي حين نظن أن الرمل موجود دائماً ومصادره لا تنتهي لكوننا نعيش في منطقة شاسعة الصحاري، لكن الرمال ليست كلها ذات منفعة، فالجزء الأكبر من رمال الصحراء لا يمكن استخدامها في قطاع الإنشاءات أو صناعة الزجاج. والحقيقة أن الرمال الصالحة للاستعمال التي تتواجد عادة على الشواطئ أو في قاع الأنهار، تشهد معدلات استنزاف ونواجه نقصاً في توفرها على مستوى العالم.

ومن هذا المنطلق، يجدر بالمطورين إعادة النظر في سلاسل التوريد التابعة لهم وضمان توريد موادهم عبر متعاقدين يطبقون أعلى المعايير الأخلاقية والممارسات الصديقة للبيئة. وإذا ما عدنا إلى مثالنا عن الرمال، فقد أدى ازدهار قطاع الإنشاءات على المستوى العالمي في السنوات الأخيرة إلى ارتفاع وتيرة الإتجار غير المشروع الذي عاد بتأثير سلبي كبير على البيئات الطبيعية التي تمت سرقة رمالها. ولذلك تعد معرفة مصدر مواد البناء من الممارسات الأساسية لضمان استدامة المشروع من البداية إلى النهاية، وكذلك مراعاة تأثير نقل هذه المواد ومعالجتها وتصنيعها على البيئة.

وبالحديث عن مصادر المواد، تعتبر إعادة استخدام مخلفات مواد البناء وإعادة تدويرها من الجوانب الجديرة أيضاً بأخذها بعين الاعتبار. وقد توقعت شركة "فروست أند سوليفان" أن دول مجلس التعاون الخليجي ستنتج بحلول عام 2020 ما يصل إلى 120 مليون طن من النفايات سنوياً، وتواجه شركات البناء في قطاع الإنشاءات ضغوطاً شديدة للبدء بممارسة عمليات إعادة التدوير. وقد بات هذا العامل مدرجاً في شروط نظام تقييم المباني وفقاً لمعايير "الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة" (LEED). وعلى مدار العامين الماضيين على وجه الخصوص، ساهمت تقنية الإنتاج المتقدمة التي تدمج بين الأبحاث الشاملة والابتكار في علم المواد، في منح قطاع الإنشاءات في دولة الإمارات العربية المتحدة مجموعة أوسع وأكثر تنوعاً من مواد البناء المعاد استخدامها.

ويتمثل العائق والتحدي الأكبر أمام تنفيذ هذه التطلعات في عدم اتساق عملية البناء عادة وكثرة الأطراف المشاركة فيها من أصحاب الأهداف المختلفة. ولهذا السبب، نرى أن الكثير من المطورين في دولة الإمارات العربية المتحدة يبحثون بشكل متزايد عن متعهدين يقدمون خدمات متكاملة تشمل جميع جوانب التصميم والبناء، بدءاً من هندسة الصُلب إلى الهندسة الكهربائية والميكانيكية ووصولاً إلى التصميم الداخلي.

وفي الوقت الذي يتطلع فيه العالم إلى دولة الإمارات العربية المتحدة قبيل انطلاق معرض إكسبو 2020 دبي، فإن مبادرة قطاع الإنشاءات إلى منح الأولوية لإدارة وتوريد مواد البناء الخضراء ستأتي بمثابة خطوة إضافية لتحقيق أجندة الاستدامة الوطنية.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج