كيف نجحت «دبي العطاء» في مساعدة الأطفال حول العالم؟

على مدى العقد الماضي، قام سعادة طارق القرق، الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي العطاء، باتخاذ خطوات عملية لتحويل المؤسسة من مجرد كيان مهمته التوقيع على الشيكات النقدية إلى واحدة من كبرى المؤسسات غير الحكومية حول العالم، والتي تساعد الدول على الاهتمام بأطفالها ومنحهم حقّهم في التعليم.
كيف نجحت «دبي العطاء» في مساعدة الأطفال حول العالم؟
بقلم: شايان شاكيل، محرر مجلة "سي إي أو" الشقيقة لمجلة أريبيان بزنس
بواسطة أريبيان بزنس
الثلاثاء, 04 ديسمبر , 2018

عندما انضم سعادة طارق القرق إلى فريق العمل في مؤسسة «دبي العطاء» في عام 2009، لم يكن لدى المنظمة حينها سوى ثلاثة أقسام، ويخبرنا بنفسه أنه حتى «هذا القسم لم يكن له وجود» آنذاك، مشيرًا بذلك إلى غرفة مدير الاتصالات بالمؤسسة الذي كان جالسًا أمامنا. ويضيف قائلاً: «كل ما كان موجودًا لم يتجاوز نطاق البرامج والحملات والدعم الإداري. ومع ذلك، كان يجب أن تُدار هذه المؤسسة مثلما كانت تتم إدارة الشركات التجارية، أي من خلال إنشاء قسم للتسويق والاتصالات بها، إلى جانب إدارة مسؤولة عن جمع التبرّعات. كان يجب أن تكون هذه المؤسسة مستدامة، وكان يجب أن يعرف الناس سبب وجودها».

تأسست «دبي العطاء» في عام 2007، ومنذ ذلك الحين ارتبطت بالأهداف الإنمائية للألفية الجديدة، التي أقرّها العالم في عام 2000، والتي أبرزها المساعدة في الحدّ من عدم توازن أنظمة التعليم العالمية، وتعزيز المساواة بين الجنسين في التعليم، ودفع الحكومات، والوكالات المانحة، ووكالات الأمم المتحدة، ومقدمي الخدمات الخارجيين نحو إبرام تعاون أفضل فيما بينهم. ولذلك، ظلّت «دبي العطاء» تعمل على رأب الفجوة الأساسية في مجال التعليم، لا سيما في دول العالم العربي.
وعلى حدّ قول القرق، تعد «دبي العطاء» تقريبًا المؤسسة الشرق أوسطية الوحيدة التي لها نشاط تقدم من خلاله كبرى الوكالات المانحة في العالم خدماتها إليها، وكل ذلك بفضل ما حققته من نتائج واضحة تثبت قدرتها على إحداث فارق إيجابي.
ومع ذلك، فإن الطريق إلى أن تصبح مؤسسة فريدة من نوعها، أي أن تعمل في جميع مجالات تطوير التعليم العالمي، كان يتطلب تركيزًا قويًا.

كيف بدأت مؤسسة دبي العطاء مشوارها؟
مع غروب شمس عام 2006، قرر سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، حفظه الله، إطلاق حملة لجمع التبرعات على مدى ثمانية أسابيع، داعيًا المجتمع الإماراتي إلى الإسهام في قضية قريبة من قلبه. ورغم أنه لم يكن قد ذكر الغرض من هذه الحملة، وصل إجمالي مساهمات أصحاب الثروات العالية، إلى جانب عدد من الجهات في القطاعين العام والخاص، إلى 480 مليون دولار. وبعد ذلك، عندما قرر سمو الشيخ محمد بن راشد إزاحة الستار عن الغرض من الحملة، تحدّث عن حاجة بلاده لإحداث تأثير عالمي، وأعلن أن التبرّعات التي تم جمعها ستذهب إلى مؤسسة جديدة تدعى «دبي العطاء»، التي ستعمل بدورها على كسر دائرة الفقر من خلال توفير التعليم الجيد للأطفال في الدول النامية. وكمفاجأة من العيار الثقيل، قرر مضاعفة المبلغ المجموع، الذي كان قد وصل إلى 480 مليون دولار، من ماله الخاص به. لذلك، بدأت مؤسسة «دبي العطاء» رحلتها برأس مال هائل، بلغ 960 مليون دولار.

وبعد ذلك انضممت إلى صفوف المؤسسة في عام 2009، أليس كذلك؟
نعم بالفعل، فقد ترسخت أقدام مؤسسة «دبي العطاء» رسميًا في سبتمبر 2007. وخلال الأشهر الستة الأولى، كان الشغل الشاغل هو عملية تأسيس المنظمة، ثمّ جاءت الستة أشهر التي تلتها لدراسة كيفية أداء المؤسسة لرسالتها، وتحديد الدول التي تحتاج إلى أكبر قدر من المساعدة. وفي العام التالي، اشترت المؤسسة عددًا من البرامج في مختلف الدول. وبعد ذلك، انضممت إلى فريق عمل المؤسسة في عام 2009 لمساعدتها على تنفيذ عملها في تلك الدول التي تتلقى المعونات، ولكن الهدف الأهم تمثّل في جعل «دبي العطاء» مؤسسة مستدامة يمكن أن تواصل مشوارها في إحداث تأثير في العالم.

كيف تحرّكت لإنجاز مهامك هناك؟
عندما انضممت إلى مؤسسة «دبي العطاء»، كانت قد بدأت بدايةً جيدةً، غير أنها لم تكن تخفي نشاطها وراء الكواليس. كذلك، لم تكن هناك أي إعلانات بشأن الأنشطة التي كانت تضطلع بها، رغم أن تلك الأنشطة امتدت لتشمل 14 دولة. وقد كانت المؤسسة تنفق أموالها في برامج تتراوح مددها بين ثلاث إلى خمس سنوات، ولولا ذلك، لكانت قد استنزفت رأس مال إنشائها بأكمله سريعًا، وتركته بدون أي خطة مستقبلية.
لذلك، كان لا بد من اتباع نهج متكامل ونموذج جديد للمحافظة على استدامة أعمال المؤسسة، وتحويلها من مجرد وكالة مانحة ليس لها مهمة سوى التوقيع على الشيكات النقدية. لقد كانت هناك ضرورة لنشر الوعي بشأن المؤسسة، وجمع تبرعات إضافية، فضلاً عن الحاجة الملحّة لفهم كيفية استخدام هذه الأموال، ومعرفة ما إذا كان هناك تقدم محرز بشأن المبادرات التي تطلقها. ولذلك، قررنا الانطلاق في رحلة لفهم العوامل الأساسية للتحديّات التي تؤثر في حقل التعليم على الصعيد العالمي، والطريق الذي تسلكه وكالات الأمم المتحدة والأطراف المعنية في عملها، وفي الوقت نفسه بناء قدراتنا كمؤسسة داخلية، فضلاً عن إمكاناتنا في مجال التوعية.

هل كان الهدف من إنشاء «دبي العطاء» هو ممارسة الدبلوماسية من خلال العمل الخيري؟
كلا، على الإطلاق. بدايةً، يجب أن نعي جيدًا أن «دبي العطاء» عبارة عن منظمة غير حكومية، ومؤسسة للأعمال الخيرية، أطلقها سمو الشيخ محمد بن راشد، حفظه الله. وهي تراعي في عملها القواعد والأنظمة التي حددتها وزارة الخارجية عند تنفيذ المبادرات التعليمية التي تدشّنها. إننا نعدّ مؤسسة مستقلة، تخضع للتدقيق والمراجعة، ولا تدخل مصروفاتنا أو رواتبنا أو نفقاتنا العامة تحت مظلّة الحكومة بأي شكل من الأشكال. وتجدر الإشارة إلى أنه تم إطلاق استراتيجية السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2017 بهدف تعزيز ثمانية أهداف للتنمية المستدامة، ويختص الهدف الرابع من هذه الأهداف بالتعليم دون سواه. ويمكن للدول تحقيق هذا الهدف من خلال تمويل البرامج المتعلقة به، غير أنها تحتاج أيضًا إلى خبرات محددة لتنفيذ تلك البرامج. لذلك، يتم تعيين وكالات دولية لإنجاز هذه المهمة، أو الاستعانة بمنظمات غير حكومية محلية لتوفير تلك الخبرات. وينطبق هذا الكلام علينا باعتبارنا منظمة إماراتية غير حكومية، تتخذّ من دولة الإمارات العربية المتحدة مقرًا لها. جدير بالذكر أن الحكومة الكندية تتبع النهج نفسه مع منظمة «بلان كندا»، وكذلك الحال بالنسبة إلى المملكة المتحدة مع منظمة «أوكسفام» ووزارة التنمية الدولية (DFID)، وأيضًا بالنسبة إلى الحكومة الأمريكية مع هيئة الإغاثة الدولية «كير إنترناشونال». وقد يعتبر البعض هذه الطريقة وسيلة للوصول إلى القوة الناعمة، وهم على صواب بشأن هذا التصوّر، بيد أنّ هذا المسعى ليس ضمن بنود أجندتنا على الإطلاق.

هل تتحقق استدامة «دبي العطاء» لأنها منظمة غير حكومية ليس لها توجّهات سياسية؟
نعم؛ فقد كان التحدي الذي واجه «دبي العطاء» تحديدًا هو غرس فكرة أننا لا نسير وفق أي أجندة سياسية، بل نعمل كأي وكالة تابعة للأمم المتحدة أو كأيّ منظمة غير حكومية. إننا لا نسعى وراء أي شيء بخلاف إعادة تصميم البرامج الحالية إذا ما تمكنّا من إثبات قدرتنا على تحقيق المزيد من التأثير. وهذا هو ما يوجّه الناس لمساندة قضيتنا، ويعزز مصداقية نتائجنا، ويدفع الجهات المانحة إلى التبرّع والمساهمة.

لقد ذكرت أنكم لا ترغبون في أن تكون «دبي العطاء» مؤسسة مهمتها مجرد التوقيع على الشيكات النقدية؛ فكيف نجحتم في الابتعاد عن هذه الفكرة؟
كان علينا أن نبدأ من عند نقطة معينة بالطبع. وقد تضمن ذلك في بادئ الأمر شراء حصص في البرامج الحالية، الأمر الذي مكننا من وضع أقدامنا على بداية الطريق، أو إن شئت فقلّ أن هذا قد مهّد الطريق أمامنا للدخول ضمن مصاف المنظمات العاملة في هذا المجال. وعلى مدار السنوات القليلة التالية بعد عام 2009، بات لنا دور أكثر نشاطًا في التفاوض بشأن قوة ونطاق عمل تلك البرامج التي وقعناها مع شركائنا القائمين على التنفيذ، ومع وزارات التعليم في الدول التي تتلقى المعونات. لقد طرحنا أسئلة هامة بهذا الصدد؛ على شاكلة لماذا تحتاج دولة معينة إلى مدرّسين؟ وكيف يمكننا إعطاء الأولوية للمعلّمات الإناث في برامج التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، مع الحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص على جميع المستويات الأخرى؟ وغير ذلك من تلك الاستفسارات. وعلى مدى السنوات الستّ الماضية، حرصنا على المشاركة في تصميم عدد من البرامج مع شركائنا. وقد أصبحت برامجنا اليوم ذات تأثير قوي في قضايا محددة، قد ترغب الدول التي تعاني منها في معالجتها، بيد أنها للأسف قد لا تكون قادرة على ذلك.

ما الذي يميّز مؤسسة «دبي العطاء» عن غيرها من المنظمات المانحة العاملة في هذا المجال؟
إننا نتجاوز حدود فئة المتبرعين التقليديين. وباختصار، نبرم شراكات مع العديد من المنظمات العاملة في هذا المجال، ممن لها علاقات عمل تمكّنها من تعيين الموظفين ووضع البرامج، مثل الهيئات الأكاديمية، والمنظمات غير الحكومية المحلية، والوكالات التابعة للأمم المتحدة، والخبراء الخارجيين، وغيرهم، وذلك بغرض تجربة البرامج القائمة على الأدلة البحثية واختبارها. وما يعنيه ذلك هو أننا نستثمر الكثير في أبحاث البرامج التعليمية والتدخلية، ونختبر نماذج جديدة، ونحسب مخاطرها، ونجمع الآراء والتعليقات بشأنها، بغرض الوقوف على مدى فعالية البرامج، وتعديلها إذا تطلب الأمر ذلك، الأمر الذي يتيح لنا فرصة الحصول على الأدلة بشأن مدى التقدم المحرز عندما نتحدث مع الحكومات. ولهذا السبب عندما تشارف برامجنا على الانتهاء، نجد أنها غالبًا ما تسألنا عمّا إذا كان بإمكاننا النموّ وإحراز المزيد من التقدم. وأودّ أن أشير إلى أن منظمات التمويل الدولية تهوى امتلاك نماذج ناجحة، دون أن تضطر إلى اختبارها أو المخاطرة بها. إن العمل الذي نؤديه في دولة معينة هو ما يمهّد الطريق أمام البرامج لاستقطاب التمويلات والتبرعات عندما نرغب في تطوير إمكاناتنا.

بصفتك مصرفيًا سابقًا، كيف يمكنك قياس التأثير الذي حققته «دبي العطاء» على أساس خبرتك السابقة في مجال التمويل؟
يعدّ العائد على الاستثمار مسعىً مشتركًا بين الشركات والمؤسسات الخيرية. لقد قضيت عامًا في العمل في بنك دبي الوطني (الذي أصبح الآن بنك الإمارات دبي الوطني)، وأمعنت النظر في المسألة من الناحية التجارية، غير أن الفرق عندما يتعلق الأمر بالشركات التجارية، هو أن قيمة العائد على الاستثمار تُقاس بالنقود. وبصفتي «مصرفيًا سابقًا» في إحدى المؤسسات، أصبحت أقيس هذا العائد على الاستثمار الآن بالعنصر البشري؛ ففي مؤسسة «دبي العطاء»، يمثل العائد على الاستثمار عدد الأطفال الذين تلقوا قسطًا من التعليم؛ ففي عام 2017، بلغ عدد هؤلاء الأطفال 18 مليون طفل في 53 دولة، ومن المرتقب أن ينمو هذا العدد كثيرًا.

هل يمكن أن تفكّر في يومٍ من الأيام في العودة إلى العمل المصرفي؟ أم أنك تجد قلبك الآن في هذا العمل؟
إنني أحبّ الأرقام؛ فقد كانت الرياضيات المادة الوحيدة التي حصلت فيها على تقدير «ممتاز» في الجامعة عندما كنت لا أزال طالبًا، كما كنت دائمًا ما أدخل إلى مكتبي وأنا سعيد بما قد أنجزته. ومع ذلك، كان العمل الخيري ركنًا أصيلاً داخل عائلتنا. والآن، أدخل إلى مكتبي وأنا أفكر مليًا في الطريقة التي يمكنني بها تقديم المساعدة. ويتطلب ثُلث عملي النزول إلى أرض الواقع مع المدرسين والطلاب في الكثير من الأماكن، حتى وإن كانت نائية. ومع ذلك، هذه هي التجارب التي أتحدث عنها من صميم قلبي عندما أحلّ ضيفًا في أي ندوة، صغيرة كانت أو كبيرة. لم تكن هذه الوظيفة موجودة في الماضي إلى أن تأسست «دبي العطاء». وأنا أحبّ عملي بها فعلاً.

هل تعتقد أنه من الممكن أن يحصل كل طفل في العالم على قسط من التعليم؟
يوجد 260 مليون طفل على مستوى العالم بدون تعليم. ويعاني ما يقرب من رُبع هذا العدد من ظروف طارئة. كذلك، يوجد ما يقرب من مليار طفل لا يستطيعون القراءة أو الكتابة، رغم أنهم يرتادون المدارس. وإذا ظلّ مبلغ التمويل المخصص للتعليم في العالم عند النقطة التي هو عندها الآن، وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي لدفع عجلة الاستثمارات، سيبدأ الأطفال الذين يرتادون المدارس بالفعل في التوقف عن الدراسة وهجر المدارس في سن الحادية عشرة؛ حيث لا يتم توجيه سوى 1% فقط من أموال المعونات الإنسانية الدولية إلى التعليم، بل إن ما يتم تخصيصه للتعليم تحت كنف برامج الحالات الطارئة ربما لا يجاوز 2% من هذا المبلغ. ولكن، إلام تشير هذه الأرقام؟ إنني لا أستطيع التوقف عن التفكير في هذه الأرقام، وكل ما يسعني قوله هو أنه رغم أن ما يحدث الآن غير مُجْدٍ بالمرّة، إلا أن علينا المحافظة عليه.

في ختام حديثنا، ما الذي يجول في خاطرك في كل مرة تنزل فيها إلى ميدان العمل تحت مظلة أحد برامج «دبي العطاء»؟
أحيانًا، تكون عبارة عن فكرة أساسية، كأن أرى الأطفال وهم يغسلون أيديهم كجزء من المنهج الدراسي الذي نقدمه. وما تدركه حينها هو رغبة هؤلاء الأطفال في التعلّم. إنهم يرغبون في ذلك حقًا. وعندما تتحدث مع المدرّسين وأولياء الأمور، تجد أنهم لا يطلبون منك أي أموال، بل يطلبون طاولات، وكراسٍ، وغرفًا مزودة بنوافذ، وغيرها من الأشياء الأساسية والضرورية فقط. وللأسف، تظهر أمامهم العديد من العقبات خلال محاولتهم الحصول على هذه الأشياء. إنه لأمرٌ محزن للغاية.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج