حجم الخط

- Aa +

الأربعاء 20 مايو 2020 11:15 ص

حجم الخط

- Aa +

الحد من وطأة آثار "كورونا": التحديات الاقتصادية في دول الخليج

يتحدث رامي رفيع، شريك ومدير مفوض في مجموعة بوسطن كونسلتينج جروب، عن سبل تخفيف أضرار القيود التي فرضتها جائحة كورونا ، ويتناول طرق الحد من وطأة آثار "كورونا": التحديات الاقتصادية في دول الخليج، والحاجة إلى اتخاذ التدابير وابتكار الحلول للتعافي من الأزمة

الحد من وطأة آثار "كورونا": التحديات الاقتصادية في دول الخليج

الحد من وطأة آثار "كورونا": التحديات الاقتصادية في دول الخليج، والحاجة إلى اتخاذ التدابير وابتكار الحلول للتعافي من الأزمة

شهد العالم على مدار الأشهر القليلة الماضية ظروفاً استثنائية على نحو لم يشهده من قبل في ظل تفشي فيروس كورونا المستجد (COVID-19)، حيث أغلقت الدول منافذها البرية والجوية والبحرية، وتوقفت عجلة الإنتاج في العديد من المصانع على المستوى العالمي، وتقيدت حرية المستهلكين فيما يتعلق بنوعية وكمية المنتجات التي يمكنهم شراؤها. وقد أثارت الطبيعة الغامضة التي يتصف بها الفيروس، وانتشاره على نحو غريب وغير متوقع، العديد من التساؤلات، لا سيما مع توقع قدوم أوقات أكثر صعوبة سيشهدها العالم. 

ورغم الغموض الذي يلف العالم، إلا أننا بدأنا نشهد علامات مشجعة قد تدل على اقتراب انتهاء الأزمة، حيث تُجرى العديد من تجارب اللقاحات ضد الفيروس على البشر، إضافة إلى التعافي التدريجي للنشاط الاقتصادي في الصين، وانخفاض أعداد الوفيات في إيطاليا. إلا أن تحسن الأوضاع الصحية قد لا يرافقه تعافٍ اقتصادي موازٍ على المدى القصير، فمن المؤكد دون أدنى شك، أن العالم سيشهد تحديات اقتصادية ملحوظة مع توقع الركود الاقتصادي في العديد من دول العالم في جميع القارات. ومن الطبيعي أن تتأثر اقتصادات دول منطقة مجلس التعاون الخليجي بالأزمة، حيث تشير التوقعات الاقتصادية العالمية لصندوق النقد الدولي إلى تراجع النمو العالمي بنسبة 3٪ في الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020، مما يعني انخفاض بأكثر من خمس نقاط مئوية (5.3٪) مقارنة بالتوقعات التي تم الإعلان عنها في أكتوبر 2019. وعند مقارنة هذه النسبة بمعدل تراجع النمو بنسبة 2٪ خلال الأزمة المالية العالمية في 2008/2009، فذلك يعني بأن النتائج الاقتصادية ستكون أكثر سوءاً من نتائج الأزمة التي شهدناها قبل عدة سنوات.

وفي هذا الإطار نشرت مجموعة بوسطن كونسلتينج جروب الاستشارية مقالاً بعنوان:  "التصدي للصدمة الاقتصادية لفيروس كورونا" ، حيث يتناول المقال تحديين اقتصاديين من ناحية العرض مع توقع حلول الركود قريباً، ويذكر المقال بأن انتشار الوباء أدى إلى تعاظم مخاطر السيولة ورأس المال في النظام المالي والاقتصاد الفعلي، مما يدفع إلى ضرورة فهم المسارين المحتملين اللذين قد يلحقا أضراراً هيكلية جسيمة بالاقتصادات العالمية في ضوء الأحداث الجارية:

• المخاطر المهددة للنظام المالي – أدى تفشي الوباء إلى خلق ضغوط هائلة على أسواق رأس المال، انعكس في استجابة سريعة من قبل المصارف المركزية لاحتواء الأزمة. وفي حال استمرت مشاكل السيولة في السيطرة على الأسواق، المصحوبة بعمليات تخفيض الأصول نتيجة الأوضاع الاقتصادية السائدة، فمن المتوقع أن نشهد تحديات طارئة على مستوى رأس المال، تتجلى في سيطرة الركود طويل الأمد الذي سيؤثر أيضاً على اليد العاملة والقدرات الإنتاجية.
• تجميد واسع النطاق للنشاطات الاقتصادية- يمكن أن يؤدي اتباع سياسات التباعد الاجتماعي لفترة زمنية طويلة نسبياً إلى التأثير سلباً على عملية تكوين رؤوس المال، والمشاركة العمالية، والنمو على مستوى الإنتاج. وعلى عكس الأزمات المالية السابقة، فإن التجميد الموسع على هذا النطاق والأضرار التي ستصيب جانب العرض، ستؤدي إلى خلق مساحة جديدة لصانعي السياسات.

وعلى ضوء الأزمة، توجهت العديد من الحكومات لإطلاق مجموعات مخصصة للتحفيز الاقتصادي، والهادفة لمعالجة التحديات التي يواجهها النظام الاقتصادي أو النظام المالي أو كليهما. إلا أن هذه المحفزات لم تكن متساوية، فقد اختلفت أحجامها ونسبتها باختلاف الدول وقدراتها وحجم ناتجها المحلي، إضافة إلى العديد من العوامل الأخرى التي ساهمت في خلق هذا التفاوت. وعلى هذا الأساس أيضاً، اختلفت أحجام الحوافز التي أطلقتها دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تراوحت نسبتها بين 1٪ إلى 30٪ من إجمالي الناتج المحلي، وبينما ركزت بعض المجموعات على توفير الدعم النقدي كتأجيل الديون أو تخفيض أسعار الفائدة، ركزت المحفزات الأخرى بشكل أكبر على الجانب المالي كتعليق الضرائب وطلب المساعدة من صناديق التنمية الوطنية.

إلا أن هذه السياسات ليست كافية لمواجهة أزمة اقتصادية بهذا الحجم، وعلى دول مجلس التعاون الخليجي أن تبتكر حلولا أكثر للخروج من الأزمة، وتجنب حدوث أي تداعيات قد تكون كارثية. وتحتاج العديد من الدول الخليجية إلى تقييم فعالية هذه المحفزات بشكل دوري، وتعديل الاستراتيجيات لضمان توفير أفضل الحلول، إضافة إلى الإجابة بشكل واضح على العديد من الأسئلة الملحة والمتعلقة بكيفية الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر الممكنة، ومن ضمنها: ماهي فعالية هذه المحفزات وحجمها ومدى تأثيرها؟ وما مدى صحة وفعالية هذه الإجراءات؟ وهل تم توجيه هذه المحفزات لخدمة الفئة المستهدفة؟

ومع تعرض قطاعات الرعاية الصحية لضغوط متزايدة، يجب على البلدان العمل على إعادة تحديد القطاعات ذات الصلة بها بهدف تحديد الأولويات، ومع استمرار العمل على تطوير اللقاحات المضادة للفيروس، تزداد الحاجة إلى خلق ابتكارات استثنائية من الجيل التالي على مستوى القطاع الطبي. وقد تم بالفعل استخدام الفنادق كمرافق للحجر الصحي، إضافة إلى التوجه لاستخدام قاعات المعارض كمستشفيات ميدانية لدعم الكوادر والمؤسسات الطبية. كما يتم اللجوء إلى تجربة فعالية العلاجات المختلفة للحد من تأثيرات الفيروس على المصابين، كتدبير إضافي للحد من تفشي الوباء وتخفيف عوارضه لإنقاذ أكبر عدد من المصابين، حتى يتم العثور على اللقاح المناسب.

كما يجب أيضا وضع مجال تطوير الخدمات الرقمية من ضمن الأولويات لتخطي هذه الظروف الاستثنائية، وتتيح سياسات التباعد الاجتماعي المتبعة في العديد من الدول فرصة هائلة لاعتماد وتطوير المنتجات والخدمات الرقمية مثل التجارة الإلكترونية والترفيه المنزلي ومؤتمرات الفيديو. إضافة إلى ذلك، يعتبر دور صانعي القرار محورياً من ناحية التشجيع على تطوير مبادرات الحكومة الذكية. ومن أبرز الأمثلة خلال هذه الفترة، إطلاق تطبيق "الحصن" لرصد المخالطين للحالات المصابة بفيروس كورونا، الذي يتم تجريبه في الإمارات العربية المتحدة، بالتزامن مع العديد من التقنيات الأخرى التي توفر الفرصة لتعزيز وتطوير تطبيقات وحالات استخدام الحكومة الذكية.

ومن الحكمة في ظل هذه الظروف الاستثنائية، العمل على دعم وتشجيع عمليات توطين القطاعات الحيوية، وكذلك ضمان توفير الإمدادات المحلية من السلع والخدمات الأساسية مع تعطل سلسلة التوريد العالمية. وتظهر الحاجة إلى ابتكار حلول متطورة لتوطين العديد من القطاعات مثل الأغذية والأدوية والطاقة والمرافق، ومن الأمثلة الحديثة على توطين عملية إنتاج المنتجات الوقائية في دول مجلس التعاون الخليجي والاستثمار في هذا المجال، الدعم الذي تتلقاه شركة التقنية الزراعية بيور هارفست (Pure Harvest) ومقرها الإمارات العربية المتحدة. وتبدو الحاجة ملحة لتطوير المزيد من الابتكارات، بهدف مواجهة التحديات التي نشهدها، والخروج من الأزمة أكثر قوة من أي وقت مضى.

وبالعودة إلى الأزمات العالمية الماضية، نلاحظ أنها قد ساهمت في إحداث تغييرات إيجابية في العديد من الجوانب الإنسانية وعلى مختلف المستويات، فالحرب العالمية الثانية أدت إلى دخول النساء لسوق العمل، كما نتج عن تفشي فيروس السارس نمواً هائلاً من ناحية التجارة الإلكترونية، كما أسفرت الأزمة العالمية المالية 2008/2009 إلى وضع أنظمة وقوانين مصرفية أكثر صرامة. فبمرور الوقت، سيتعافى العالم من فيروس كوفيد-19 وستصبح الجائحة ذكرى من الماضي، وستكشف الأزمة عن ظهور تحولات سلوكية واجتماعية تساهم في رسم المستقبل تحت راية الابتكار.