لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

الخميس 16 أبريل 2020 07:15 م

حجم الخط

- Aa +

دول مجلس التعاون الخليجي: الحلول المطروحة لتجاوز التحديات الناجمة عن انتشار فيروس كورونا وانخفاض أسعار النفط

يتحدث الدكتور يحيى عانوتي والدكتور رائد قمبرجي، الشريكان في شركة "استراتيجي آند الشرق الأوسط"، إحدى الشركات التابعة لشبكة بي دبليو سي، عن الحلول المطروحة لتجاوز التحديات الناجمة عن انتشار فيروس كورونا وانخفاض أسعار النفط

دول مجلس التعاون الخليجي: الحلول المطروحة لتجاوز التحديات الناجمة عن انتشار فيروس كورونا وانخفاض أسعار النفط


 

تشهد دول مجلس التعاون الخليجي، وغيرها من الدول التي تعتمد على النفط في وقتنا الراهن عدداً من التحديات التي فرضها تضافر أزمتين عالميتين ألقيتا بظلالهما في وقت واحد على اقتصادات المنطقة والعالم، وهما انتشار وباء فيروس كورونا المستجد وانخفاض أسعار النفط. وفي هذا الإطار، يأتي الإعلان عن توصل الدول الكبرى المنتجة للنفط مؤخراً إلى اتفاق جديد لخفض الإنتاج في محاولة منها لتحقيق ارتفاع ملموس في أسعار النفط. 
وفي خضم الجهود الحثيثة التي تبذلها دول مجلس التعاون الخليجي للتصدي لهذه التحديات، تأتي على رأس أولوياتها الاستجابة الحاسمة  والسريعة بغية احتواء الأثر المتوقع على الاقتصاد، والتخفيف من المخاطر، وبناء القدرات اللازمة للتعافي من جميع آثار هذه المرحلة في نهاية المطاف، إلى جانب اتباع سبل جديدة ومبتكرة لتحقيق التحول الاقتصادي والتنمية المستدامة.
وقد تسببت هاتان الأزمتان، والإجراءات الضرورية لاحتواء وباء فيروس كورنا المستجد، في تباطؤ دورة الحياة الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات. كذلك، تسببت المشاكل التي تعرضت لها الدول المصدرة، والاضطرابات التي شهدتها سلاسل القيمة العالمية في عرقلة العملية الإنتاجية. وأسهمت إجراءات إغلاق الحدود وحظر السفر في انخفاض الإنتاجية ونقص فرص العمل وتقلص الناتج العام. ونظرًا لاعتماد هذه الدول على الإيرادات النفطية، فقد شهدت  الإيرادات الحكومية خلال الفترة الماضية  انخفاضاً يقارب  500 مليون دولار يوميًا، حيث بقيت أسعار النفط تراوح دون حاجز 30 دولاراً للبرميل.  


في ضوء ماسبق،  يمكن لحكومات دول مجلس التعاون الخليجي احتواء الأزمة والتخفيف من المخاطر من خلال ثلاث مجموعات من الإجراءات: حشد الجهود لمواجهة الوباء، وتعزيز الاستقرار من خلال التركيز على القطاعات التي تمثل شرايين الحياة الاقتصادية، والتخطيط الاستراتيجي الشامل للتعافي السريع من الآثار التي قد تخلفها الأزمة.
المجموعة الأولى من الإجراءات الحكومية تتمثل بتهيئة أنظمة للتحذير والمتابعة الاستباقية والتفاعلية من أجل تحسين مستوى الصحة العامة، وذلك من خلال مواصلة إجراء اختبارات الإصابة بفيروس كورونا المستجد، والعمل على احتوائه والحد من انتشاره وعلاج آثاره. وبالإضافة إلى التدابير والإجراءات الطبية المتخذة، يمكن للحكومات مكافأة العاملين في مجال الرعاية الصحية واللجوء إلى الإرشادات السلوكية التي تحث المواطنين على تطبيق إجراءات الوقاية وتشجعهم على تبني التصرفات الآمنة صحيًا.
تستهدف المجموعة الثانية من الإجراءات الحكومية تعزيز استقرار السكان والشركات والمؤسسات المالية من خلال التركيز على القطاعات التي تمثل شرايين الحياة الاقتصادية، ومن ذلك، على سبيل المثال، باقات الحوافز التي أعلنتها الحكومات والتي تصل قيمتها إلى 122 مليار دولار. وقد بدأت حكومات دول مجلس التعاون الخليجي بالفعل في تطبيق إجراءات واسعة تستهدف حماية دخل الأُسر، وحماية المستهلِك من خلال حظر زيادة الأسعار. أما بالنسبة للشركات، فينبغي النظر في تقديم مساعدات فورية للشركات العاملة في القطاعات الأكثر تأثرًا، مثل تجارة التجزئة والخدمات المصرفية والنقل الجوي والضيافة والصناعات غير الغذائية.
ولكن في الوقت ذاته، يجب أن تتوافق الإجراءات الهادفة لتعزيز الاستقرار مع الأولويات الاقتصادية بعيدة المدى. كما يجب ربط المساعدات المالية بشروط واضحة تهدف إلى دعم شبكات الأمان الاجتماعي، والاستفادة من  الوضع الحالي لدمج قطاعات الأعمال غير الرسمية وأصحاب الأعمال الحرة في الدورة الاقتصادية من خلال توسيع نطاق حزم الدعم المقدمة لتشمل الشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة. وبالتالي، في الوقت الذي تساعد فيه الحكومات الشركات على الخروج من محنتها الائتمانية وتفادي الإفلاس، من المهم أن تتفادى تقديم الإعانات ذات التأثير المحدود في الناتج المحلي، أو التي من شأنها مساعدة القطاعات غير التنافسية، أو تلك التي ستتواصل بعد نهاية الأزمة. ويجب أن تكون الأموال المقدمة مشروطة بتطبيق خطط شاملة للتعافي تحافظ على الوظائف والحماية الاجتماعية وتضمن استمرارية الأعمال وزيادة الإنتاج، وتعد الشركات للتعافي من آثار الأزمة، وتؤدي إلى نتائج ملموسة وابتكارات جديدة وتعزز من مرونة الاقتصاد.
ومن المهم أيضًا أن تواصل الحكومات تنفيذ الإجراءات التي تتخذها لتعزيز حوكمة مؤسساتها، لأن ذلك يجعل تقديم المساعدات أكثر سهولة، فمن الضروري أن تتركز هذه الإجراءات على تعزيز مرونة العمليات وزيادة سرعة المشتريات بحيث تتمكن الجهات الحكومية من تلبية الطلب وتوفير الموارد بشكل أسرع. وينطبق هذا الأمر على وجه التحديد على الصناديق القائمة المختصة بشؤون الشركات الصغيرة والصناعة والمناطق الريفية. وبطبيعة الحال، تحتاج الشركات الصغيرة إلى أكثر من الدعم المالي، حيث يمكنها الاستفادة من الإرشادات المتعلقة بقطاعات معينة (مثل عمليات تجارة التجزئة خلال فترة الحجر الصحي) والوصول إلى الخدمات والمنصات الرقمية.
أما المجموعة الثالثة من الإجراءات الحكومية، فيجب أن تركز على وضع استراتيجيات شاملة للتعافي السريع والمستدام من الآثار التي قد تخلفها الأزمة. ويعني ذلك، أن تنسجم الجهود الحكومية المبذولة للاستجابة لاحتواء الأزمة على المدى القصير مع الخطط متوسطة الأجل، وذلك على وجه التحديد من خلال تطوير سياساتها للنمو الاقتصادي الكلي والنمو المالي والتجاري ونمو سوق العمل، وتعزيز الابتكار، والتشجيع على مشاركة القطاع الخاص. ومن الضروري أن تتخذ حكومات دول مجلس التعاون الخليجي إجراءات شاملة تستهدف التخفيف من المعوقات أمام الشركات وجهود التنمية الصناعية والسعي  لتوطين سلاسل التوريد التي أظهرت هذه الأزمة أنها في أمس الحاجة إليها.
ومن الضروري أن تكون الحكومات مستعدةً لإعادة تركيز أولوياتها الوطنية وإصلاح أجنداتها وإعادة التفكير في نفقاتها واستثماراتها، إذ ينبغي التركيز بعد انتهاء الأزمة على العمل على تأسيس صناديق للابتكار وإقامة روابط بين الشركات الصغيرة والمؤسسات البحثية، هذا إلى جانب تشجيع مختبرات الابتكار والتجارب الحضرية وتشجيع التنافسية الوطنية من خلال تعزيز قطاعات مثل الطاقة المتجددة والعلوم الحيوية والحلول الرقمية والأتمتة الذكية للصناعة.


إن التطبيق الفعلي لاستراتيجية التعافي من آثار الأزمة ينبغي أن يجري ضمن إطار مؤسسي ملموس، على أن يبدأ ذلك بتأسيس وحدة متخصصة للتعافي من آثار الأزمة ذات مهام واضحة، مع تمكينها من اتخاذ الإجراءات اللازمة والوصول إلى التمويل الكافي وإلى صانعي القرار على أعلى المستويات.


ويعد بناء القدرات الحكومية من العناصر المهمة في التخطيط الاستراتيجي، إذ أن امتلاك  حكومات دول مجلس التعاون الخليجي لقدرات استشرافية فعالة  سيمكنها من التنبؤ بأية مشاكل محتملة. كذلك، فإنها تحتاج إلى قدرات لرصد البيانات وتحليلها لتعزيز عملية صُنع القرار. ومن شأن ذلك أن يضمن الاستهداف الجيد للمبادرات. وحتى تتمكن الحكومات من الحكم على مدى فعالية برامج التعافي وتأثيرها، فإنها تحتاج إلى قدرات لتقييم الآثار المترتبة على الأزمة.


والأهم من كل ذلك، هو الحفاظ على قنوات التواصل مع المواطنين، وإنشاء منصات متعددة للتفاعل المجتمعي لإشراك المواطنين والشركات على حد سواء في النقاش ومعرفة آرائهم وأفكارهم. إذ تحتاج الحكومات إلى التمكن من رصد مخاوف مواطنيها والاستجابة لها بالسرعة القصوى، وأن تعمل دون تردد على استخدام الرسائل المستهدفة وقنوات التواصل واستطلاعات الرأي لتحقيق ذلك.
وباتخاذ هذه الإجراءات الآن، تكون حكومات دول مجلس التعاون الخليجي على أتم الاستعداد للتعافي من آثار الأزمة والحفاظ على المسار المنشود لجهود التنمية الاقتصادية طويلة الأجل.