حجم الخط

- Aa +

الأثنين 4 مايو 2020 04:15 م

حجم الخط

- Aa +

كيف نتعامل مع الحقبة الجديدة للحوسبة

بقلم: تشارلز يانغ، رئيس شركة هواوي في منطقة الشرق الأوسط

كيف نتعامل مع الحقبة الجديدة للحوسبة



أصبحت الحوسبة من أهم ركائز العالم الرقمي في هذا العصر. والحوسبة التي تشير باختصار إلى عملية تطوير واستخدام تقنية الحاسوب، هي وسيلة للتعرف على البيئة المحيطة بنا بشكل أفضل، وتنمية مهاراتنا والعمل على ابتكار حلولٍ جديدة ضمن القطاعات  الحيوية لفائدة المجتمعات. ويزداد دور الحوسبة في حياتنا يوماً بعد يوم نتيجة انتشار الهواتف الذكية والأجهزة القابلة للارتداء وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وأجهزة الكمبيوتر فائقة الأداء، واعتمادنا عليها بشكل متزايد.


بغض النظر عن طبيعة فهمنا للحوسبة، فإنها لا تزال آخذة في التطور. وتشهد مع قطاع الاتصالات قفزاتٍ سريعة ستمهد الطريق قريباً إلى عالمٍ رقمي تكون فيه كل الأشياء مترابطة وذكية. وبحسب آخر التوقعات، سيمثل الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس القادمة أكثر من 80% من إجمالي قوة الحوسبة المستخدمة في جميع أنحاء العالم. ولا يخفى على أحد زيادة الاعتماد على الحوسبة بفضل الدعم الكبير الذي يوفره الاتصال عبر شبكات الجيل الخامس، بالإضافة  لمجالات جديدة أخرى باتت جزءاً من عالم التكنولوجيا الداعم لكافة القطاعات والصناعات كالواقع الافتراضي والمعزز وجمع البيانات وتخزينها وتحليلها ومراكز المراقبة والقيادة. وتبرز أهمية ذلك في أوقات الكوارث والأزمات، كما هو حالنا اليوم في وقتٍ يواجه فيه العالم تحدياتٍ استثنائية تتمثل في جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19).


تعتبر الحوسبة الركيزة الأساسية لاقتصاد المستقبل الذكي في كافة أنحاء العالم ودول الشرق الأوسط على وجه الخصوص، باعتبار أن العديد من دول المنطقة رفعت سوية اهتمامها واستثماراتها في مجال الحوسبة بعد ان اعتمدتها كمحور رئيسي لاستراتيجية التنمية والتطوير والخطط والرؤى الوطنية. وتعمل العديد من هذه الدول اليوم على تأسيس جيل جديد من البنى التحية والمختبرات والمؤسسات الأكاديمية لدفع عجلة تطوير التكنولوجيا وتحفيز الابتكار على المستوى المحلي. وليس من الغرابة في شيء ما أشار إليه مركز البيانات الدولي آي دي سي مؤخراً بأن الاستثمارات في الابتكار والتحول الرقمي ستشكل 30% من إجمالي الإنفاق على تكنولوجيا المعلومات في دول الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا بحلول عام 2024 مقارنةً بـ 18% قبل عامين فقط.
وباعتبارنا جزءاً من النسيج الفاعل في معادلة الحوسبة، تقع على عاتقنا اليوم مسؤولية ضمان توفير قوة الحوسبة هذه للجميع، كل بحسب أولوياته. وفي حال أردنا فعلاً أن نحقق أوسع انتشارٍ وأقصى استفادة من الحوسبة في كل مكان، لا بد من العمل يداً بيد من أجل تطوير فهم مشترك لثلاثة مفاهيم أساسية هي الأهم بالنسبة لمستقبل الحوسبة وهي: الضرورة والتنويع والاستثمار.


بالنسبة لمفهوم "الضرورة"، يجب أن نعي جميعاً بأن انتشار الحوسبة الواسع سيغدو فعلياً أساس بناء المجتمعات الذكية وتطويرها مستقبلاً. وكما يتم إجراء قياس الإنتاجية الاقتصادية التقليدي لبلدٍ ما من خلال استعمال مصطلح نصيب أو حصة الفرد من إجمالي الناتج المحلي، سيتم اعتماد مصطلح نصيب الفرد من قوة الحوسبة لقياس مراحل تطورها في الدول "الذكية" في الشرق الأوسط، بحيث يمكن إجراء هذا القياس من خلال استخدام مقياس جيجافلوبس لحساب العمليات الحاسوبية في الثانية (GFLOPS). وتتراوح حالياً قوة الحوسبة للفرد في الدول الرائدة من 100 إلى 2500 جيجافلوبس. ولا تزال الدول التي تتمتع بقوة حوسبة عالية للفرد في المراحل الأولى من مسيرة تطوير الحوسبة. وستتمتع تلك البلدان بقوة حوسبة للفرد تتخطى 10000 جيجافلوبس ضمن المرحلة القادمة من تطور الحوسبة وهي قفزة هائلة وفقاً لأي مقياس. وتُعد قوة الحوسبة ركيزة المجتمع الذكي نظراً لأنها تعادل في أهميتها، في مجالاتٍ عديدة، الطاقة الكهربائية التي كانت أساساً للمجتمع الصناعي.


"التنويع" هو المفهوم الثاني الذي يجب أخذه بالاعتبار. فمن واجبنا تأسيس نظام إيكولوجي يتمتع بمصادر قوة عديدة على نحوٍ خاص، بحيث يساعد في دعم تطوير تقنيات الحوسبة في دول الشرق الأوسط. وسيكون هذا الأمر أساسياً من أجل تلبية متطلبات مجالات التطبيق والبيانات على اختلاف أنواعها، والتي ستغدو أكبر بكثير مقارنةً بما هو موجود في الوقت الراهن. وسنحتاج إلى الابتكار ضمن البنية الأساسية للحوسبة من أجل تحقيق التنويع الذي ننشده.


وبهدف تطوير النظام الإيكولوجي بالسرعة المطلوبة، سيتطلب الأمر بشكل أساسي أعلى مستويات التعاون بين مطوري التكنولوجيا وواضعي التشريعات الناظمة للحوسبة والوسط الأكاديمي وغيرهم. ونعتقد أن اتحاد الحوسبة الخضراء "Green Computing Consortium" هو من الأمثلة الجيدة على هذا التعاون، وهو محصلة الجهود المشتركة المبذولة لكل من مزودي الخوادم وواضعي حلول الحوسبة السحابية على مستوى العالم بالإضافة إلى الجامعات ومؤسسات البحوث. لقد جمع هذا الاتحاد عدداً كبيراً من موردي وخبراء الحوسبة من أجل تطوير نظام إيكولوجي يتمتع بقوة حوسبة متنوعة.
أما المفهوم الثالث الذي يجب أن نفكر به مليّاً ونضعه محوراً حيوياً لاستراتيجياتنا وخططنا فهو "الاستثمار" الذي بات ضرورياً من أجل تحسين جودة الابتكار الذي سيؤمّن دعم النمو الاقتصادي، وبالتالي المساهمة في تحسين حياة الجميع.


وتتحقق زيادة قوة الحوسبة في المحصلة من خلال تطوير قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ضمن البلد الواحد، ومن شأن ذلك أن يسهم في تعزيز الابتكار لدى مختلف القطاعات والصناعات الأخرى فيها. كما ستسهم زيادة قوة الحوسبة في مجالات متعددة مثل التعليم والرعاية الصحية والتصنيع والطاقة في تحسين كفاءة الأعمال والخدمات ورفع مستوى جودتها، وبالتالي تكون خطوة أخرى على طريق رفاهية الشعوب في جميع دول الشرق الأوسط.


وتشير التقديرات إلى أن كل دولار يُستثمر من أجل تطوير منشآت التصنيع لجعلها أكثر اعتماداً على النظام الرقمي والذكاء الاصطناعي يمكن أن يحفز نمواً يعادل 10 دولارات. ومن هذا المنطلق، يمكن لنا أن ندرك لماذا تعتبر الحكومات الاستثمار في البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات أحد أهم الأمور الأساسية ضمن العديد من خطط التنمية المستقبلية والرؤى الوطنية.


التعاون البناء والمفتوح بين كافة الأطراف المعنية هو الركيزة المشتركة لكلٍّ من المفاهيم الثلاثة التي ذكرناها، بل يعتبر شرطاً أساسياً للوصول للعالم الأفضل الذي يتطلع إليه الجميع من خلال تحقيق أوسع انتشار للحوسبة وجني ثمارها ضمن كافة الصناعات والقطاعات. ولعل تبادل المعلومات والخبرات ونقل المعرفة ضمن هذا المجال الأمر الأهم والأكثر فاعلية، لا سيّما عندما يتعلق الأمر بتطوير النظام الإيكولوجي الخاص بالمواهب المحلية في تقنية المعلومات والاتصالات بمنطقة الشرق الأوسط، لفسح المجال واسعاً أمام جيلٍ جديدٍ من العقول الطموحة للاستفادة من مكتسبات هذه الركيزة الأساسية في تكنولوجيا المعلومات من أجل مستقبل بلادهم.


من خلال تعزيز فهمنا المشترك لضرورة الحوسبة واستراتيجيات التنويع والاستثمار فيها وفي مجالات تكنولوجية أخرى تمتلك أثراً فاعلاً على طريق تنمية وتطوير القطاعات والصناعات الحيوية، ستمتلك دول المنطقة قدرةً أكبر على تحقيق أهداف الخطط والرؤى الوطنية الطموحة، وضمان مستقبل مشرق لمجتمعٍ ذكي وأكثر اتصالاً.