لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

الأحد 2 سبتمبر 2018 01:15 م

حجم الخط

- Aa +

تسخير المشتريات الحكومية لتنمية المحتوى المحلي والتوطين في دول مجلس التعاون الخليجي

يمثل الإنفاق في الاقتصادات النامية أكثر من 57 تريليون دولار أميركي على مشاريع البنية التحتية في العقدين القادمين فرصة كبيرة لتعزيز النمو وخلق الوظائف وتحقيق منافع اقتصادية أخرى.

تسخير المشتريات الحكومية لتنمية المحتوى المحلي والتوطين في دول مجلس التعاون الخليجي
شهاب البرعي، شريك في استراتيجي أند - الشرق الأوسط

من المرجح أن تُنفق الاقتصادات النامية أكثر من 57 تريليون دولار أميركي على مشاريع البنية التحتية في العقدين القادمين، وهو ما يزيد عما ستُنفقه الدول المتقدمة في هذا المجال.

ويُمثل هذا الإنفاق فرصة كبيرة لتعزيز النمو وخلق الوظائف وتحقيق منافع اقتصادية أخرى. وللاستفادة من هذا الزخم، تقوم الحكومات بصياغة سياسات المحتوى المحلي لضمان أن يُشكل مقدمو الخدمات المحليون معظم هذا الإنفاق. ومع ذلك، فإن العديد من برامج المحتوى المحلي لا تفِ بأهدافها نظراً لأن السياسات تتأثر بالانحيازات الذهنية لصناع القرار. ومن خلال فهم ومعالجة هذه الانحيازات بشكل مباشر، ستتمكن الدول النامية من ضمان احتفاظها بالجزء الأكبر من المكاسب الاقتصادية المُحققة من الموجة القادمة من الإنفاق على البنية التحتية.

ويكتسب هذا المنهج أهمية خاصة بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث تستثمر الحكومات الخليجية مبالغ ضخمة لتطوير البنية التحتية. فعلى سبيل المثال، من المرجح أن تنفق المملكة العربية السعودية 1.1 تريليون دولار أميركي في الفترة من 2019 إلى 2038، ومن المزمع أن تستثمر الإمارات العربية المتحدة 350 مليار دولار أميركي خلال فترة زمنية مقاربة. ولن تقتصر منافع هذه المشاريع التنموية الضخمة على تمكين الشركات المحلية من أن تحل منتجاتها محل الواردات الأجنبية، بل أيضاً زيادة الصادرات غير النفطية من خلال تعزيز قدرات تلك الشركات. ومع ذلك، يحتاج صناع السياسات إلى التأكيد على أهمية الانفتاح الاقتصادي والتجارة الحرة نظراً لحاجة المنطقة إلى التصدير. وفي الوقت نفسه، هناك العديد من القدرات التي لا تمتلك المنطقة ميزة تنافسية فيها، ويجب أن تستقدمها من الخارج. لذا يتعين على الحكومات الخليجية التفكير ملياً  بكيفية موازنتها بين الحاجة إلى توطين الصناعات واتّباع سياسات اقتصادية رشيدة.

في الواقع، تنتشر سياسات المحتوى المحلي في الوقت الحاضر، سواءً في دول مجلس التعاون الخليجي أو في أي مكان آخر من العالم، حيث تُطبق الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حالياً ما يقرب من 300 متطلباً من متطلبات المحتوى المحلي. فعلى سبيل المثال، تشترط الأنظمة في إندونيسيا أن يُشكل الموردون المحليون قرابة 71% من إنفاق البنية التحتية على الطاقة الكهربائية، إلى جانب قرابة 50% من الإنفاق على معدات النطاق العريض اللاسلكي. وقد رفعت البرازيل بشكل مطرد متطلبات المحتوى المحلي من 30% إلى 65% في مشاريع التطوير والتنقيب عن النفط والغاز في المياه العميقة. وعلى صعيد المنطقة، يسعى برنامج أرامكو السعودية لتعزيز القيمة المضافة الإجمالية ”اكتفاء“ إلى تحقيق نسبة توطين تصل إلى 70% بحلول عام 2021.

على الرغم من وجود منطق مقنع وراء هذه السياسات، فعلى الدول أن تتأكد من أنها تأسست على حكم موضوعي قائم على الحقائق. وكثيراً ما يواجه صناع القرار شعوراً متزايداً بالإلحاح والضغط العام لتحقيق النتائج المرجوة. وقطعاً، فإن المهنيين المتمرسين ليسو أقل عرضة إلى الانحياز الذهني اللاشعوري في التفكير والتقييم من غيرهم، مما يؤدي إلى عدم وفاء السياسات بأهدافها المنشودة.

على وجه الخصوص، هناك ثلاثة أخطاء شائعة عميقة الجذور تشوه سياسات المحتوى المحلي. أولاً، قد يبالغ صناع القرار في تقدير إمكانات التوطين استناداً إلى تصنيف خاطئ لفئات المنتجات. ويُعزى ذلك عادةً إلى أن فئات المنتجات تتسم بتنوع أكبر في الأحجام والتصاميم والتكاليف أكثر مما تبدو عليه في الوهلة الأولى. فالصمام، على سبيل المثال، قد يكون قطعة من البلاستيك زهيدة الثمن أو قطعة من معدات متطورة هندسياً تبلغ تكلفتها عشرات الآلاف من الدولارات. ويؤدي وضع مثل هذه المنتجات المختلفة في نفس الفئة إلى خلق الوهم بوجود فرص كبيرة في السوق.

ثانياً، يميل صناع القرار إلى الاهتمام بشكل كبير بفئات المنتجات المألوفة مثل السلع الاستهلاكية أو معدات مزارع الرياح أو الألواح الشمسية. وهذا يضع أنواع أخرى من السلع مثل المكونات الوسيطة والصناعات الأقل شهرة في وضع غير مؤات. ولكن تتمحور سياسات المحتوى المحلي حول بناء القيمة وليس إقتناء التحف.

ثالثاً، يستهدف صناع السياسات غالباً نسباً عاليةً من المحتوى المحلي دون تحليل القيمة الفعلية المتحققة جراء ذلك. وهذا أمر مفهوم لما تتمتع به الأرقام والنسب الكبيرة من جاذبية عند الشعوب. ومع ذلك، فإن المحتوى المحلي يخلق قيمة للاقتصاد الوطني إلى مستوى معين قد يسبب إذا تخطاه في إحداث آثار مدمرة. ويُعزى ذلك إلى أنه سيكون من الأرخص استيراد بعض المواد من الخارج بدلاً من تصنيعها محلياً.

ولتحييد هذه الانحيازات الذهنية، يحتاج صناع السياسات إلى نوعين من الضمانات وهما: التحليلية والسلوكية التي تُعزز وتتكامل مع بعضها البعض.
تشمل الضمانات التحليلية قيام صناع السياسات بإجراء تحليل مفصل للمعلومات الحالية بما في ذلك جميع نفقات المشتريات (التي تشمل المكونات الفرعية والمدخلات الأولية) إلى جانب قدرات التصنيع المحلية. وتحتاج السياسات الفعالة إلى بيانات دقيقة وليس فقط متوسطات البيانات. كما يجب أن تكون الحكومات قادرة على قياس القيمة الاقتصادية المحققة من السياسات التي تنفذها. وتعتبر بعض المقاييس الدقيقة والشاملة وسهلة الإدارة بمثابة ضمانات إضافية لأنها تسمح للحكومات بتأسيس قراراتها على البيانات واختبار سياساتها وتحسينها مع مرور الزمن.
وتتحقق الضمانات السلوكية بمجرد إدراك الانحيازات المعرفية، وهو الإدراك الذي يساعد صناع السياسات على اكتشاف الأفكار والانحيازات المتأصلة لدى الأفراد والعمل على تغييرها. ويجب على القادة تشجيع الحوار والنقاش البنَّاء، خاصةً من الموظفين الصغار الذين لديهم خبرة مباشرة في تنفيذ السياسات. وأخيراً، يجب أن تخضع توصيات سياسات المحتوى المحلي لمراجعات خارجية بما في ذلك من خلال خبراء خارجيين. ويجب أن تساعد احتمالية اضطرار صناع السياسات لتبرير تحليلاتهم وتوصياتهم على جعلهم أكثر دقة في كيفية صياغة السياسات، وجعل هذه السياسات أكثر تماسكاً.

ومما لا شك فيه أن القرارات المتعلقة بسياسات المحتوى المحلي قد تكون لها آثار كبيرة وغير قابلة للإصلاح على النمو الاقتصادي والإنتاجية والقدرة التنافسية الوطنية على المدى الطويل. وبناءً على ذلك، وبرغم المكاسب الاقتصادية الهائلة المتوقعة، فإن صناع السياسات في دول مجلس التعاون الخليجي وفي شتى أرجاء العالم يحتاجون إلى تبنّي منهج أكثر تأنياً واستبصاراً لصنع السياسات. وإذا فهموا انحيازاتهم المعرفية وعملوا على التغلب عليها، فسيمكنهم تحسين جودة تحليلاتهم وفعالية سياسات المحتوى المحلي بما يضمن تحقيق النفع لاقتصاداتهم ووضعها على مسار التقدم والازدهار.

بقلم:شهاب البرعي، المدير الأول في استراتيجي أند - الشرق الأوسط.