رأي: إنقاذ صفقات الاندماج والاستحواذ

يعد اختيار صفقات الاندماج والاستحواذ إحدى الاستراتيجيات الفاعلة في عالم الأعمال والتي يمكن أن توفر قيمة كبيرة للمساهمين في الشركات، ولكن يمكن لها بالمقابل أن تتحول إلى واحدة من أصعب وأعقد التجارب بالنسبة إلى فرق الإدارة العليا والموظفين والعملاء. إذ من النادر أن تنجح الشركات في استكمال مراحل الاندماج ضمن الميزانية والوقت المحددين، مع الحفاظ على جميع مواهبها الرئيسية وتحقيق التآزر فيما بينها.
رأي: إنقاذ صفقات الاندماج والاستحواذ
بقلم: أنجليكا كار، المدير الإداري لقسم تدريب الأعمال في شركة "إيه آي إم‘
بواسطة أريبيان بزنس
الإثنين, 20 أغسطس , 2018

في الواقع، يخفق ما يزيد عن 70% من صفقات الاندماج والاستحواذ في توفير القيمة المرجوّة منها. وتتمثل أهم أسباب إخفاق صفقات الاندماج والاستحواذ في الافتقار إلى التخطيط المسبق، والإفراط في دفع المبالغ المالية، ومحدودية التواصل بين الأطراف، والاختلافات الثقافية، وخسارة المواهب الأساسية، والتنفيذ البطيء والضعيف لعمليات الاندماج.

ولكن، إذا اكتشف المرء بأن رؤيته الخاصة بالصفقة تتجه لأن تصبح غير واقعية، كيف يمكنه تحويل مسارها للحصول على قيمة أكبر؟ نستكشف فيما يلي أبرز المؤشرات التي تدل على الصفقة بدأت تتخذ مساراً خاطئاً، إلى جانب عدد من المنهجيات للحفاظ على قيمتها. ولتوضيح هذه الفكرة بشكل أكبر، سأقوم بتقسيم عملية الاندماج إلى 3 مراحل رئيسية تشمل: المرحلة الأولى، الأشهر الثلاثة الأولى التي تلي الإعلان عن الصفقة؛ المرحلة الثانية، فترة تتراوح بين 3-6 أشهر من عملية الاندماج؛ المرحلة الثالثة، الوقت الذي يستغرقه استكمال عملية الاندماج استناداً إلى أهداف الصفقة.

المرحلة الأولى

تعد هذه مرحلة عمل مكثف يتم فيها بلورة القرارات واتخاذها، وإحداث أدوار وظيفية جديدة، وتنقلب فيها العمليات والأنظمة رأساً على عقب. ومن دون وجود رؤية واستراتيجية محددة حول الإعلان عن الصفقة، سرعان ما تفقد الإدارة العليا مصداقيتها وتهتز مستويات الثقة بها. ومن هنا، ينبغي إرساء خارطة طريق واضحة المعالم لعملية الإندماج - إذا لم يتم وضعها بالفعل - تتضمن الأهداف، والإجراءات الواجب اتخاذها، والجهة المنفذة، والوقت المحدد للتنفيذ، والموارد اللازمة، وتقييم المخاطر، وتحديد الإنجازات المنشودة. وتتمثل الخطوة المهمة التالية، والتي غالباً ما يتم إغفالها، في بلورة آلية لقياس النجاح. وينبغي كذلك البدء في وقت مبكر بإجراء دراسة رسمية حول التقدم الحاصل والتي تشمل جميع الأهداف وخطط العمل. كما يتعين عدم إهمال مستويات الإنتاجية والربحية، والتركيز على الموظفين والمواهب في الشركة.

وتتسم هذه المرحلة بالتركيز على "الذات"، حيث يتمثل مصدر القلق الرئيسي بالنسبة للموظفين في الإجابة على التساؤل التالي: "كيف سيكون مستقبلي في الشركة"؟ وينبغي هنا تجنّب الإدلاء بتصريحات مبكرة من قبيل "لن تطرأ أي تغييرات" لأنها ستفتقر إلى الواقعية وسينجم عنها نتائج عكسية. وبالمقابل، فإن الامتناع عن تقديم إجابات في وقت مبكر سيحول مخاوف الموظفين إلى مشاعر من الإحباط وانعدام الطمأنينة. وسينجم عن ذلك انخفاض مستويات الثقة وتراجع الحالة المعنوية، وبالتالي انخفاض الإنتاجية. وقد تشعر الإدارة في نهاية المطاف بأن الموظفين يركزون على الجوانب السلبية فقط لصفقة الاندماج.

وللحيلولة دون ذلك، ينبغي جعل التواصل وتفعيل مشاركة الموظفين إحدى الأولويات الرئيسية، والحفاظ على تواصل منتظم وشفاف معهم. وقد لا تتوفر إجابات على تساؤلات الموظفين، ولكن الاعتراف بذلك يبقى أفضل من انعدام التواصل معهم على الإطلاق. كما ينبغي تطوير أنشطة اتصال خارجية مع العملاء والموردين ووسائل الإعلام. ويعد إجراء تغييرات في الإدارة عاملاً أساسياً في حفز الموظفين على اختلاف مستوياتهم. ومن الضروري أيضاً توفير برامج تدريبية لفرق الإدارة العليا والموظفين حول سبل التعامل مع التغييرات المرافقة لصفقات الاندماج والاستحواذ.

وتتمثل أوجه التذمّر والشكوى الشائعة بين الموظفين في التساؤل حول أسباب التأخر والوقت الطويل الذي تتطلبه العملية الانتقالية. وهنا، ينبغي تسريع عملية اتخاذ جميع القرارات وحتى الصعبة منها. ولتوضيح هذه النقطة، تكفي الإشارة إلى عدم الوضوح الذي شاب استفتاء ’بريكست‘ في المملكة المتحدة والتأثيرات السلبية لأجواء انعدام اليقين التي رافقتها على مستويات الثقة في قطاع الأعمال. وقد يكون بمقدورنا التعامل مع مقدار مفاجئ من التغييرات، ولكن غالباً ما تؤدي أجواء الغموض وانعدام اليقين إلى مقاومة تلك التغييرات.

وتصل بوادر الضعف في عمليات الاندماج إلى ذروتها الأولى خلال الأسابيع الأولى من عمليات الاندماج، حيث يبدأ الموظفون بترك العمل بعد معاناتهم الطويلة مع المخاوف وكجزء من الآليات الدفاعية الطبيعية التي ينتهجها البشر. ولتجنّب خسارة المواهب الرئيسية في الشركة، ينبغي التركيز على الحفاظ على تلك المواهب خلال المرحلة الأولى لعملية الاندماج، وذلك من خلال تحديد الموظفين الأكثر قيمة وإعادة توظيفهم عن طريق تقديم رواتب أعلى لهم وتنفيذ برامج مكافآت محددة وغيرها من الحوافز الأخرى.

المرحلة الثانية

غالباً ما تؤثر هذه المرحلة بشدة على الشركات. وقد يشعر المرء بأن الشركة على وشك تحقيق الاستقرار، ولكن عادة ما تشهد هذه المرحلة أكبر قدر من الاضطرابات. وتشير شركة ’بريتشيت‘ الاستشارية المتخصصة بعمليات الاندماج والاستحواذ إلى هذه المرحلة على أنها بمثابة "وادي الموت"، حيث أنها تشكل "منطقة الخطر التي تنهار فيها صفقات الاندماج بسهولة بالغة".

وقد ينتاب الإدارة في هذه المرحلة شعورٌ بالإرهاق نتيجة لعملها الدؤوب والمتواصل منذ انطلاق مرحلة التقييم والمفاوضات. بالإضافة إلى ذلك، عند تشكيل فريق الإدارة العليا في بداية الصفقة، غالباً ما يتجنب أعضاء الفريق الإفصاح بشكل واضح عن مشاعرهم الحقيقية تجاه الاختلاف في الرأي ويتسم الحوار فيما بينهم بالإيجابية والتهذيب، حيث يكون الجميع متحمسون لتنفيذ عملية اندماج سلسلة. ولكن بعد أن ينال منهم التعب وتصاب أعصابهم بالتوتر، تبدأ وجهات النظر المختلفة بالخروج إلى العلن، وتصبح النزاعات فيما بينهم حول الأدوار والمسؤوليات أكثر وضوحاً. كما يمكن للصفقات المحتملة أن تصرف انتباه الإدارة عن عملية الاندماج في هذه المرحلة.

وفي هذه الأثناء، يشعر الموظفون بالتعب النفسي والإنهاك الناجم عن أعباء العمل الإضافية التي تنتج عن عملية الاندماج. وتتمحور أحاديثهم في هذه الفترة حول "العودة إلى الوضع الطبيعي السابق"، إلى جانب توجيه الانتقادات نحو الزملاء الجدد وأساليب العمل الجديدة. ونتيجة لذلك، تستغرق عملية الاندماج وقتاً أطول وتنخفض مستويات الإنتاجية. وتصل بوادر الضعف في عمليات الاندماج إلى ذروتها الثانية خلال هذه المرحلة، حيث يصبح الموظفون بحاجة ماسة لرؤية أية نتائج إيجابية لصفقة الاندماج. وهنا، ينبغي التواصل معهم واطلاعهم على المكاسب السريعة والتي تشمل: إنشاء شعار جديد، والحصول على عملاء جدد، وأي إنجازات مالية ملموسة مهما كان حجمها. كما ينبغي حفز التفاعل الاجتماعي بين فرق العمل المختلفة، وبث شعور من التآلف الاجتماعي.

علاوة على ذلك، ثمة حاجة ملحّة لتوفير وسائل فاعلة لإدارة مرحلة "وادي الموت" هذه. ويشكل تدريب الأفراد والفرق إحدى الوسائل المهمة والتي يتعين البدء بتنفيذها من مناصب القيادة العليا وصولاً إلى القواعد. وللحفاظ على زخم عملية الاندماج، فإنه من الضروري أن يظهر أعضاء مجلس الإدارة بأنهم يشكلون قيادة قوية ومتماسكة، فضلاً عن مساندة بعضهم الآخر والقيام بدعم استراتيجية الاندماج.

ويتعين على الشركات المندمجة عدم الاكتفاء بالسعي لتحقيق إنجازات اقتصادية فقط. فعندما يتحدث المسؤولون التنفيذيون عن صفقات الاندماج والاستحواذ التي فشلت، فإنهم غالباً ما يوجهون اللوم بالدرجة الأولى إلى التباين الكبير بين الشركات المندمجة والاختلافات الثقافية الوطنية. وانطلاقاً من ذلك، فإنه من المستغرب حقاً أن 60% من المؤسسات لا تقوم باتخاذ الإجراءات اللازمة على المستوى الثقافي. وكما هو الحال بالنسبة لاتخاذ الإجراءات اللازمة والمتعلقة بالجوانب المالية والقانونية والضريبية، ينبغي استخدام النتائج المستخلصة لتحديد أي نقاط ضعف واتخاذ قرارات سريعة لمعالجة أي اختلافات ثقافية قد تنشأ. وبالمقابل، فإنه من الضروري الترحيب بالانتقال نحو التنوع الثقافي باعتباره أحد الأصول الرئيسية للشركة خلال عملية الاندماج والاستحواذ، وذلك بهدف حفز الابتكار، وتوفير رؤى جديدة، وتوسيع نطاق قاعدة العملاء المستهدفة، وإتاحة فرص جديدة في الأسواق.

المرحلة الثالثة

إذا نجحت الشركة في تجاوز مخاطر المرحلة الثانية، تزداد فرص اجتيازها للمرحلة الثالثة على نحو سلس. إذ تنخفض مستويات المخاطر في هذه المرحلة بشكل ملحوظ مع استكمال عملية الاندماج، في حين يشكل الاحتفال الرسمي بإتمام العملية استثماراً مستقبلياً جيداً.

وإذا شعر المرء بأنه تكبّد الكثير من المال للاستحواذ على الشركة، فإنه سيتطلع للحصول على مزيد من القيمة منها لتحصيل النتائج المتوقعة من الصفقة. ولكن من المرجح أن ينطوي ذلك على نتائج عكسية، حيث أن التراجع عن الشروط الصريحة أو الضمنية للصفقة بغية استعادة "القيمة" المرجوة يمكن أن يلحق أضراراً بالغة في الصفقة. وينبغي التركيز بدلاً من ذلك على إنشاء قيمة للأداء والمساهمين على المدى الطويل.

وتشير الدراسات الاستقصائية إلى أن التخطيط الذي يسبق عملية الاندماج يشكل العنصر الأبرز الذي يقوم معظم المسؤولين التنفيذيين بتغييره في الصفقات التي يتم إبرامها. وصحيح أن التخطيط لإدارة عمليات الاندماج والاستحواذ ينبغي أن يتم بشكل مسبق، ولكن العثور على حلول سريعة وعالية الكفاءة للمشكلات ينطوي على أهمية كبيرة أيضاً. ومن هنا، فإنه يتعين علينا مواصلة قياس التقدم الحاصل ومقارنته مع الأهداف المحددة، والتعلم من أخطائنا. وينبغي أن نعلم بأن الأوان لم يفت لتحقيق النتائج المرجوة، ولكن يتعين علينا توخي الحرص والتحلي بالعزيمة لتحقيق النجاح.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج