رأي: فعاليات الأعمال والإرث المستدام

في الوقت الذي تتنافس فيه مختلف الوجهات حول العالم من أجل الفوز باستضافة فعاليات الأعمال، أصبح الإرث الذي تتمتّع به المدينة المستضيفة وقدرتها على وضع بصمة واضحة على هذه الصناعة أمراً ذا أهمية متزايدة بالنسبة للشركات الكبرى والمنظمات الدولية عند اتخاذ القرار باختيار وجهة ما لاستضافة فعالياتها.
رأي: فعاليات الأعمال والإرث المستدام
بقلم: عصام كاظم، المدير التنفيذي لمؤسسة دبي للتسويق السياحي والتجاري
بواسطة أريبيان بزنس
الأربعاء, 15 أغسطس , 2018

حظيت دبي على مدى السنوات الماضية بمكانة رفيعة كوجهة مثالية لاستضافة فعاليات الأعمال، وذلك بفضل رؤية قيادتها الرشيدة، والسجل الحافل الذي اشتهرت به مختلف الجهات من القطاعين العام والخاص بالإمارة في مستوى التنسيق والتعاون المثمر والبنّاء، حتى باتت دبي تشهد نمواً متسارعاً في هذا المجال. ويستضيف مركز دبي التجاري العالمي على مدار العام عدداً من الاجتماعات والمؤتمرات التي تستقطب الآلاف من الحضور، فضلاً عن أنه يوفّر  خيارات عديدة لعقد الاجتماعات واللقاءات، وبهذا استطاعت دبي أن تلفت إليها الأنظار، وتحوز إعجاب المؤسسات والهيئات من جميع أنحاء العالم. وأثبتت مع مرور السنوات نجاحها في استضافة أبرز الفعاليات، لتصبح بذلك مساهماً قوياً في نمو قطاع فعاليات الأعمال الذي يشكّل محفزاً لاقتصاد الإمارة.

غير أنه في وقت يشتدّ فيه التنافس بين دبي ونظيراتها من مدن العالم لاستضافة هذه الفعاليات، والتي هي بدورها تمتلك كذلك مقوّمات كبيرة مثل المطارات الحديثة، والقاعات الفسيحة، بالإضافة إلى محفظة فنادق متنوعة، فإنّ قدرة أي مدينة على استدامة إرث الفعاليات بعد إسدال الستار عليها يعد من الجوانب التي تزيد رصيدها عند التقدّم بعرض لاستضافة فعالية ما. وإننا في "فعاليات دبي للأعمال"، مكتب جذب الفعاليات والمؤتمرات في دبي والتابع لـ "دبي للسياحة"، نولي هذه المسألة أهمية خاصة وجوهرية عند الحديث عن الإمارة كوجهة متميزة لاستضافة مثل هذه الفعاليات والمؤتمرات.

وإنّ إحدى أبرز الوسائل التي يتم من خلالها تسليط الضوء على إمكانية تحقيق دبي لأثر يمتد طويلاً وإرثاً دائماً، هو ربط المنظمات والجمعيات الدولية بنظيراتها أو فروعها المتواجدة في المدينة من خلال إقامة فعالياتها المتخصصة، وهو ما يساهم في إنجاح تلك الفعاليات بشكل أساسي، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات بينها. ويتمتع فريق العمل في مكتب فعاليات دبي للأعمال بخبرة كبيرة، تمكّنه من تقديم الاستشارات المناسبة فيما يتعلق باستضافة الفعاليات ذات التأثير الإيجابي المستمر التي تناسب احتياجات كلٍ من الجمعيات الدولية والمحلية. وتتنوع هذه الفعاليات بين مبادرات تعليمية وأخرى لمعالجة قضايا عامة، إلى فعاليات مجتمعية، علاوة على العمل من أجل زيادة عدد الأعضاء في المنطقة.

إنّ أحد أبرز الأسباب التي تدفع هذه الجمعيات لاستضافة فعالياتها في دبي هو آفاق النمو والتوسع الذي تحققه على الصعيد المهني في دبي بشكل خاص، ودولة الإمارات العربية المتحدة بشكل عام، والمنطقة على نطاق أوسع. ويضطلع مركز دبي للهيئات الاقتصادية والمهنية، وهو مبادرة مشتركة بين كلٍ من دائرة السياحة والتسويق التجاري بدبي وغرفة تجارة وصناعة دبي ومركز دبي التجاري العالمي، بدورٍ مهم في هذا الصدد. فالمركز يوفر مجالاً للهيئات والجمعيات الدولية لإنشاء فروع لها داخل الدولة، ومنصة مثالية للتوسع ضمن قطاعات على امتداد منطقة الشرق الأوسط والعالم. وتتجلّى أهمية هذا الدور المحوري في الوقت الذي تمضي فيه الإمارات بمسيرتها نحو بناء اقتصاد معرفي متنوع.  

وتتوالى الإنجازات الناجحة التي تحققها دبي، فمنذ أن كانت بلدة صغيرة الحجم تطل على ساحل الخليج العربي، تطوّرت بشكل سريع ومذهل لتصبح اليوم مدينة عالمية تتبوأ مكانة مرموقة على الساحة العالمية. فقد شكّلت هذه المسيرة أساساً راسخاً على الصعيدين الثقافي والفكري تمضي خلاله على مدار عقود.

وتتجلّى أهمية الاستراتيجية الوطنية للابتكار التي أطلقتها حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2014 في كونها عاملاً أساسياً يعزز هذه المسيرة الناجحة التي تمضي فيها دبي، إذ تقوم الاستراتيجية على تحفيز الابتكار في سبعة قطاعات وطنية رئيسية، هي الطاقة المتجددة، والنقل، والصحة، والتعليم، والتكنولوجيا، والمياه، والفضاء. وتدعم الاستراتيجية جهود دبي لاستقطاب الفعاليات التي تغطي هذه القطاعات السبعة، وذلك من خلال توفير إطار تعاوني بأهداف محددة.

ولا شكّ أن علوم الفضاء والاستكشاف، التي تعد أحد القطاعات السبعة للاستراتيجية الوطنية للابتكار، تشكّل مجالاً واعداً من حيث القدرات التي تحظى بها في فتح آفاق متنوعة بشكل متواصل، حيث فاز العرض الذي تقدّمت به دبي لاستضافة الدورة الـ 71 للمؤتمر الدولي للفضاء المقرر انعقادها في عام 2020. ويجمع المؤتمر 5 آلاف خبير ومتخصص في علوم الفضاء، وذلك قبل إطلاق دولة الإمارات العربية المتحدة "مسبار الأمل" إلى كوكب المريخ، والذي يعد أول مشروع لاستكشاف الكوكب الأحمر، حيث ستسلط هذه الدورة من المؤتمر الضوء على تعزيز التعاون الاستراتيجي المشترك، والدعم الحكومي الذي يعد من الركائز الأساسية لانتعاش مجال فعاليات الأعمال. كما تغطي الاستراتيجية قطاعاً محورياً آخر، وهو التكنولوجيا، والتي تعد داعماً لأبرز الفعاليات التي تحتضنها دبي، وهو معرض "جيتكس"، أحد أشهر المعارض السنوية على مستوى العالم والذي يستقطب 150 ألف زائر سنوياً. 

وبفضل الدعم والتعاون الفعّال الذي تحظى به فعاليات الأعمال على أعلى المستويات من جانب الجهات المعنية في الإمارة، فقد بات واضحاً الثمار التي تجنيها الجمعيات والمؤسسات الدولية من تنظيم هذه الفعاليات في دبي. فقد وفّرت الإمارة واحدة من أرقى البنى التحتية والمرافق المتطورة على مستوى العالم، وعلى رأسها مركز دبي التجاري العالمي الذي يستقبل 3 ملايين زائر سنوياً، لتكون الوجهة الأمثل التي تحتضن فعاليات عالمية الطراز. وبالإضافة إلى هذه الإمكانيات والمقوّمات المتميزة، تحظى الجمعيات والفعاليات الدولية بدعم واسع النطاق من البرامج والمبادرات في دبي، بما في ذلك الاستفادة من شبكة عالمية تضم نخبة من الخبراء. وبالمثل، تحظى دبي بسُمعة عالمية كمركز عالمي للمعرفة من خلال إتاحة الفرصة أمام المشاركين في الفعاليات الدولية للاستفادة من الجمعيات والمؤسسات المرموقة التي تتخذ من الإمارات مقراً لها، سواء من القطاع الطبي أو حتى صناعة الفضاء.

كذلك، فإنّ تطوّر برنامج السفير الذي أطلقه "مكتب فعاليات دبي للأعمال"، ويضم شبكة مكوّنة من 300 خبير بارز في دولة الإمارات العربية المتحدة، يعد دليلاً على إمكانيات المدينة لاستقطاب فعاليات الأعمال الرئيسية، وتعزيز القطاعات التي يمثلها الأعضاء في البرنامج. وتواصل دبي ارتقاء مكانة متميزة على الساحة العالمية، بفضل هذه الفعاليات والتبادل المعرفي بين المشاركين بها.

ولعل أبرز نموذج على فعاليات الأعمال التي أصبحت تحمل إرثاً متواصلاً الدورة الـ 59 من المؤتمر والمعرض العالمي للجمعية الدولية للنقل العام، التي استضافتها دبي في عام 2011. فقد جاء توقيت الفوز بهذا الحدث وانعقاده في مرحلة شهدت خلالها الإمارة طفرة هائلة في البنية التحتية للنقل. ونتيجة للنجاح الذي حققته هذه الدورة من المؤتمر، فقد تم إطلاق دورة إقليمية تُعقد كل عامين، بعنوان "مؤتمر ومعرض الشرق الأوسط للجمعية الدولية للنقل العام"، والذي يعد حدثاً حيوياً لتبادل الآراء، وإثرائه بالمناقشات الهادفة، والتوعية، والابتكار في مجال النقل. كما قامت الجمعية الدولية للنقل العام بإقامة مقر دائم لها في دبي، كمكتب إقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو مسجّل لدى مركز دبي للهيئات الاقتصادية والمهنية. 

إنّ إعادة الاستفادة من إرث الحدث كانت واحدة من الجوانب التي تم أخذها بالاعتبار ونحن نتطلع إلى الفوز باستضافة دبي لمعرض "اكسبو 2020"، باعتباره أول "اكسبو عالمي" تستضيفه مدينة من منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا. وبينما تمضي الاستعدادات على قدم وساق لاستضافة المعرض، تشهد دبي حراكاً من شأنه تغيير معالم المدينة وبناء إرث متميز ذي أثر اقتصادي في قطاعي السياحة والأعمال، ولا يدّخر القائمون على تنظيم "اكسبو 2020" جهداً في التحضير للحدث من خلال التركيز على تحقيق أثر هائل ومستدام، ليس فقط بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة فحسب، بل والمنطقة والعالم بشكل أوسع. وفي الوقت الذي ستستمر مرافق استضافة "اكسبو 2020" بعد إسدال الستار على الحدث من خلال نقلها إلى منطقة "دستركت 2020"، فإن هناك أيضاً جُملة من الآثار الاقتصادية والاجتماعية والدعائية.   

لقد بات واضحاً أن نجاح دبي يعد بمثابة مسيرة مستمرة،  تمكّنت الإمارة خلالها من استثمار هذا الزخم في مختلف القطاعات على المدى البعيد، وذلك من خلال اتباع نهج التنوع والاستدامة. وخلال "إكسبو 2020" وما بعده، سوف تواصل المدينة المضي بخطى واثقة نحو التكيف مع المتغيرات والتوجهات العالمية.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج