قانون التحكيم في الإمارات.. نقلة نوعية في مجال الاستثمار

يبرهن قانون التحكيم الإماراتي الجديد على التزام دولة الإمارات الراسخ بالسعي نحو التحول إلى مركز عالمي متميّز لتسوية المنازعات في منطقة الشرق الأوسط. ويسلط مكتب ’وينستون آند ستراون‘ للمحاماة الضوء على التأثيرات العملية لأبرز النقاط العملية في القانون.
قانون التحكيم في الإمارات.. نقلة نوعية في مجال الاستثمار
بقلم: بن بروتون، محامي شريك ورئيس قسم التحقيقات وتسوية المنازعات، ’وينستون آند ستراون‘
بواسطة أريبيان بزنس
الأربعاء, 15 أغسطس , 2018

من شان اعتماد قانون تحكيم عصري، والذي يعكس بشكل عام أفضل الممارسات التشريعية المعتمدة حول العالم، أن يسهم في ضمان تحقيق أعلى مستويات الثقة الاستثمارية في دولة الإمارات.

بعد طول انتظار في الأوساط القانونية ومجتمع الأعمال في دولة الإمارات العربية المتحدة، أصدرت الحكومة الإماراتية بتاريخ 3 مايو 2018 القانون الاتحادي رقم 6 لعام 2018 في شأن التحكيم (القانون الجديد). وينطوي القانون الجديد على تغييرات بالغة الأهمية بالنسبة لمستخدمي خدمات تسوية المنازعات في دولة الإمارات، ما يشكل بحد ذاته تطوراً مهماً لا بد من العمل بموجبه من قبل منظّمي العقود عند وضع بنود تسوية المنازعات. وانطلاقاً من ذلك، فقد قمنا بإعداد هذه المقالة والتي تسلط الضوء على ما يلي:

1) عرض موجز للدور المهم الذي يلعبه التحكيم بالنسبة للشركات العالمية التي تعمل انطلاقاً من دولة الإمارات؛
2) عرض موجز حول بعض أبرز الأحكام الواردة في القانون الجديد، والأسباب التي دفعت الشركات العالمية إلى الترحيب بالإعلان عن القانون الجديد؛
3) الانعكاسات الإيجابية للقانون الجديد على عمليات التحكيم المتعلقة بتمويل الطرف الثالث لإجراءات التحكيم في الدولة؛
4) التأثيرات المتوقعة للقانون الجديد على حضور دولة الإمارات كمركز عالمي متقدم في مجال التحكيم.

الأسباب التي تعزز أهمية التحكيم في دولة الإمارات
يحافظ التحكيم على مكانته كوسيلة مفضلة في حل المنازعات بالنسبة إلى العديد من الشركات المتعددة الجنسيات والتي تعمل في مختلف أنحاء العالم، وبديلاً تجارياً مهماً للنظام القضائي. وتتمثل إحدى المزايا الرئيسية للتحكيم بالمقارنة مع الدعاوى القضائية في السهولة النسبية لتنفيذ قرارات التحكيم حول العالم بالمقارنة مع الأحكام القضائية المحلية. وتمت إتاحة هذه الميزة للمرة الأولى من خلال الاعتماد الواسع النطاق لـ "اتفاقية نيويورك" التي وافقت عليها 159 دولة، واحترام بنودها ومضمونها من قبل غالبية الدول الموقعة عبر تمكين إنفاذ قرارات التحكيم الأجنبية على أراضيها، ما يعود بالكثير من المنافع من حيث تشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة. كما توفر عمليات التحكيم مستويات أعلى من السرية والمرونة بالمقارنة مع الإجراءات القضائية. وتتيح للأطراف حرية اختيار القواعد الإجرائية المطبقة لحل المنازعات، ومؤهلات وجنسيات المحكّمين، ولغة ومكان وسرعة إجراءات التحكيم. ومن خلال الاستثمار الاستراتيجي على مر الأعوام الماضية في مجالات الخدمات اللوجستية، والنقل، والمناطق الحرة، والبنية التحتية الاجتماعية؛ نجحت دولة الإمارات في ترسيخ مكانتها كمركز للشركات المتعددة الجنسيات التي تعمل في منطقة الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك، أصبحت الدولة بمثابة مقر إقليمي بالنسبة للعديد من الشركات العالمية الكبرى، وذلك بفضل موقعها الذي يتيح للشركات الانتشار على مساحات جغرافية أوسع نطاقاً تغطي منطقة الشرق الأوسط، وأفريقيا، وشبه القارة الهندية، وأوروبا الشرقية وغيرها. ومن شان اعتماد قانون تحكيم عصري، والذي يعكس بشكل عام أفضل الممارسات التشريعية المعتمدة حول العالم، أن يسهم في ضمان تحقيق أعلى مستويات الثقة الاستثمارية في دولة الإمارات. ورغم النهج الداعم الذي تعتمده المحاكم تجاه عمليات التحكيم، إلا أن أحد الانتقادات الموجهة إلى دولة الإمارات كمركز تحكيمي كانت تتمثل في انعدام اليقين حول نتائج تلك العمليات، ولا سيما فيما يتعلق بإنفاذ قرارات التحكيم حيث كانت هذه القرارات عرضة لطلبات الإلغاء نتيجة للمسائل الإجرائية. ومن هنا، فإن القانون الجديد - الذي يزود السلطة القضائية في دولة الإمارات بتوجيهات واضحة حول قابلية الإنفاذ وأسباب الطعن - ينبغي أن يفضي إلى زيادة اليقين حول نتائج قرارات التحكيم، ما يمثل بدوره إحدى الجوانب المنشودة في جميع عمليات تسوية المنازعات.

القانون الجديد - عرض موجز حول أبرز أحكامه وتأثيراته
تاريخ التشريع
يدخل القانون الجديد حيز التنفيذ بعد 30 يوماً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية. وحتى موعد إعداد هذه المقالة، لم يتم نشر القانون الجديد ولكن من المتوقع أن يتم نشره خلال وقت قريب. وبالرغم من ذلك، سيكون للقانون الجديد - بمجرد تطبيقه - أثر رجعي على عمليات التحكيم الجارية، ولذلك فمن الضروري بالنسبة لمستخدمي عمليات التحكيم بلورة فهم واضح حول تأثيراته في أقرب وقت ممكن. ويستند القانون الجديد بشكل كبير إلى قانون "الأونيسترال" النموزجي للتحكيم التجاري الدولي، وهو يلغي ويحل محل نظام التحكيم السابق والمشمول في المواد من 203 إلى 218 من قانون الإجراءات المدنية الاتحادي (القانون الاتحادي رقم 11 للعام 1992) (القانون القديم)، وجميع القوانين الأخرى التي تتعارض مع أحكام القانون الجديد.
قابلية التطبيق
عند دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، فسيتم تطبيقه في الحالات الثلاث التالية: (1) أي عملية تحكيم تتم داخل دولة الإمارات العربية المتحدة (ما لم يتفق الأطراف خلاف ذلك أو كان ذلك يخالف النظام العام  أو الآداب العامة)؛ (2) أي عملية تحكيم تتم خارج دولة الإمارات في حال اتفق الأطراف على تسوية المنازعات استناداً إلى القانون الجديد؛ (3) أي علاقة تحكيم تنشأ عن علاقة قانونية يتم تنظيمها بموجب قوانين دولة الإمارات (باستثناء ما يرد في الأحكام الخاصة).


منافع عمليات التحكيم بالنسبة للمستخدمين
موثوقية وكفاءة الإجراءات: يرتقي القانون الجديد بمستوى كفاءة عمليات التحكيم، مما يجعله أقل عرضة للمنهجيات المصممة خصيصاً للتسبب بالتأخير. فعلى سبيل المثال، يمكن مواصلة إجراءات التحكيم رغم تقديم طلب إلى المحكمة لاتخاذ تدابير مؤقتة أو طلب للطعن في تعيين أحد المحكّمين.
كما يتيح القانون الجديد إمكانية عقد الاجتماعات وجلسات الاستماع خارج نطاق المقرات القانونية، وهي لا تشترط توقيع القرار التحكيمي ضمن تلك المقرات. وستؤدي هذه النقطة الأخيرة تحديداً إلى خفض التكاليف وتعزيز فاعلية الإجراءات إلى حد كبير، حيث لن يتعين على المحكمين بعد الآن السفر إلى دولة الإمارات للتوقيع على القرارات التحكيمية الصادرة في البلاد.
وكانت إحدى قضايا التحكيم في دولة الإمارات قد لاقت الكثير من الاهتمام وهي قرار محكمة النقض لعام 2005 والتي تتعلق بدعوى شركة ’بكتل‘ العالمية المحدودة ضد "هيئة أبوظبي للطيران". ففي هذه القضية، قامت المحكمة بإلغاء إحدى قراراتها استناداً إلى أن المحكّم لم يؤدّ اليمين وفقاً لقانون الإجراءات المدنية الاتحادي (والذي ينص على وجوب أداء اليمين أمام الشهود وخلال جلسات الاستماع). ورغم التطوّر الكبير الذي طرأ على عمليات التحكيم في دولة الإمارات منذ تلك القضية (ولا سيما انضمام دولة الإمارات إلى "اتفاقية نيويورك" عام 2006)، فإن القانون الجديد يتيح للأطراف والمحاكم على حد سواء المرونة اللازمة للابتعاد عن طريقة أداء اليمين المحددة بموجب قانون الإجراءات المدنية الاتحادي. وبناءً عليه، أصبح بالإمكان تجنب الظروف المحددة التي أدت إلى تقديم الطعن في قضية شركة ’بكتل‘ من خلال القانون الجديد.
قابلية الفصل: تشكل قابلية فصل بنود التحكيم عن الاتفاقيات الأوسع نطاقاً والتي تنطبق عليها إحدى المبادئ الرئيسية التي تدعم نزاهة التحكيم. باعتباره أحد الوسائل الفاعلة في تسوية المنازعات. وبناءً عليه، فحتى إذا تم إلغاء الاتفاقيات الرئيسية ستبقى بنود التحكيم سارية المفعول. وبالرغم من إقرار المحاكم الإماراتية بهذا المبدأ سابقاً، إلا أنه سيصبح الآن مدوناً ضمن القانون الجديد.
الاختصاص: يتمثل أحد المبادئ الراسخة الأخرى للتحكيم في أن هيئة التحكيم تعتبر مخولة لاتخاذ القرارات المتعلقة باختصاصها، وأنه لا يتعين عليها تفويض عمليات اتخاذ القرار هذه (بالدرجة الأولى) إلى محاكم الدولة التي تجري فيها اجراءات التحكيم. وكذلك هو الأمر بالنسبة لقابلية الفصل، فسيتم تدوين هذا المبدأ ضمن القانون الجديد.
التدابير الاحترازية: يزود القانون الجديد المحكمة بإجراءات قوية تسهم في دعم عمليات التحكيم على أساس مؤقت. وتشمل هذه الإجراءات توفير قرارات تحكيم مؤقتة للحفاظ على الأدلة والأصول، إلى جانب الآليات التي تتيح للأطراف إمكانية إنفاذ وتطبيق هذه القرارات المؤقتة من خلال المحاكم.
الإنفاذ: لعل الجانب الأكثر أهمية من وجهة نظر المستخدمين (الذين يتطلعون إلى تحويل قرارات التحكيم التي حصلوا عليها إلى ربحٍ مادي) يتمثل في أن القانون الجديد يعزز قابلية إنفاذ القرارات التحكيمية التي يتم اتخاذها. وسيصبح بمقدور الدائنين الآن تخطي إجراءات المحكمة الابتدائية والشروع بإجراءات الإنفاذ بشكل مباشر أمام محكمة الاستئناف الاتحادية أو المحاكم المحلية. وسيتم منح محكمة الاستئناف بعدها مهلة تبلغ 60 يوماً من تاريخ تقديم الطلب للمصادقة على القرار والفصل في طلبات الاستئناف المقدمة. وبالمثل، سيتم منح الطرف المدين بموجب القرار التحكيمي مهلة تبلغ 30 يوماً للطعن في قابلية تنفيذ القرار أمام محكمة الاستئناف.

تمويل الطرف الثالث لإجراءات التحكيم في دولة الإمارات
يمكن تلخيص تمويل الطرف الثالث بالحالات التي يقوم طرف ثالث لا يكون طرف من أطراف النزاع بتقديم التمويل إلى أحد الأطراف المتخاصمة مقابل حصة من المبالغ المالية التي سيتم الحصول عليها بموجب المحكمة أو عمليات التحكيم. ويتم استخدام التمويلات التي يوفرها الطرف الثالث في تغطية النفقات القانونية للطرف الذي يتم تمويله. ويمكن أن تنص اتفاقية التمويل أيضاً على أنه في حال خسارة الطرف المتلقي للتمويل بنتيجة المحاكمة، سيقوم الطرف الممول بدفع التكاليف القانونية لعملية التحكيم إلى الطرف الرابح.
ويشكل تمويل الطرف الثالث أحد الأجزاء الأساسية لعمليات تسوية المنازعات لدى الكثير من السلطات القضائية حول العالم. وعند تقديم النصح إلى عملائها أثناء تسوية المنازعات، تقوم العديد من الشركات القانونية حالياً بإضافة خيار تمويل الطرف الثالث بطبيعة الحال.
وبالرغم من الحداثة النسبية لتمويل الطرف الثالث في دولة الإمارات بالمقارنة مع غيرها من الأسواق الأكثر نضجاً، وفي ضوء الأهمية الكبيرة التي تنطوي عليها الدولة كمركز إقليمي بارز؛ تستقطب البلاد اهتماماً واسعاً من جانب الشركات العاملة في قطاع تمويل الطرف الثالث، لا سيما وأن دولة الإمارات لا تضع قيوداً قانونية على تقديم وحماية الأموال التي يتم استخدامها في الدعاوى القضائية والتي تتوفر في محاكم القانون العام الأخرى حول العالم. ولاقى قطاع تمويل الطرف الثالث قبولاً واسعاً في الدولة عبر قيام محاكم مركز دبي المالي العالمي بإصدار التوجيه الإجرائي الثاني لعام 2017، والذي ينظم ويدعم عمليات تمويل الطرف الثالث في مركز دبي المالي العالمي.
ولعل أحد الأسباب التي تحول دون استفادة التحكيم في دولة الإمارات بالكامل من إمكانيات تمويل الطرف الثالث يعود إلى إدراك المخاطر التي ينطوي عليها وعدم القدرة على التنبؤ بنتائج المحاكمات. وبالنظر إلى الأسباب الواردة أعلاه، ومن خلال التخفيف من هذه المخاوف؛ سيسهم القانون الجديد على الأرجح في منح قطاع تمويل الطرف الثالث مزيداً من الدعم في السوق الإماراتي، وبالتالي تعزيز فرص الوصول إلى الأحكام العادلة بالنسبة للأطراف المدعية التي لم تتوفر لها سابقاً القدرة على مواصلة دعاوى الاستحقاق.
الخلاصة ومستقبل التحكيم في دولة الإمارات العربية المتحدة
حتى في ظل القانون القديم، الذي لم يتضمن الكثير من قواعد التحكيم المعتمدة عالمياً، فقد نجحت محاكم دولة الإمارات - رغم وجود بعض الاستثناءات القليلة - في تبني نهج تقدمي يوفر بيئة ملائمة لعمليات التحكيم. كما ساهم ظهور المناطق المالية الحرة في البلاد ( مثل مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي) في توفير دعم قوي لعمليات التحكيم في دولة الإمارات، حيث تقوم كل واحدة من تلك المناطق بسنّ نسختها الخاصة من القوانين المستندة إلى "قانون الأونيسترال" النموذجي باللغة الإنجليزية، وتتعاون كل منها بشكل منفصل مع أبرز هيئات التحكيم العالمية المرموقة ( مثل "محكمة التحكيم الدولية في لندن" و"غرفة التجارة الدولية" على التوالي).
أما على صعيد توفير البنى التحتية المادية ورأس المال البشري اللازم، تمتلك الكثير من الفنادق في الدولة حالياً مرافق رفيعة المستوى لعقد المؤتمرات والتي يتم استخدامها بشكل متنامٍ في جلسات الاستماع، ما أفسح المجال واسعاً أمام أوساط التحكيم في البلاد للوصول إلى مرحلة النضج، وأصبح الكثير من المحكّمين العالميين يزورون البلاد بشكل منتظم. وبالرغم من أن البيانات المتاحة حالياً لا توفر رؤية شاملة، إلا أن المصادر الموثوقة في السوق تشير إلى أن دولة الإمارات قد أصبحت بالفعل مركز تحكيم رفيع المستوى مع تسجيل حوالي 450-500 قضية تحكيم في في كل عام. وينبغي للقانون الجديد أن يضمن مواصلة تطوير عمليات التحكيم في دولة الإمارات، وبما يحافظ على مكانتها التنافسية في مواجهة نخبة من أرقى المراكز التحكيمية الأخرى حول العالم. كما ينبغي للدولة أن تلعب دوراً محورياً في استقطاب مزيد من الاستثمارات إلى السوق الإماراتية التي تعد إحدى أبرز الأسواق العالمية وأكثرها تأثيراً، فضلاً عن كونها واحدة من أكثر الاقتصادات العالمية تنوعاً على مستوى المنطقة.
تم إعداد هذه المقالة من قبل: بن بروتون، محامي شريك ورئيس قسم التحقيقات وتسوية المنازعات، ’وينستون آند ستراون‘، ونيك شارات، مستشار قانوني أعلى في قسم التحقيقات تسوية المنازعات، ’وينستون آند ستراون‘، ورنا سبعلي، مستشارة قانونية في قسم التحقيقات وتسوية المنازعات، ’وينستون آند ستراون‘. كما تم نشر هذه المقالة لأول مرة في مجلة "ذي اوث" (The Oath) ، الإصدار 75 ، يونيو 2018.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج

أخبار ذات صلة