رأي: أهمية إندماج المرأة في أماكن العمل

تجسد سياسات عدم التمييز الخطوة الأولى الأساسية في هذا المسار
رأي: أهمية إندماج المرأة في أماكن العمل
باتريس كابن، الرئيس التنفيذي لمجموعة تاليس
بواسطة أريبيان بزنس
الأربعاء, 11 يوليو , 2018

كشفت حملة "مي تو" ( metoo#) عن الحاجة العميقة والملحة للنساء للتعبير عن آرائهن بجرأة، وضرورة أن تلقى هذه الآراء آذاناً صاغية ضمن مجتمعاتنا المعاصرة التي ما تزال تشهد هيمنة ذكورية واسعة.

وتجسد هذه الحملة نداء صحوة واسع النطاق يدعو جميع الشركات والمؤسسات والمدراء والموظفين على حد سواء لإلقاء نظرة متعمقة حول موقفهم من هذا الموضوع، ويحثهم على تصحيح العديد من الممارسات الخاطئة التي لا تقتصر على ظاهرة التحرش وحسب، بل تتعداها لتشمل الفجوة في معدلات الأجور بين الجنسين وإمكانية وصول النساء إلى المناصب الإدارية العليا، إلى جانب ممارسات التحيّز الجنسي في الحياة اليومية. وبطبيعة الحال، فإننا في ’تاليس‘ لسنا بمنأى عن الالتزام بهذه الخطوات، لذا فقد وضعنا نصب أعيننا هدفاً يتمثل بمساعدة المزيد من النساء على الالتحاق بالمهن العلمية.

وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة التي تنطوي عليها هذه الأهداف، إلا أنها تبقى وحدها غير كافية بالشكل الأمثل، كونها تحتاج لحصول تغيير ثقافي عالمي أشمل يمثل في الانتقال من سياسات عدم التمييز المجردة إلى ممارسات تضمن الإندماج الفعلي للمرأة في شتى المجالات.
وتجسد سياسات عدم التمييز الخطوة الأولى الأساسية ضمن هذه المساعي. وتتميز هذه السياسات بالبساطة، إذ تنص على إلغاء التحيز ضد المرأة ضمن أماكن العمل، جنباً إلى جنب مع إلغاء مختلف أشكال الإقصاء الأخرى مثل التمييز العنصري وأنماط التمييز المختلفة الأخرى. وينبغي اتباع سياسيات عدم تسامح مطلقة تجاه الأفعال التي تصب ضمن خانات الممارسات المذكورة آنفاً. كما يجب على الجميع بذل أقصى الجهود باستمرار إن أردنا الوصول إلى بيئة عمل تضمن لجميع الناس الإحساس بالعدالة والمساواة.
وتتمثل الخطوة الثانية لسياسات عدم التمييز في اعتماد نهج التعدد والتنوع.

إذ ينبغي على الشركات أن تتمتع بقوى عاملة تتميز بالتعددية والتنوع -بشكل يحاكي المجتمع ككل- من حيث تنوع الجنس والعمر والعرق والخلفية الاجتماعية والعلمية والتوجهات الثقافية والدينية المختلفة، جنباً إلى جنب مع التنوع في المهارات والممارسات العملية وأساليب التواصل وغيرها.
ويجسد عدم التمييز والتنوع مسائل هامة ينبغي التعامل معها وإيجاد الحلول لها بالاقتران مع هدفٍ ثالث يتجلى في الإندماج، والذي يعني قدرة الشركات على تقدير كافة الإمكانات والاختلافات وتمكين الكل من الإسهام في مسيرة النجاح الجماعية. وبعبارة أخرى، ينبغي أن يشعر الجميع بقدرتهم أن يكونوا على طبيعتهم على الدوام.

وينطوي الإندماج على أهمية كبيرة من خلال تفادي ثلاثة من أهم العثرات الأساسية التي تتجلى في: التماثلية، وهي الفكرة القائلة بوجوب امتثال الجميع للثقافة السائدة، والجمع، والذي يعني أن المجموعات الفرعية المختلفة ستتعايش مع بعضها ولكن دون تحقيق الإندماج بشكل كامل، وأخيراً هناك التوجهات الإقصائية.

وبالطبع فإن هذه الأفكار تنطوي على كثير من المفاهيم الواسعة، فما هي العلاقة بين هذه المفاهيم ودور المرأة في مكان العمل؟

ينبغي في البداية الابتعاد عن محاولات الامتثال التي تتعرض لها المرأة، والتي تفرض عليها الإحساس بضرورة اتباع المفاهيم الذكورية السائدة بغرض الحصول على القبول كأقران في مكان العمل. وتنطوي عبارة "التصرف كالرجال" على كثير من اللغط، إذ أنها لا تعني بأن الرجال يتمتعون بقوة أكبر ويميلون للتحكم بمشاعرهم بشكل أفضل أو أنهم يشكلون قادة أكثر كفاءة، بل على العكس من ذلك، إذ تشير إلى حد ما إلى ضرورة اتباع الجميع لأسلوب العمل الذكوري بغرض تحقيق النجاح -وهي فكرة نمطية تستثني النساء وحتى الذكور غير المتوافقين مع تلك القاعدة المسبقة.
لذا فمن الضروري التخلص من محاولات الامتثال والوصول إلى الإندماج الحقيقي الكامل، وهو الأمر الذي يمكن الوصول له عند صرف النظر عن مسألة الجنس، والتوقف عن اعتبارها قالباً يتم التقييم على أساسه، وكذلك عند تمكن الجميع من الحصول على الإجازات الوالدية والوصول إلى التوازن الأمثل بين العمل وحياتهم الخاصة، وينطبق ذلك على النساء والرجال على حد سواء. وبالنتيجة، ينبغي افتتاح المزيد من منشآت الرعاية النهارية، وتجنب إقامة الاجتماعات في أوقات متأخرة من اليوم، وعدم مطالبة العاملين بضرورة التوافر في جمع الأوقات، فضلاً عن عدم إرغام النساء على الشعور بضرورة تبرير عدد أطفالهن الحالي أو الإفصاح عن عدد الأطفال الذي يرغبن بإنجابهم في المستقبل خلال مقابلات العمل أو التوظيف.
وبشكل عام، فإن ما يصح على مسألة المساواة بين الجنسين يصح على مختلف أشكال التنوع، حيث تتلخص الفكرة في عدم العمل على تقسيم الناس إلى فئات أو اختزالهم إلى مكون واحد، بل على العكس من ذلك، الترحيب بجميع الاختلافات والحرص على إيجاد التوازن الأمثل بين ميزات كل فرد بغرض إنشاء شعور بالانتماء والالتزام تجاه أهداف وقيم عامة.


وانطلاقاً من توليّ لمنصب المدير التنفيذي، أعتقد بأن التنوع والإندماج يشكلان محفزين رئيسيين للابتكار والأداء الرائد. وتتمثل أولى النواحي الفعلية لهذا التوجه في تمكين الموظفين من أن يكونوا على طبيعتهم وتقديرهم واحترامهم بالشكل الأمثل، بما يسهم في الوصول إلى موظفين ملتزمين بشكل كامل. بينما تتجلى النقطة الثانية في كون الشركات غير المعتمدة لثقافة التنوع والإندماج قد تكون عرضة لخسارة أفضل مواهبها لصالح الشركات الأخرى. أما الناحية الثالثة، فتتجسد بكون تمكين الناس من عرض آرائهم الفريدة النابعة من خلفياتهم الثقافية أو التعليمية أو العملية المختلفة يمثل الطريقة الوحيدة لتجاوز التحيز المعرفي ولإتاحة المجال للتفكير المبتكر غير التقليدي، فضلاً عن إسهامه في القدرة على توقع التوجهات المستقبلية وتحقيق الابتكار. وتنطوي هذه النواحي على أهمية كبيرة لكافة الشركات الراغبة في الحفاظ على تفوقها وريادتها.
إلا أنه وللوصول إلى هذه الأهداف، ينبغي معالجة مسألة الإندماج بشكل مباشر وفق نهج يحتضن ويشمل كافة الموظفين دون استثناء.
وينبغي مشاركة الجميع إن أردنا تحقيق أثر إيجابي حقيقي على مستويات أدائنا العالمي.

والفكرة الأهم -التي ستبقى راسخة في ذهني من حملة (metoo#)- أننا نحتاج للقدرة على التحدث بشأن هذه المشاكل بشكل حر وبدون أية عوائق أو محظورات. ويجب أن نحرص على معرفة الجميع - نساءً ورجالاً- بأن مشاكلهم ستلقى آذاناً صاغية، وأن ممارسات التحرش والتفرقة بين الجنسين سيتم التعامل معها على أكمل وجه. وإن أردنا حقاً أن نحدث تغييراً ملموساً، فينبغي أن نضمن الاستماع لمشكلات كافة الموظفين على اختلاف هوياتهم وخلفياتهم وضمن مختلف الظروف، وأن نؤكد على أهمية آرائهم وعلى قدرتهم على التصرف على طبيعتهم. وعندها فقط سنتمكن من إنشاء بيئة عمل تضمن إدماج الجميع بشكل فعال ومتكامل.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج