جنيف من الطابق 18

لطالما كان فندق إنتركونتيننتلل بمدينة جنيف السويسرية ملاذاً آمناً للنجوم الهاربين من أضواء الشهرة، ولقادة العالم، ما بين جولتين عنيفتين من المفاوضات. فموقعه على مرمى حجر من قصر الأمم: مقر الأمم المتحدة في أوروبا، جعله شاهداً على التاريخ لفترة تناهز الـ 50 عاماً. ولكي يستمر دور الفندق في قلب عالم اليوم، ولكي يتمكن من الاحتفاظ بقدرته على اجتذاب العظماء، يسعى مديره العام يورجن بومهوف إلى تحديثه وتطويره باستمرار، ولكن دون التفريط في ماضيه المجيد.
جنيف من الطابق 18
بواسطة Mohamed Elaassar
الأحد, 23 مارس , 2014

كان الطابق الثامن عشر والأخير، في المبنى دائما ما يخصص لأهم زائريه وأجمل أجنحته، لكن عالم الضيافة قد تغير مثل موازين القوى العالمية. وبعد أن كانت حجرات مجاورة في فندق سويسري عريق قمة الرفاهية، أصبح ذوو الثراء والنفوذ يتوقعون ما هو أكبر بكثير بعد أن اعتادوا المنتجعات الفارهة في آسيا والشرق الأوسط. المبنى الذي افتتح عام 1964 محمي بقوة القانون حيث يعتبر مبنى تراثي لا يسمح بتغيير مظهره الخارجي على الإطلاق. لذا كان يجب تعويض ذلك من الداخل في إطار إعادة تجديد الفندق بالكامل بتكلفة تصل إلى 110 مليون دولار.

وفي ذلك الإطار تم إعادة تخيل الطابق الثامن عشر بالكامل ليتحول إلى ما يسمى بالمسكن (The Residence). يقول بومهوف أن «الطابق الثامن عشر ليس أكبر جناح في العالم وليس فيلا مستقلة بذاتها كما يمكن أن تجد في منتجعات أخرى. المساحة حوالي 650 مترا مربعا ويمكن استئجارها بعدة طرق مختلفة حيث أن هناك 9 غرف يمكن إلحاقها بها. لقد ركزنا على أن يشعر قاطنو 'المسكن' بأنهم في بيتهم الخاص وليسوا في فندق. كل شيء فيه يدور حول الخصوصية والحصرية والتفرد. فهذا ما يبحث عنه هذا النوع من العملاء عندما يسافرون مع عائلاتهم على سبيل المثال».

عبقرية المكان... والزمان
يمنح «المسكن» بعد إعادة تجهيزه من قبل المصمم البريطاني توني تشي رؤية لا تقارن بزاوية 360 على مدينة جنيف. يرى قاطنوه المدينة وبحيرتها الفاتنة من جهة وسلسلتي جبال الألب والجورا من الجهات الأخرى. ويعتبر الفندق من معالم المدينة حتى أن محطة الحافلات أمامه سميت على اسمه. وفي مدينة مثل جنيف ليس من الغريب رؤية مسئولين دوليين أو أباطرة الصناعة والمال يستقلون الحافلة. لذا تعطي فنادق المدينة الفاخرة حق استخدام شبكة النقل العام مجانيا لنزلائها.

ويقع الفندق عبر الشارع من بيت الأمم المتحدة في جنيف، مما جعله محطة أساسية للدبلوماسيين والسياسيين من جميع أنحاء العالم. وليس بمنأى عن بحيرة جنيف لكن يجب على النزيل أن يسير لمدة 15 دقيقة عبر حديقة النباتات النادرة لبلوغها. يجعلك هذا المحيط، تأمل أن قادة العالم سينتهزون فرصة تلك النزهة المثالية للتأمل قبل تقرير مصير الشعوب في مفاوضاتهم.

ففي غرف الاجتماعات التي تحتل مساحة كبيرة من الفندق تصل إلى 2000 متر مربع كتبت وتكتب صفحات عديدة من التاريخ الحديث. فقد شهدت على سبيل المثال المفاوضات بين الرئيس السوري حافظ الأسد ورئيس الولايات المتحدة جيمي كارتر عام 1977. كما أقيمت فيها القمة التاريخية بين ميخائيل غورباتشوف ورونالد ريغان عام 1985 وكانت بداية توقف التصعيد في الحرب الباردة بين الإتحاد السوفييتي آنذاك والولايات المتحدة الأمريكية. ومؤخرا صنعت أروقة الفندق التاريخ مجددا حيث تم فيها الاتفاق بين وزير الخارجية الإيراني ووزراء خارجية كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا على تجميد البرنامج النووي الإيراني مقابل تقليص العقوبات الاقتصادية.

يقول بومهوف أنه «من المدهش أن يتم اتفاق كهذا في فندقك الساعة الثالثة صباحا. كنا محيطين بالاجتماع ونعتني بهم حتى توصلوا إلى هذا الاتفاق. أعتقد أن جنيف وحيادها التاريخي يساعد على ذلك. وعندما ترصد السياسة الدولية ستجد أن هناك نقاشات بناءة تجرى عندنا في جنيف أكثر من التي تجرى في المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك».

وبجانب دبلوماسيين الأمم المتحدة الذين يمثلون 40 % من نزلاء الفندق، يحبذ الكثير من القادة والسياسيين والحكام ونجوم الفن الإقامة فيه. أبرزهم على الإطلاق سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، والذي كان يحب أن يمضي شهور الصيف في أجنحة الطابق الثامن عشر بشكل سنوي. واستقبل الفندق 400 رئيس دولة منذ إنشاءه، كما استقبل أكثر من 4.000 وزير وشخصيات بارزة مثل أرنستو تشي غيفارا، ومارتن لوثر كينغ وفيديل كاسترو، وبيل وهيلاري كلينتون، وكوفي عنان، وروجر فيديرير، وراي تشارلز، وصوفيا لورين التي كانت تسكن هناك بالشهور.

خدمة نزلاء فوق العادة
يقول بومهوف أن «النزيل السياسي يختلف بقدر كبير عن السائح. فعندما يكون عليك خدمة نصف دستة من وزراء الخارجية، يجب أن تكون مرنا للغاية وبالغ الفاعلية في تنفيذ مطالبهم فوراً. فهم يريدون أن تلبي احتياجات متنوعة وفي أي وقت من الليل أو النهار لكي تمكنهم من التركيز والنجاح فيما يعملون عليه. أما السائح فيهمه أن يجد الخدمات ودرجات الراحة والرفاهية التي تناسب سعر الغرفة».

ومع تغيير الطابق الثامن عشر وتحويله إلى «المسكن»، سعى بومهوف إلى تغيير نوع الخدمة على التوازي. يقول أن «الخدمة الآن تناسب الشكل الجديد، وليست محافظة ومتحجرة. فريق خدمة النزلاء في الطابق 18 منفصل ومختلف. ويتم اختيار طاقم الضيافة بحسب لغة النزيل. والمسكن له مطابخ منفصلة لا يوجد فيها قائمة طعام وإنما تقدم كل ما يشتهيه النزيل في أي وقت. كما يمكن له إحضار طاهيه الخاص. والركن الخاص بالمشروبات يتم تغييره بالكامل ليكون من عصائر الفواكه المتنوعة مثلا أو من الشوكولا أو ما يفضله النزيل».

فبعد البوابة الكبيرة يتكون «المسكن» من جناح شرقي وجناح غربي وغرفتين كبيرتين بالإضافة إلى 9 غرف أخرى أصغر و صالون كبير ومكتبة ومطبخ ومصعد خاص وركن مشروبات وغرفة طعام وغرفة استجمام وغرفة للملابس وساونا وغرفة للياقة البدنية. أما قوائم الطعام فهي بيضاء تماما خالية ليتمكن النزيل من كتابة ما يريد أن يكتبه. ولا يأتي ذلك بأزهد الأسعار حيث يبلغ السعر المتوسط لليلة بين 40 و50 ألف دولار.

لكن ما يهدف إليه بومهوف هو أن يكون للمسكن نزلاءه الأوفياء الذين لا يرتاحون في غيره. يقول بومهوف: «ليس هذا أغلى جناح في سويسرا أو في العالم، لكنه يعطي النزيل تجربة شخصية جدا وراحة فائقة. ويتأقلم على أسلوب حياته. كل حجز يمر عبري أنا شخصيا ورئيسي الأعلى. ويمكنني استضافة النزيل بـ 6 طرق مختلفة حسب أي غرف يتم فتحها على الجناح الرئيسي. ولا يهم فترة الزيارة سواء طويلة أو قصيرة. المهم أن يكون هناك نزلاء يعتبرونه بيتهم الثاني حين يزورون سويسرا».


مرآة المدينة
وكعادته، يعكس الفندق حياة المدينة. فهو يمر بذات التحولات التي تمر بها. فمنذ تغير القوانين الضريبية بين سويسرا والولايات المتحدة وأوروبا، لم تعد المدينة ملاذا لرؤوس الأموال ومحطة رئيسية للمصرفيين العالميين الذين اتجهوا شرقا. ويعترف بومهوف بذلك قائلا أن «العميل المصرفي تغير تماما سواء في الكم أو الممارسات. والمدينة نفسها تعيد توجيه طبيعتها واختراع نفسها. التركيز الآن على السياحة والمؤتمرات وصناعة الساعات والمجوهرات. وطبيعة النزلاء تغيرت كثيرا، فلم يعد النزيل الأوروبي بنفس الأهمية التي كان بها في الماضي. ونحن في فندقنا لدينا تركيز على نزلاء الشرق الأوسط منذ عقود طويلة، كما ارتفعت نسبة النزلاء من الصين وروسيا ودول أمريكا اللاتينية. ونلاحظ توجه إلى عودة عدد المسافرين الأمريكيين إلى الارتفاع».

يصف بومهوف تتابع النزلاء كالآتي: «كان لدينا أعضاء المعارضة السورية يجرون مشاورات، ثم انشغلنا بمعرض جنيف العالمي للساعات، ثم بمعرض جنيف الدولي للسيارات، وبعد انتهائه سيعود السياسيين». وهو يعول كثيرا على صناعة الساعات التي حملت شهرة سويسرا عالميا، فيقول: «الشخص الذي يشتري ساعة قيمتها أكثر من 100,000 دولار يريد أن يأتي ويتعرف على مكان نشأتها ويزور الورشة حيث عكف أمهر صانعي العالم على تجميعها قطعة بقطعة. أعتقد أن هذا النوع من الزائرين سيستمر في التوافد علينا بلا انقطاع».

كما أن خصوصية جنيف التي تلاصق الحدود الفرنسية حمت الفندق من التأثر بالاستفتاء الأخير الذي صوت فيه السويسريون لصالح تحديد عدد الأجانب من مختلف دول الاتحاد الأوروبي الذين يقيمون في بلادهم للعمل. يوضح بومهوف أن «جنيف ملاصقة لفرنسا حيث نجد عددا كبيرا من العاملين المؤهلين. ومعظم النشاط في المدينة قائم عليهم، لذا لا يمكن تخيل الاستغناء عنهم. وكان معظم ناخبي مقاطعة جنيف ضد تقييد العمالة الأجنبية. لكن لحسن الحظ بسبب الارتباط الجغرافي، فإن معظم العمالة تسكن على الجانب الفرنسي وتأتي إلى جنيف للعمل أثناء ساعات النهار. لذا لم نتأثر كثيرا بذلك القانون الجديد».

وهكذا يمضي فندق إنتركونتينتال جنيف، حيث يتوازى تطوره مع تطور المدينة. ويرجو مديره العام يورجن بومهوف أن تسطر فيه صفحات التاريخ القادمة أيضا، وسيكون من في الطابق الثامن عشر من يسطرها على الأرجح.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج

أخبار ذات صلة