لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Thu 13 Oct 2011 11:17 PM

حجم الخط

- Aa +

كشف مصنع لحوم في مصر ينتج لانشون يحتوي مواد مسرطِنة ومستمر في البيع

كشف تقرير استقصائي حديث أن أحد أشهر مصانع اللحوم في مصر ينتج "لانشون" سعره في متناول اليد ويقبل عليه الأغنياء والفقراء ولكنه يحتوي على مواد مسرطنة خطرة على صحة الإنسان ومع ذلك لا يزال يباع في الأسواق المصرية ويقبل عليه الفقراء والأغنياء.

كشف مصنع لحوم في مصر ينتج لانشون يحتوي مواد مسرطِنة ومستمر في البيع

كشف تقرير استقصائي حديث أن أحد أشهر مصانع اللحوم في مصر ينتج "لانشون" سعره في متناول اليد ويقبل عليه الأغنياء والفقراء ولكنه يحتوي على مواد مسرطنة خطرة على صحة الإنسان.

 

وأعد التقرير موقع "أريج" التابع لشبكة "إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية"؛ وهي شبكة متخصصة في العالم العربي تعمل على تأهيل جيل من الصحافيين المحترفين والمشرفين في بعض الدول العربية. وانطلقت الشبكة في العاصمة الأردنية العام 2005، بتأسيس مكتب إقليمي يغطي سورية، لبنان والأردن. ثم توسعت تدريجياً صوب مصر فالبحرين، اليمن، فلسطين والعراق.

وهدف "أريج" الأسمى - وفقاً للموقع الرسمي الخاص بالشبكة (www.arij.net)،- مساعدة الإعلاميين، بمساندة خبرات عربية وأجنبية، على بناء ثقافة صحافة الاستقصاء المحترفة الممأسسة على سلوك مهني راق، قائم على الصدقية، الموضوعية، التوازن، الدقة الصارمة، بعيداً عن التخندق، والتحيز، الجهل واحتكار الصواب.

 

وبحسب التقرير – الذي استغرق إتمامه أشهر كاملة وأعدته كل من الصحافية مروى ياسين والصحافية نها البهنساوي - اثبت وبالأدلة تورط المعمل المصنع للانشون إلا أنه لا يزال يعمل لحد الآن ويطرح منتجاته إلى مختلف الأسواق المصرية.

 

وينشر موقع أريبيان بزنس التقرير كاملاً وفقاً لموقع "أريج دوت نت":

 

يوم جديد.. تستعد فيه "هاجر" ابنة السنوات العشر للذهاب إلى المدرسة. عقارب الساعة تشير للسابعة صباحاً، تحاول الأم أن ترسم على وجه الصغيرة ابتسامة قبل مغادرة المنزل، تمشط شعرها وتعقده بضفيرة صغيرة تلامس كتفها بالكاد. تتأكد أن كل شيء في موضعه، تعانق الابنة التي تسرع باتجاه الباب قبل أن توقفها الأم لتوافيها بكيس بلاستيكي صغير يحوى شطائر صغيرة تضعه في حقيبتها المدرسية وهي تطلب منها أن تتناول طعامها كله حتى تستطيع متابعة دروسها، والانتباه للشرح داخل الفصل، تبتسم "هاجر" وتلوح لوالدتها قبل أن تنطلق في طريقها.

 

في المدرسة تفتح "هاجر" كيس الشطائر وتلتهم ما فيه قبل أن تنتهي دقائق الفسحة، وما إن يدق الجرس معلناً بدء الحصص مرة أخرى حتى تشعر "هاجر" بآلام تهاجم معدتها، تنصحها زميلتها بالتوجه للعيادة المدرسية، لا تقوى على السير بمفردها فتعتمد على كتف زميلتها التي تحمل عنها عبء الحديث أمام الطبيبة "بطنها وجعاها أوي يا دكتورة وعايزة أي دوا".

 

تسأل الطبيبة "هاجر" في هدوء: "أكلتي إيه النهارده؟". بتلقائية شديدة ترد "هاجر": "ساندوتشات لانشون". تصف لها العلاج سريعاً "مسكنات للألم"، مع التنبيه على ضرورة إجراء تحاليل طبية حتى لا يتكرر الألم.

 

"هاجر" واحدة من عشرات التلاميذ بمدرسة المنيرة الابتدائية بالقاهرة الذين يطرقون باب العيادة الصحية بالمدرسة يومياً بحثاً عن علاج لآلام المعدة، وهو ما أكدته الدكتورة "سوزان قناوى" طبيبة المدرسة، فكما تقول: "شكاوى وجع المعدة كثيرة ومختلفة إلا أن غالبية الحالات المَرَضية تكون قد تناولت لانشون في طعامها". تناول اللانشون صار أمراً محظوراً بتعليمات الطبيبة لكل التلاميذ، غير أن حظر الطبيبة يذهب أدراج الرياح، إذ إن رخص سعر اللانشون وسهولة تحضيره يؤهلانه لأن يكون الأبرز في وجبات الإفطار بعيداً عن أي تحذيرات وهو ما أكدته والدة إحدى التلميذات، قبل أن تذيّل كلامها بسؤال عفوي: "هو اللانشون ده بيتعمل من إيه؟".

 

سؤال الأم كان محركنا للحصول على إجابة له. فقط سألنا أنفسنا بدورنا: "من أين نبدأ؟" جاءتنا الإجابة مدونة على عبوة لانشون حصلنا عليها من أحد منافذ البيع "مصنع (ص.ع) لإنتاج اللانشون"، أسفل العبارة كان العنوان مدوناً بوضوح، وكان الطريق للمصنع معروفاً. هناك سوف نحصل على إجابة لسؤال الأم، هناك سوف يمكننا التعرف على طريقة صناعة اللانشون، وآلية العمل، وإدارة المكان، والأسباب التي تجعل طبيبة المدرسة تحظر على التلاميذ تناوله، وكيفية تلافي تلك الأسباب، غير أن السؤال الذي طرح نفسه بقوة: "كيف ندخل المصنع؟".

 

لم يكن الدخول إلى أماكن تصنيع اللحوم بالمهمة السهلة على الإطلاق. فالمسؤولون والعمال لن يكشفوا عن المخالفات إن وجدت، كما أنهم لن يسمحوا لصحفيين بالتواجد في أماكن التصنيع إذا كان هناك ما يشوب تلك العملية من تجاوزات، السبيل الوحيد هو التخفي للعمل داخل المصنع حتى نتمكن من الرصد الدقيق لعملية التصنيع بالصوت والصورة، كانت المهمة شاقة للغاية، غير أن الهدف في النهاية هو المصلحة العامة، وعلى ذلك قررنا خوض المغامرة.

 

البداية كانت أمام المصنع الشهير، مراقبة دقيقة لمواعيد دخول وخروج العمال والعاملات، كيفية تحركهم، أشكالهم، تصرفاتهم، من أين يأتون، وإلى أين يذهبون. لم تمض سوى بضعة أيام حتى كان الطريق إلى المصنع مفتوحاً بالنسبة لنا كعاملات باليومية. وفى تمام الثامنة صباحاً كنا نقف أمام باب المصنع، في نفس اللحظة يصل للمكان أتوبيس خاص قادم من محافظة المنوفية، تهبط منه ما يقرب من 20 فتاة تتراوح أعمارهن بين 14 و23 عاماً، يتسلمهن مقاول الأنفار بمجرد وصولهن ليرشحهن لمسؤول العمل في المصنع للعمل باليومية، نندس وسطهن قبل أن نجد أنفسنا فجأة أمام المقاول الذي قلب عيونه فينا فلم يبد عليه أي ارتياب في هيئتنا، دقائق قليلة يشرح لنا فيها العمل الذي سنقوم به داخل المصنع، وبعد أن يتأكد من استيعابنا المهمة يسلمنا لمسؤول الأمن.

 

على مقعد خشبي صغير جلس الرجل الضخم وسط عدد كبير من العمال، راح كبار السن منهم يلبون احتياجات "الكبير" كما كانوا ينادونه، همس إليه أحدهم: "همه دول البنات الجديدة يا كبير". ركز بصره فينا بحدة قبل أن يسألنا باهتمام: "معاكوا بطايق؟"، جاء ردنا ممزوجاً بقلق ظاهر "أيوه معانا"، يدقق النظر في البطاقات الشخصية ويقول بسرعة: "إنتوا طلبة وعايزين تشتغلوا.. طب إزاى؟" نتحجج بظروف المعيشة الصعبة، فيظهر الاقتناع على وجهه وينهى الموضوع بمنح الموافقة فندخل على الفور.

 

لا يخلو الأمر من مشاعر متضاربة تنتابنا في تلك اللحظات التي ندخل فيها بأقدامنا إلى ذلك العالم المجهول، عما قليل سيبتلعنا المصنع بأسواره وأبوابه وآلاته ولا أحد يعلم عنا شيئاً، أسئلة كثيرة تجول بخاطرنا حول المصير الذي ينتظرنا لو حدث وتعرف أحد من العمال على هويتنا، إجابات كثيرة تطوف بخاطرنا، وساوس وظنون وسيناريوهات مرعبة ينسجها خيالنا، نحاول أن نطردها ونحن نتسلم مهام عملنا داخل مصنع اللانشون من مسؤول الأمن الذي يشير لنا بأصابعه إلى مكان تسلم العمل.

 

طابقان يفصلان بين غرفة الملابس ومكان تحضير اللانشون، والوصول إليها ليس صعباً فيمكن استخدام السلم أو مصعد نقل اللحوم المجمدة الذي يتقاسمه العمال مع "حلل العجين"، نقف في انتظار هبوط المصعد لكي نصل من خلاله إلى تلك الغرفة، لكنه لا يأتي فنضطر إلى الصعود على السلم الذي من خلاله نمر بشكل عابر على طابق صناعة البسطرمة الذي تختلط فيه رائحة الثوم برائحة العفن، فنمر بعد أن نحبس أنفاسنا خشية أن تظهر علينا علامات الاشمئزاز من تلك الرائحة، المفروض علينا أن نعتادها بسرعة حتى نتمكن من الاستمرار في العمل.

 

في الطابق الأول تختلط أصوات ماكينات الفرم الضخمة وآلات العجن برائحة عفنة - لا يمكن تحديد مصدرها - بدرجة يستحيل معها استنشاق هواء نقى في أرجاء المكان، فما بين رائحة مساحيق من النشاء والمواد الحافظة والألوان ونكهات الطعم وبين رائحة المواد العفنة يختفي الأكسجين النقي. تنقسم صالة العمل الكبرى إلى أربعة أماكن في الجانب الأيمن منها تتم أولى خطوات تكوين اللانشون، إذ تظل فتيات صغيرات السن وقليلات الخبرة يعملن في تفتيح أكياس المجمدات بأنواعها المختلفة.

 

سعيدات الحظ هن من يقفن على تفتيح أكياس الحواشي البقرية وهى المهمة التي كُلفنا بها طوال فترة عملنا، وقليلات الحظ من يطلب منهن تفتيح أكياس جلود الدجاج المجمدة، فالأخيرة ينبغي تفريغها على الأرض لتبدأ مرة أخرى في حمل كل الكميات التي تم تفتيحها ونقلها إلى ماكينات الفرم، المشهد لا يخلو من "كزلك" - حذاء بلاستيك برقبة طويلة - لفتاة في الخامسة عشرة من عمرها، وآخر لشاب في ربيعه الثاني يتجولان وسط أكوام جلود الدجاج الملقاة على الأرض والتي ينبغي نقلها إلى ماكينات الفرم مباشرة دون غسلها، أو وضعها في مكان بعيد عن حركة الأقدام التي كثيراً ما تخطئ طريقها فتدوس على الجلود مرتين أو ثلاث على الأقل.

 

بجهد يفوق حجمها مرتين، تدفع إحدى العاملات بيديها الصغيرتين "حلة" معدنية كبيرة ممتلئة بكميات الحواشي المجمدة وجلود الدجاج، تقترب نحو ماكينات الفرم، يتسلمها عامل آخر، وبقوة اعتاد عليها منذ ما يقرب من 8 أعوام هي فترة عمله بالمكان، يدفع عربة الخليط داخل المفرمة لتنتهي بذلك أولى خطوات صناعة اللانشون.. لا يقف دور عم "حسن" على وضع الخليط داخل الماكينة فعليه مهمة ثانية اكتسبها بمرور الوقت.. حيث يتناول بيده قليلاً من المفروم الناتج من الماكينة بين الحين والآخر ويقربه من أنفه ليشم رائحته، فإذا ما بدت له عفنة أخبر من حوله بما توصل إليه في الخلطة، فتبدأ الاحتياطات المعروفة في تلك الحالة وهى إضافة مواد حافظة ونكهات بكميات أكبر لتضيع تلك الرائحة.

 

المرحلة التالية لعملية الفرم هي "العجن" والتي تضاف فيها مساحيق تبدو للعاملين بالمكان هي سر الصنعة فعلى حد قول عم حسن: "لولا مادة الفريش سيل.. مكنش بقى فيه حاجة اسمها لانشون"، واصفاً إياها بـ "المادة الغريبة التي لا يمكن لأحد أن ينكر مدى أهميتها في إكساب المنتج طعماً ورائحة تخفيان مكونات الخليط الأساسية".

 

بعفوية شديدة تحرص "عفاف" يومياً مع بداية وقوفها على آلة "العجن" أن ترتدي نظارة طبية محكمة الغلق على العينين أثناء فترة عملها.. لعلها تحميها من رذاذ المساحيق المستخدمة لإتمام عمل اللانشون والتي توضع بشكل عشوائي بعيداً عن أي معايير مطلوبة، فيكفى أن يتراكم على قرنية العينين ما يتطاير من كميات النشاء الكبيرة المستخدمة والتي تتسبب في احمرارهما طوال الوقت وإصابتهما بأمراض الحساسية المختلفة إلى جانب ما يصيبها من تشققات في يديها بسبب إضافة كميات كبيرة من مكسبات الطعم أثناء العجن لإزالة رائحة العفن.

 

تظل الروائح الكريهة منتشرة بأرجاء المكان طيلة فترات العمل خاصة مع استخدام اللانشون المنتهى الصلاحية أثناء عملية التصنيع، حيث يهرب العمال بعيداً عنها تاركين تلك المهمة لـ "محمد" ذو التسع سنوات إذ يقتصر دوره على تجهيز اللانشون الفاسد وإزالة غلاف المصنع المحيط به ووضع القوالب العفنة في حلل الحواشي لإعادة تصنيعها من جديد داخل ماكينات الفرم.

 

"محمد" لا يشكو الرائحة ولا يجد فيها أزمة قدر ما يجد في الكميات الكبيرة المرتجعة والتي ترهق جسده النحيل، فيقول "الواحد بيزهق من كتر ما بيشيل أغلفة من على اللانشون وده سلوك عام في المكان هما ما بيرموش أي حاجة خالص.. مهما كان شكلها، كله بيتصنع"، تلك الكلمات تتردد كثيراً بين العمال، ولكنهم في نفس الوقت لا يجدون حرجاً في تناول اللانشون كطعام يومي على الإفطار أو العشاء، خاصة أنهم يتناولون نوعاً آخر يخرج من نفس المكان، يلقبونه باللانشون الصحي، يعنون بذلك العبوات التي ينتجها المصنع مطابقة للمواصفات، ليتسلمها مندوبو وزارة الصحة كعينات للتأكد من صلاحية منتجات المصنع، وهي العينات التي تصف "نادية" - إحدى العاملات - طريقة تصنيعه بقولها "المواد المستخدمة في اللانشون الصحي، تختلف كثيراً عن تلك الأنواع التي ينتجها المصنع ويعرضها للبيع، فهي عبارة عن لحوم نظيفة تُغسل بالمياه جيداً وتصنع بطرق نظيفة، لتنتج في النهاية لانشون مطابقاً للمواصفات يذهب لوزارة الصحة".

 

في منتصف يوم العمل تمر مفتشة الصحة، تنظر إلينا وهى تتابع مراحل العمل في صمت، تكتفي بلفت نظر إحدى العاملات لرفع الحواشى المجمدة الملقاة على الأرض، تستمر جولتها بالمكان لبضع دقائق تخرج بعدها حاملة في يدها المنتج الصحي، المطابق للمواصفات.

 

آخر مراحل صناعة اللانشون هي التدبيس وفيها يتم تغليف اللانشون باسم المصنع آليا مدوناً عليه تاريخ الإنتاج والصلاحية..يسدل ستار اليوم على عمال المصنع وهم ينقلون ما يقرب من 30 ألف كيلو هو إنتاج المصنع يوميا ليصل الإنتاج السنوي إلى 10 ملايين كيلو من اللانشون، وتنقل الكميات عبر عربات نقل مفتوحة إلى منافذ البيع المنتشرة في جميع محافظات مصر.

 

ما تم رصده من مخالفات بيئية وصحية أثناء عملية التصنيع يعلق عليه الدكتور محمد عبد الله رئيس الإدارة العامة للرقابة على الأغذية التابعة لوزارة الصحة قائلاً "إن عدم وجود الشهادات الصحية للعاملين بمصانع الأغذية تعتبر جنحة يعاقب عليها القانون للعامل ولصاحب المصنع، ومثل هذه المخالفات يتم التعامل معها أولا بالتوجيه للعاملين وصاحب المصنع وإذا لم يستجب فإننا نوقع عليه غرامة مالية".

 

وحول القانون الذي يحكم الرقابة على مصانع اللحوم المصنعة ومنها "اللانشون"، قال "عبدالله" إن القانون رقم 10 لسنة 66، يحدد العقوبة على المنتجات غير المطابقة للمواصفات والتي تصل إلى سنة سجناً، و10 آلاف جنيه غرامة كحد أدنى أو غرامة 100 ألف جنيه كحد أقصى، معتبراً أن دور وزارة الصحة في مراقبة مصانع الأغذية هو التفتيش الروتيني من خلال الإدارة الصحية لكل منطقة ويقومون بزيارات قد تصل إلى مرة أو مرتين شهريا، مع سحب عينات بصفة دورية من المنتج والمادة الخام، ويتم تحليلها لمعرفة مدى صلاحيتها للاستخدام الآدمي.

 

وانتقد "عبدالله" استخدام المصانع أي مواد خارج المواصفة القياسية مثل "الحواشي البقرية"، و"جلود الدجاج"، معتبراً إياها مخالفة قد تجعل المنتج ضاراً بالصحة وأحياناً تصل لدرجة عدم صلاحيتها للاستهلاك الآدمي، مؤكدا أن دور وزارة الصحة التأكد من تطبيق المواصفة القياسية المصرية، والتي تدون على أغلفة اللانشون، وأضاف أن هناك عيوباً في التصنيع خطرة منها وجود بكتيريا "إي.كولاي" أو "بكتيريا عنقودية" وهي أنواع من البكتيريا عادة ترتبط بالتصنيع وليس التخزين ووجودها يعنى شيئاً واحد ألا وهو "المنتج غير صالح للاستخدام الآدمي".

 

وقال عبدالله إن صلاحية اللانشون لا تتجاوز بأي حال من الأحوال ثلاثة أشهر من تاريخ الإنتاج، لذلك فلا يجوز بأي شكل إعادة تدوير المرتجع لأنها تعتبر كارثة.

 

توجهنا إلى معامل وزارة الصحة لمعرفة تأثير مكونات صناعة اللانشون على المستهلك، وبمجرد طلبنا إجراء تحاليل للمنتج، بدأ المسؤولون سرد أسماء مصانع اللانشون، المعروفة وغير المعروفة، فى انتظار أن يحصلوا منا على اسم هذا المكان، لينتهي الحوار على رفض المسؤولين بالوزارة إجراء التحاليل باعتبارنا لسنا جهات متخصصة.

 

قررنا البحث عن معامل معتمدة أخرى نستطيع من خلالها الحصول على نتائج تحاليل موثوق بها، وانتهى الأمر بالحصول على موافقة "المركز الإقليمي لسلامة وجودة الغذاء" ومعمل آخر طلب عدم ذكر اسمه وكلاهما معتمدان تابعان لجامعة القاهرة.

 

باستشارة الدكتور محمد عباس، كبير أخصائي تحاليل دقيقة والذي رافقنا أثناء أخذ وتسليم العينات، قمنا بشراء ثلاث عينات مختلفة من اللانشون (بيف وزيتون وسادة)، وهو ما حصلنا عليه من أحد منافذ بيع المصنع المعروفة في "العتبة".

 

كشفت تحاليل الميكروبيولوجى التي استغرقت 6 أسابيع كاملة عن احتواء العينات الثلاث على سم فطرى مسرطن وهو "الأفلاتوكسين"، الناتج من فطر "الإسبيراجيليس" و"الإسبيراجيليس فلافس"، و"الإسبيراجيليس فيوميجاتس"، وتجاوزت المستعمرات الفطرية بالعينات الحد الأدنى المسموح به طبقا للمواصفة القياسية المصرية لتصل نسبتها في كل جرام 120 مستعمرة بدلا ًمن 5 مستعمرات كحد أقصى.

 

وأسفرت التحاليل عن وجود بكتيريا بنسب مختلفة في العينات الثلاث، ففي لانشون "البيف والزيتون" كانت نسبتها 9 مستعمرات بكتيرية لكل جرام، وبلغت نسبته في "السادة" 40 مستعمرة وهو ما اعتبره التحليل نسبة كبيرة خاصة أن المواصفة القياسية تحذر من وجود أي بكتيريا بالمنتج.

 

وذكرت التحاليل أسماء البكتيريا الموجودة باللانشون، كان "الكوليفورم" أكثرها خطورة لأنه ناتج عن وجود فضلات برازية، وهو ما نص عليه التقرير، كما كشفت النتائج عن وجود بكتيريا "إي.كولاى" الممرضة والتي تسبب التسمم الغذائي، بالإضافة إلى توفر البكتيريا العنقودية التي يدل وجودها على احتواء المنتج على أحشاء لحوم بدرجة تجعله غير مطابق للمواصفة.

 

وجاءت نتائج التحليل الكيميائي للعينات لتكشف عن المكونات الداخلة في صناعة اللانشون بملاحظات عدة أهمها أن العينات الثلاث احتوت على رائحة غير مستحبة وغير مقبولة، على حد وصف التقرير، وأشارت النسب التي وردت به إلى انخفاض نسبة البروتين عن النسبة المسموح بها إذ ظهرت نسبته 8 بالمائة في حين أن المواصفة القياسية المصرية لصناعة اللانشون تشترط وجوده بنسبة 15بالمائة أي أنه أقل من المعدل المطلوب بما يعادل النصف، فيما أثبتت أن نسبة الدهن الموجودة بالعينات الثلاث بلغت في المتوسط 7 بالمائة في حين أن المواصفة خصصت نسبته بألا تقل عن 35 بالمائة، ومن بين المواد التي يتم البحث عنها كيميائياً هي نسبة "الرماد" والتي تدل نتيجتها على نسبة المواد الداخلة في الصناعة وكانت نسبته متدنية لتصل إلى 2.9 بالمائة مقارنة بالنسبة المطلوبة والبالغة نحو 3.5 بالمائة.

 

الدكتور عاطف حسين السيد، استشاري صحة الطعام بالمركز القومي للتغذية، وصف النتائج التي توصلت إليها التحاليل ومدى تأثيرها على صحة المستهلك بـ "الخطيرة"، وأشار إلى أن توفر هذا العدد من المستعمرات الفطرية تحديداً يجعل العينة "ساقطة" أي غير صالحة للاستهلاك الآدمي، معللاً ذلك بأن نسبتها تفوق المواصفة القياسية المصرية لتصنيع اللانشون بأكثر من 5 أضعاف النسب المطلوبة، وكشف عن أن تناول المواطنين لـ "لانشون" يحتوى على فطر "الأسبيراجيليس" الذي ينتج السم الفطري "أفلاتوكسين" يؤدى مباشرة لحدوث أورام سرطانية على الكبد، ويتسبب في تنشيط خلاياه بدرجة مرضية، في حين أن بكتيريا "كوليفورم" تؤدي لحدوث أعراض الإسهال والقيء المسببين مباشرة للتسمم الغذائي، وذكر أن "الإشيريشياكولاى" والتي وجدت بنسب متفاوتة في اللانشون تتسبب في إصابة مستهلكيه بألم شديد في البطن يصاحبه إسهال حاد قد يؤدى إلى جفاف في بعض الحالات.

 

وكشف "السيد" عن أسباب وجود البكتيريا العنقودية والموجودة بنسبة كبيرة في عينات اللانشون إلى آثار بكتيريا دمامل بشرية أو جروح، موضحاً أن العاملين بالمكان لا يتمتعون بالنظافة المطلوبة أثناء العمل، وهو ما يجعل مثل هذه الأنواع من البكتيريا في الأغذية التي نتناولها، والخطورة هنا، على حد تعبيره، أن اللانشون منتج يؤكل بارداً ولا يتم تسخينه، مما يعنى وصول كل أنواع الفطريات والبكتيريا إلى المستهلك بطريقة مباشرة دون أن يشعر بأن جسده يستقبل بكتيريا ضارة وفطريات بالغة الخطورة.

 

وفي محاولة لمواجهة أصحاب المصنع بنتائج التحاليل، في البداية رفض مسؤولو المصنع التعليق على الموضوع برمته، وبعد إلحاح شديد قاموا باختيار (ت.أ) سكرتير صاحب المصنع الذي جاء رده قائلاً "لا يوجد شيء مما تدعونه حول منتجنا وعدم صلاحيته للاستهلاك الآدمي، نحن نثق في منتجاتنا وطالما أنه لا يوجد أي محضر رسمي ضدنا فكل ما يقال مجرد كلام لن نرد عليه إلا إذا اتهمنا رسمياً من قبل النيابة".

 

عدة أشهر استغرقها إتمام هذا التحقيق، لم تتوقف خلالها منافذ بيع لانشون (ص.ع) عن العمل، لتتسلل إلى الأسواق الشعبية في جميع محافظات مصر، يقبل عليها الفقراء والأغنياء معاً، تتناولها "هاجر" في سندوتشاتها الصباحية، لا يشعر الجميع بما فيها من مكونات مسرطنة، يعتبرونها وجبة إفطار شهية يجلبونها يومياً إلى صغارهم، بعضهم يعتبرها بديلاً عن اللحوم فثمنها في متناول اليد، إذ لا يتعدى ثمن الكيلو 13 جنيهاً في حين أن هناك من يستطيع شراء كميات قليلة منها بجنيه أو أقل ليصبح ذلك المنتج الأكثر انتشاراً.