الذهب الأخضر

الوقود الحيوي اسم جديد برز في عالم الطاقة البديلة وبدأ يتردد منذ سنوات. كما ازداد حضوره مع الارتفاع الكبير في أسعار النفط.
الذهب الأخضر
قمة الدول الثماني الكبرى في طوكيو بحثث موضوع الوقود الحيوي.
بواسطة Richard Dcruze
الأربعاء, 31 ديسمبر , 1969

الوقود الحيوي اسم جديد برز في عالم الطاقة البديلة وبدأ يتردد منذ سنوات. كما ازداد حضوره مع الارتفاع الكبير في أسعار النفط، وأيضا مع تجدد الحديث عن قرب نفاد احتياطي البترول العالمي بعد نحو نصف قرن من الآن. ويرى علماء في الوقود الحيوي أو «الذهب الأخضر»، كما يحلو لمؤيديه تسميته، البديل الوحيد للطاقة الناضبة الذي سيتمكن مستقبلاً من هز عرش النفط. غير أن معارضيه يرون فيه جريمة ضد البشرية، وبخاصة ضد الفقراء.

منذ قرابة الـ 200 عام، وتحديدا منذ اكتشاف الفحم الحجري ومن بعده البترول والغاز الطبيعي،ظلت مصادر الطاقة الشغل الشاغل للبشرية المنهمكة في البحث عن مصادر أرخص وأكثر ديمومة، وفي الآونة الأخيرة أقل تأثيرا سلبيا على البيئة.

في هذا الإطار، وأيضا ضمن مساعي الرامية لامتلاك الأمن في مجال الطاقة، ظهر الوقود الحيوي «الطاقة المستمدة من الكائنات الحية سواء النباتية أو الحيوانية» باعتباره أحد أهم مصادر الطاقة المتجددة، على خلاف غيره من الموارد الطبيعية مثل النفط والفحم الحجري وكافة أنواع الوقود الإحفوري الأخرى والوقود النووي.

ويقصد بمصطلح «الوقود الحيوي» أنواع الزيوت القابلة للاحتراق والمستخرجة من النباتات المزروعة أو الطبيعية بما فيها زيت الذرة أو بذرة القطن، أو زيت النخيل أو المحضرة من معالجة المواد والعصائر الطبيعية خاصة الكحول المحضر من تخمير العصائر السكرية الطبيعية مثل قصب السكر.

آمال الفضلات

غير أن ميزة الوقود الحيوي الكبرى التي يؤمل تطويرها والتوسع فيها، هي أنه يمكن إنتاجه أيضاً من المخلفات والفضلات الحيوانية والنباتية سواء كانت بقايا الحيوانات وروثها أو كانت من قش الأرز أونشارة الخشب، كما يمكن إنتاجه من الطحالب المائية ومن نباتات أخرى سريعة النمو وغير ذات قيمة غذائية.

لقد أخذ البحث عن الوقود الحيوي زخما جديدا مع الارتفاع الأخير لأسعار النفط إلى حاجز الـ 150 دولارا للبرميل قبل تراجعه الراهن. وخصت مجلات اقتصادية عديدة هذا الموضوع المهم بدراسات مستفيضة وآراء اتسم بعضها بالتفاؤل فيما اتسم البعض الآخر بالتشاؤم الشديد. لكن كان هناك إجماع من الجانبين على أن الارتفاع الكبير الراهن في أسعار النفط يجعل «الوقود الحيوي» البديل الوحيد للبنزين والديزل في المستقبل القريب.

وعلى أية حال، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يسارع فيها العلماء والخبراء في الدول المستهلكة بشدة للنفط للبحث عن بدائل له. ففي ثمانينيات القرن الماضي، وأيضا عقب أزمة النفط الشهيرة التي أعقبت الحرب العربية- الإسرائيلية عام 1973 تم تشكيل لجنة من كبار علماء الطاقة في الدول الصناعية أطلق عليها اسم «لجنة دراسة الفحم الحجري» World Coal Study تكفلت بدراسة مشروع طويل الأمد للاعتماد على الفحم كبديل للبترول وخرجت من دراساتها المفصلة بكتاب حمل عنوان: «الفحم جسر إلى المستقبل» Coal a bridge to the future تضمن نتائج الدراسة التي خلصت إلى أن الفحم لا بد أن يحل محل البترول خلال السنوات القليلة المقبلة بسبب وفرته وسهولة شحنه بالرغم مما يسببه من تلوث كبير للبيئة.

ضد الواقع

لكن العقود اللاحقة أثبتت عدم اتساق هذه التوجهات مع الواقع، وخاصة بسبب استحالة استخدام الفحم الحجري في تسيير الآلات المتحركة كالسيارات والسفن والطائرات والقطارات.

ويرى فريق من الباحثين أنه وقياساً على إمكانيات ومزايا المصادر المتاحة حالياً للطاقة المتجددة، سواء كان مصدرها الشمس أو الرياح أو الأمواج أو غيرها، يبقى الوقود الحيوي، على الرغم مما يحيط به من جدل، هو الأكثر قدرة على دعم أمن الطاقة العالمي، وذلك لأكثر من سبب.

أولها رخص تكلفته وإمكانية إنتاجه في أي وقت وفي أي بقعة من الأرض، بسبب توافر مواده الأولية وعدم تقيدها بأي عوامل جغرافية أو طبيعية، وهي ميزة كبرى تفتقدها مصادر الطاقة الأخرى المتجددة، مثل الطاقة الشمسية التي ترتبط بسطوع الشمس، وطاقة الرياح التي لا يمكن توفرها طوال شهور السنة، والطاقة المائية التي ترتبط بوجود ممرات مائية وسواحل بحرية، وهو أمر لا يتوفر لجميع الدول.

أما ثاني هذه الأسباب، فهو نظافة هذا المصدر وعدم إضراره بالبيئة أو المناخ وبالتالي تعاظم الآمال المعقودة عليه في تخليص العالم من جزء كبير من مشاكله البيئية الحالية.

كربون أقل

فمحروقات الوقود الحيوي تتميز مقارنة بالوقود الإحفوري بإطلاق محتوى أقل من ثاني أكسيد الكربون، المسبب الرئيسي للاحتباس الحراري، ومن الرصاص، ما يعني عدم تأثيرها سلباً على جودة البيئة وعلى الوسائط الإيكولوجية المحيطة.

من واقع هذه المزايا لم يكن غريباً أن يشهد العالم طفرة حقيقية في صناعة الوقود الحيوي خلال السنوات الماضية، سواء من حيث الكميات المنتجة أو من حيث معدلات النمو المحققة.


ففي أميركا وهي أكبر الدول المنتجة لوقود الإيثانول، قفز الإنتاج مثلاً من 53 مليون لتر في عام 2003، إلى 280 مليون لتر في عام 2005.

وفي البرازيل والسويد وألمانيا أدى تعاظم القدرة الإنتاجية إلى تحولها إلى دول مصدرة لهذا الوقود، وبشكل دعا البعض لاقتراح إنشاء تجمع خاص بهذه الدول وكل الدول الأخرى المصدرة للوقود الحيوي، في منظمة طاقة خاصة على غرار منظمة الأوبك النفطية.

عالمياً بلغ معدل النمو في صناعة الطاقة من الوقود الحيوي نحو 15 % سنوياً، كما يتوقع أن يزداد الطلب العالمي عليه بنسبة 30 % خلال الفترة القادمة، وهي كلها مؤشرات هامة للغاية وتوضح مدى المكانة والازدهار التي حققتهما هذه الصناعة.

ودخلت هذا المجال دول أخرى غير أميركا والبرازيل كألمانيا والسويد وكندا والصين والهند، وبقدر مكن دولة نامية مثل البرازيل من الاستغناء نهائيا عن استيراد النفط.

سد الفراغ

لكن ما هي النتائج التي ستترتب على تزايد الطلب على الوقود الحيوي وعلى نجاح هذا المصدر المتجدد في سد الفراغ القائم في مصادر الطاقة؟.

يرى باحثون أن أولى هذه النتائج هو تحول عرش الطاقة المستقبلي إلى اللون الأخضر بدلاً من لونه الأسود الحالي. وهذا يعني برأي دارسين خفوت نجم دول وممالك اقتصادية كثيرة زين البترول عروشها وأنعش خزائنها، ويعني أيضاً صعود قوى أخرى ناشئة، مقومات ثروتها ليست إلا الأرض الخصبة والإنتاج الزراعي والميكنة.

أما ثاني هذه النتائج برأي الباحثين، فهي إعلاء قيمة الأرض الزراعية من جديد وإحداث نهضة زراعية عالمية شاملة. فمثلما أدى اختراع الآلة في مطلع القرن التاسع عشر إلى حدوث ثورة صناعية كبيرة، أوصلت العالم حالياً لما فيه من ميكنة وتقنيات متقدمة، فإن بمقدور الوقود الحيوي وتزايد الطلب على المحاصيل الزراعية، أن يساهم في استصلاح كثير من الصحاري والأراضي القاحلة، وأن يساهم في دفع عجلة الإنتاج الزراعي في أرجاء العالم والتوسع فيه أفقياً ورأسياً، وبشكل لا يستبعد معه حدوث طفرة نوعية سواء في الميكنة الزراعية المستخدمة أو مساحات الأراضي المستغلة أو أنماط وطرق الزراعة السائدة.

وعلى المستويين الاقتصادي والاجتماعي، سيؤدي انتشار استخدام الوقود الحيوي إلى خلق الملايين من فرص العمل الجديدة، وزيادة ربحية المزارعين والفلاحين، إذ يمكن لمحاصيل الوقود الحيوي أن تزيد من ربحيتهم بمقدار 4 أو 5 أضعاف الربحية الحالية، كما سيؤدي إلى دعم وتنشيط صناعات كثيرة مرتبطة بالزراعة، ومنها صناعة الأسمدة والمبيدات الحشرية، وآليات نقل وتخزين الغلال، وتحوير البذور جينياً، وغيرها من المجالات المتعلقة.

فانوس سحري

وبحسب ما جاء في تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» يمكن للوقود الحيوي أن يساهم في دعم خطط التنمية المستدامة في الدول النامية، وفي خفض معدلات الفقر والجوع وتوفير مصادر الطاقة لاسيما طاقة الكهرباء التي يعاني من عدم الحصول عليها قرابة 2 مليار نسمة على مستوى العالم حالياً، كما يمكن أن يساهم في دعم الوضعين الاقتصادي والاجتماعي في أكثر من 47 دولة فقيرة أو تعد الأفقر بين دول العالم، وتعتمد بصفة كلية أو جزئية على النفط المستورد في تغطية احتياجاتها من الطاقة.

لكن الوقود الحيوي ليس في نظر جميع الدارسين والباحثين «الفانوس السحري» الذي سيخلص العالم من أزمات ارتفاع أسعار الوقود، ومن اعتماد القوى الكبرى على الدول المصدرة للنفط، بل هو في رأي آخرين «كارثة كبرى» قد تقضي على نصف البشرية حيث أنه بحسب رأي خبراء معارضين، السبب الرئيسي وراء الارتفاع الحاد عالميا في أسعار السلع والأغذية، إضافة إلى ما يقولون عن دوره الكبير في تدمير غابات الأمازون الاستوائية، وما نتج عنها من زيادة انبعاث الغازات الدفيئة بدلاً من الحدّ منها وتفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.

وفي الواقع فان هناك أكثر من إشكالية أخلاقية وعلمية يثيرها استخدام المحاصيل الغذائية خاصة محاصيل الذرة والقمح وفول الصويا في إنتاج الوقود الحيوي. وأول هذه الإشكاليات تغيير طريقة استخدام الأراضي الزراعية وتحويل الحقول الزراعية المنتجة للمحاصيل الغذائية حاليا إلى مناجم كبيرة لإنتاج محاصيل الطاقة الموعودة، وما يتبع ذلك من إخلال بالتنوع الزراعي العالمي والجور على الغابات والمناطق الخضراء المحمية، وزيادة معدلات انجراف التربة، وارتفاع مستويات التلوث المائي والجوي بسبب الكميات الكبيرة من المبيدات والأسمدة التي يتطلبها استزراع محاصيل الطاقة بخاصة الذرة.

مخاوف وكوابيس

وبالنسبة للدول النامية التي تعتمد على استيراد احتياجاتها الغذائية وللبلاد الفقيرة التي عادة ما تتلقى هبات ومساعدات دولية في صورة معونات غذائية، فإن هذه المخاوف ستتحول ولا شك إلى كوابيس بسبب تصاعد ارتفاع أسعار المحاصيل الغذائية، نتيجة تعاظم الطلب على الحبوب والمحاصيل الزراعية، وأيضا نتيجة عدم وجود فائض فيها لدى الدول المصدرة، وهذا بدوره يهدد الأمن الغذائي العالمي بشكل مباشر، وقد يؤدي أيضاً إلى انتشار الاضطرابات والقلاقل الاجتماعية والسياسية في أكثر من موقع عبر العالم.


ومن الجوانب السلبية المتوقعة أيضاً تصاعد الصراع على الموارد المائية بسبب تزايد الحاجة للمياه، سواء لاستخدامها في ري محاصيل الذرة وقصب السكر المنتجة للطاقة، أو في عملية إنتاج الوقود الحيوي ذاتها، حيث يكلف مثلاً إنتاج لتر واحد من وقود إيثانول الذرة 4 ليترات من المياه.

وبناء على هذا يتوقع «المعهد العالمي لإدارة موارد المياه»، أن تواجه كل من الصين والهند على سبيل المثال وهما دولتان غنيتان بالمياه شحاً في مصادر المياه بحلول عام 2030، إذا ما استمرتا في خططهما الحالية لإنتاج الوقود الحيوي.

نفط القرن21

وفي الوقت الراهن يتضاعف استهلاك المياه على المستوى العالمي كل 20 عاما، ولكن على عكس النفط فإن الماء لا بديل عنه. ويقول المدير التنفيذي لشركة «دوو» أندرو ليفريس إن الماء هو نفط القرن الحادي والعشرين.

وتتسبب الصناعة خاصة في البلدان الفقيرة في تلويث مصادر المياه، في حين تشمل الزراعة معظم استخدامات المياه، خاصة مع التوسع في زراعة المحاصيل المستهلكة بشدة للماء المستخدمة بكثافة في إنتاج الوقود الحيوي.

ويكافح العالم من أجل توفير الغذاء والمياه لعدد متزايد من سكان الكوكب خصوصا مع ازدياد الطبقة الوسطى في آسيا المتشوقة لاتباع نمط استهلاك المياه لدى سكان العالم الغربي.

وطالب تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي للمياه بتقليص هدر الأغذية بنسبة 50 % على الأقل مع حلول عام 2025 مما يعني توفير المياه المستخدمة لإنبات المحاصيل المنتجة لتلك الأغذية.

ومؤخرا أكد خبراء في مؤتمر دولي في العاصمة السويدية استوكهولم أن نصف المياه المستخدمة في الزراعة على المستوى العالمي تتعرض للهدر مما يسهم بشكل كبير في شح الموارد المائية عالميا.

وتخضع إمدادات المياه العالمية لضغوط كالضغوط على إنتاج النفط، لكن مع تراجع أسعار النفط عن المستويات التي بلغتها فإنه لا مؤشرات على تحسن المقادير المتوفرة من المياه العذبة، حيث تؤدي التغيرات المناخية إلى ظهور قحط في مصادر المياه النقية.

إنتاج وهدر

غير أن الأمر لا يمكن بالطبع أن يكون بهذا القدر من القتامة أو السلبية عند الحديث عن إنتاج الوقود الحيوي من الفضلات النباتية والحيوانية أو من المخلفات الزراعية وغيرها من النفايات، بسبب تناغم هذا مع سلامة البيئة وأمن العالم الغذائي.

لكن هذا التوجه رغم رجاحته، سيظل مرهونا على أي حال بتطوير التقنيات الحالية المصنعة للوقود الحيوي، وبالتزام صناع الطاقة الجدد بأطر أخلاقية محددة تمنع حرق مقدرات العالم الغذائية وطعام الفقراء من أجل تسيير المركبات.

وحاليا ليس من الواضح تماماً أي اتجاه سيقود فيه الوقود الحيوي العالم خلال السنوات القادمة. هل هو طريق الأحلام الخضراء والرغد البيئي؟ أم عصر جديد من المعاناة الإنسانية ومزيد من الجوع لفقراء وجياع العالم؟

وهنا يرى البعض أن هناك اتجاهين متعاكسين تماماً يمثلان أحلام وكوابيس هذه الصناعة الناهضة، ولا تفصل بينهما سوى شعرة واحدة، تتمثل في نوعية الكتلة الحيوية المزمع استخدامها في إنتاج الوقود الحيوي مستقبلاً، وهل هي مستخلصة من محاصيل غذائية أساسية مثل الذرة والقمح وفول الصويا، طعام الفقراء وكل سكان العالم، أم مصدرها مخلفات حيوانية ونباتية لا تعوزها البيئة ولا تحتاجها البشرية.

وبديهي أن التوجه نحو استخدام المحاصيل الغذائية وهدرها في إنتاج تلك النوعية من الطاقة، سيكون بلا شك جريمة إنسانية ووبالاً على فقراء وجياع العالم، كما أنه سيسبب ظهور مشاكل بيئية واجتماعية كثيرة ليس أقلها الإخلال بالتنوع الزراعي وزيادة موجات الغلاء العالمي، وتزايد الاضطرابات والقلاقل الاجتماعية.

وفي المقابل فإن الالتزام باشتراطات ومعايير التنمية المستدامة وسلامة البيئة المحيطة وتنوع النظم الزراعية القائمة، من خلال تطويع التقنيات الحالية المنتجة للوقود الحيوي بحيث يتم توجيهها فقط نحو استهلاك الفضلات والمخلفات الحيوانية والنباتية، كفيل بجعل العالم والمعمورة بأسرها أكثر تقدماً وأكثر نظافة، وكفيل أيضاً بإضفاء لمحة من التفاؤل إلى مستقبل البشرية المعذبة حالياً بثلاثية الجوع والفقر والغلاء العالمي.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج