لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Wed 6 Apr 2016 11:06 AM

حجم الخط

- Aa +

كيف يرتبط الإرهاب والتشدد بدراسة الهندسة والعلوم

افتقار دراسة العلوم للصبغة الإنسانية عند تدريس التخصصات العلمية والتقنية يولد الإرهاب، حيث لا يتعلم خريجو الهندسة سوى أسلوب التفكير الثنائي، صح أو خطأ التي تفرط بتبسيط الأمور إما إلى لون أسود أو أبيض دون فسحة للتفكير وتنمية مهارات التفكير النقدية كما هو الحال مع خريجي العلوم الإنسانية.

كيف يرتبط الإرهاب والتشدد بدراسة الهندسة والعلوم

تحت عنوان " كيف نخلّص طلاّب العلوم من براثن الإرهاب؟" كتب اسماعيل دوبارة في موقع الإذاعة الهولندية أن افتقار دراسة العلوم للصبغة الإنسانية عند تدريس التخصصات العلمية والتقنية يولد الإرهاب، حيث لا يتعلم خريجو الهندسة سوى أسلوب التفكير الثنائي، صح أو خطأ التي تفرط بتبسيط الأمور إما إلى لون أسود أو أبيض دون فسحة للتساؤل وتنمية مهارات التفكير النقدية كما هو الحال مع خريجي العلوم الإنسانية.

عندما كنت طالبا جامعيا في الأعوام ما بين 2006 و2010،  استمعتُ كثيرا إلى آراء لا تستند إلى حجج صلبة حينها، تقول إنّ جامعات الهندسة والطبّ هي معاقل الطلبة "المتشددين" دينيا، في حين يسيطر الطلاب من حملة الأفكار اليسارية والليبرالية والقومية على الأجزاء الجامعية التي تدرّس العلوم الإنسانية والآداب.

كانت مجرّد انطباعات، لا ترفدها دراسات علمية أو إحصاءات رسمية أو ما شابه، لكن بعد رحيل بن علي، وارتفاع منسوب الحريات العامة والفردية الذي دفع بكثيرين إلى إبداء آرائهم الدينية والسياسية دون خجل أو وجل، ومع تفشي العنف "الجهادي" ضدّ مؤسسات الدولة، وتفاقم ظاهرة تسفير الشباب والطلاب نحو مناطق النزاع، ظهرت مؤشرات جادة وبيانات كثيرة تدلّ على أنّ ما كان يتردد قبل سنوات يمكن أن يكون "حقائق".

في العام 2015، أشرف الاتحاد العام لطلبة تونس، وهو منظمة طلابية نقابية عريقة، على إجراء استبيان في الجامعة التونسية خلص إلى أنّ نحو 1300 طالب انخرطوا في التنظيمات "الجهادية" خارج البلاد.

يقول ذات الاستبيان إنّ الطلبة الأكثر استقطابا من طرف الحركات الإسلامية المتطرفة، هم طلبة كليات العلوم، مقابل نسبة أقل في كليات الآداب.

وتقول وزارة الداخلية التونسية إنها تملك لائحة تضم أكثر من ألف متهم بالإرهاب، 30 بالمائة منهم هم من التلاميذ والطلبة! و95 بالمائة من هؤلاء ينتمون إلى التخصصات العلمية.

أسلوب الأبيض والأسود الذي يتبناه الإرهابيون يتطلب عقلية هندسية.

ومعلوم أنّ منفذ عملية سوسة الإرهابية التي راح ضحيتها العشرات من السياح الأجانب، كان طالب هندسة، فسيف الدين الرزقي كان طالب ماجيستير في كلية العلوم التطبيقية بالقيروان، والكثير من منفذي عملية بن قردان الشهر الماضي، هم طلاب علوم سابقون.

ومنذ العام 2008، اجتهد باحثان اجتماعيان في بريطانيا هما ديغو غامبيتا، من جامعة أوكسفورد، وستيفن هيرتوغ من جامعة دارهام، في البحث عن وجود علاقة محتملة بين دراسة العلوم الصحيحة واعتناق الأفكار الدينية المتشددة.

وبعد التدقيق في حالات 404 شبان تحولوا إلى التشدد والعنف، خلص الباحثان إلى أن الإسلاميين الذين درسوا تخصصات مثل العلوم أو الهندسة أو الطب، كانوا الأكثر تمثيلاً ضمن المتعلمين من أعضاء المجموعات الإسلامية العنيفة، ووجدا تحديداً أن المهندسين يمثلون النسبة الأكبر. وفي تفسيره للظاهرة، قال الباحث غامبيتا: "دارسو الهندسة يصبحون فاقدين للتسامح في مجال تحديد الحقيقة... دراسة الهندسة والعلوم الدقيقة تجعل في الغالب صاحبها ينظر إلى الأمور عبر اللونين الأبيض والأسود فقط".

وضعت الدراسة أربع فرضيات للعلاقة بين الهندسة والعنف، أولها: ما إذا كان وجود عدد كبير من المهندسين ضمن المتشددين جاء بمحض الصدفة، أو أن المهارات التقنية لهؤلاء جعلتهم أكثر جاذبية للتجنيد، أو أن ذهنيتهم جعلتهم يتوافقون بشكل جيد مع التشدد، أو أن تشددهم يمكن إرجاعه إلى الظروف الاجتماعية الصعبة التي عاشوها بدولهم. وخلصت الدراسة إلى أن تداخل العاملين الأخيرين هو الأكثر ترجيحاً لتفسير الظاهرة.

وآخر ما صدر في سياق الربط بين التخصصات العلمية والغلوّ الديني، دراسة أخرى هامة نشرت في أوائل يناير من العام الجاري، وهي صادرة عن المجلس الثقافي البريطاني وتحمل عنوان "تحصين العقل".

الدراسة تؤكد من جديد أنّ أسلوب "الأبيض والأسود" الذي يتبناه الإرهابيون يتطلب "عقلية هندسية"، وأن تعليماً أشمل قد يعطي الطلاب المعرضين للتطرف الأدوات اللازمة لمنازلة ومساءلة السُلطة.

وتتساءل الدراسة: أي نوع من الأشخاص يصبح جهاديًّا إرهابيًّا؟ وعلى وجه التحديد، ما نوع تعليم هؤلاء الأشخاص؟

تجيب الدراسة بأن الغالبية العظمى من الخريجين الذين انضموا إلى جماعات إرهابية كانوا قد درسوا الهندسة، أو العلوم، أو الطب. وأنه بالكاد يمكنك أن تجد أحداً منهم درس العلوم الاجتماعية أو الفنون، فقد حصل ما يقرب من نصف الجهاديين (48.5%) المجنَّدين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تعليم عالٍ،  44 % منهم درس الهندسة، بينما بلغت تلك النسبة 59% بين "الجهاديين" المجنّدين في الغرب.

مارتن روز، معدّ وثيقة "تحصين العقل" جمع مجموعة واسعة من الآراء التي تؤكد أن تعليم العلوم يفشل في غرس التفكير النقدي في الطلبة، بينما تنجح في ذلك المناظرات والمناقشات التي تقع ضمن تدريس الفنون  والآداب. وصاغ روز مفهوم "العقلية الهندسية"، وهي ما يجعل طلاب العلوم فريسة سهلة لدى الإرهابيين، ويقول إنّ ثقافة تدريس العلوم دائمًا ما تعتمد على طريقة (الصواب والخطأ)، أو (الحق والباطل)، وهذا يدمر قدرة طلاب العلوم والهندسة على تنمية مهارات التفكير النقدية.

في تونس، كما في بقية الدول العربية المعنية أكثر من غيرها بتصدير "الجهاديين"، لا اهتمام يذكر بمجهود الخبراء والمعنيين المذكور أعلاه، فالنظرة السائدة والسطحية مازالت ترتكز على أنّ من يؤمن بالعلوم الصحيحة لا يمكن أن يكون متطرفا دينيا أو "جهاديا".

في حين يتفرّغ خبراء "مكافحة الإرهاب" يوميا عبر المنابر المختلفة، لتكرار الهراء القائل بأنّ الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية هي التي تقف وراء تسفير الشباب إلى بؤر التوتر وتحوله إلى التشدد، ورغم أهمية العاملين الاقتصادي والاجتماعي في تفاقم ظاهرة الإرهاب، إلا أنهما صارا عاملين ثانويين بموجب التقارير والأبحاث الحديثة التي تطرق بجدية ظاهرة التطرّف الديني، فالإحصاءات تشير إلى أن الآلاف من المجنّدين لدى "داعش" هم من ميسوري الحال ولم تعترضهم مشاكل في التوظيف أو العمل ولم يعش أي منهم بؤس البطالة.

تؤكد دراسة المجلس الثقافي البريطاني على ضرورة إصلاح التعليم كمدخل للحد من ظاهرة التطرف الديني لدى الطلاب.

وتتحدث الدراسة عن "إضفاء الصبغة الإنسانية" على تدريس التخصصات العلمية والتقنية، لأنّ ذلك قد يقدّم للطلاب الأكثر عرضة للانضمام إلى الجماعات "الجهادية" أدوات تساعدهم على التفكير والتساؤل سواء كانت هذه التساؤلات بخصوص السلطة، أو العلم، أو السياسية، أو الدين