لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Mon 25 May 2015 11:42 AM

حجم الخط

- Aa +

البناء في المجهول «برج المملكة» في جدة

هنالك أسباب معينة وراء بناء الأبراج التي تحطم الأرقام القياسية في الارتفاع مثل مبنى «إمباير ستايت» في نيويورك، و«شارد» في لندن و«برج خليفة» في دبي، ولكن بناؤها لا يخلو من الصعوبات والعراقيل في تحقيق النجاحات المالية. ومع بدء أعمال الإنشاء في «برج المملكة» في جدة، يتمسك منيب حمود الرئيس التنفيذي للشركة المطورة «شركة جدة الاقتصادية» بالفلسفة القديمة «قم بالبناء وسوف يأتون»

البناء في المجهول «برج المملكة» في جدة

«تعيش مدن العالم حاليًا فترة ازدهار في بناء ناطحات السحاب». هذه هي الخلاصة التي توصلت إليها أحدث تقارير شركة «نايت فرانك» الاستشارية «مؤشر ناطحات السحاب» الذي أصدرته هذا الشهر.

وأشار التقرير إلى أن موجة كبيرة من ناطحات السحاب – وهي المباني التي يبلغ ارتفاعها أكثر من 350 قدم- تجتاح المدن العالمية المعاصرة، حيث أقيم في لندن 23 ناطحة سحاب جديدة منذ عام 2000، مقارنة بسبعة عشر فقط تم إنشاؤها خلال العقود الأربعة السابقة. أما في نيويورك التي تعد المدينة التي انطلقت منها فكرة ناطحات السحاب، فقد أقيم فيها أربعة أبراج جديدة خلال عام 2014 فقط. وفي دبي التي اختطفت اللقب من نيويورك «التفاحة الكبيرة» خلال العقود الأخيرة، فقد تم إنشاء حوالي 190 ناطحة سحاب على مدار الأعوام الـخمسة عشر الأخيرة.

وعلى الرغم من أن برج خليفة في دبي والذي يبلغ ارتفاعه 828 متر ويتألف من 163 طابقًا ما زال يحمل الرقم العالمي كأعلى برج في العالم، إلا أن هذا اللقب سينتقل قريباً إلى موقع مفاجئ آخر وهو: مدينة جدة في المملكة العربية السعودية. بدأت الأعمال الإنشائية لبرج المملكة في جدة خلال شهر أبريل 2013 ووصل البناء فيها إلى الطابق 14، ومن المقرر أن يفتح البرج أبوابه في عام 2018. وقد جاءت فكرة هذه المنشأة من الملياردير السعودي الأمير الوليد بن طلال بن عبد العزيز آل سعود، حيث تم إنفاق ثلث فاتورتها الضخمة التي تبلغ 1.2 مليار دولار أمريكي على «التكاليف غير المباشرة» – التصميم والأبحاث والتطوير- وهذا الرقم غير المسبوق في القطاع يُظهر أن الهدف من البرج هو بناء معلم بارز وليس مجرد وضع خطة أعمال.

في السابق، قررت مدينة نيويورك البناء العمودي لأن أسعار الأراضي في منطقة الأعمال المكتظة «مانهاتن» كانت باهظة الثمن، بينما تم تصميم برج خليفة في دبي ليكون جزءاً من سعيها إلى التنوع الاقتصادي بعيداً عن النفط وأحد محركات عمل الإمارة على استقطاب 20 مليون زائر بحلول عام 2020. ومن جانب آخر، لا تعاني جدة من أي نقص في الأراضي بل إن نظرة عامة على المدينة لن تظهر سوى الكثبان الرملية الصحراوية. إذن، ما الفكرة الكامنة وراء بناء برج المملكة؟

قال منيب حمود الرئيس التنفيذي لشركة جدة الاقتصادية القائمة على مشروع إنشاء وتطوير برج المملكة: «أولاً، هذا البرج هو فكرة صاحب السمو الأمير الوليد بن طلال، وأعتقد أن البرج سوف يعزز مكانة مدينة جدة بين مدن العالم وسوف يكون رمزاً ومعلماً بارزاً لها.»

«البرج هو تعبير عن براعة الناس وعن أعمال الحكومة ونمو الاقتصاد وقوته، وهو بمثابة رسالة موجهة للعالم أجمع. فعندما كان الفراعنة المصريين في أوج قوتهم، أنشأوا الأهرامات، وعندما عاد نابليون من حروبه، بنى قوس النصر، وعندما سيطرت الكنيسة على أوروبا، أقامت الكاتدرائيات الضخمة. وقد آن الأوان لنا لنعبر عن مدى قوة المواد التي نملكها ومقدار ذكاء شعبنا.»

«أعتقد أنه بوجود خبرة وبراعة المصممين والمستشارين وفريق العمل، لن يكون هنالك أي مستحيل.» حسب قول حمود الذي كرر كلمة «براعة» أكثر من مرة خلال الحوار لدرجة أنك ستشعر أن العمل بهذا البرج يلائم تمامًا مفهوم «قم بالبناء وسوف يأتون». كما أكد حمود قائلاً: «المهمة الرئيسية لشركة جدة الاقتصادية هي بناء «مدينة المملكة»، أي بناء مركز المدينة الجديد على أراضٍ تبلغ مساحتها 5.3 مليون متر مربع، وتعزيز مكانة المدينة بين دول العالم الحديثة، كما هو الحال في وسط مدينة بيروت ووسط إمارة دبي».

ولكنك إذا نظرت إلى تجارب بعض ناطحات السحاب المعروفة، فإنك سترى بعض الإشارات التحذيرية على طول الطريق باتجاه تحقيق نجاح البرج. فقد تم افتتاح مبنى «إمباير ستيت» الشهير في عام 1931، بينما تعرضت نيويورك للكساد الكبير خلال الثلاثينيات. وكان سكان نيويورك يسخرون منه بدعوته مبنى «إمبتي ستيت» (أي المبنى الفارغ) وقد بقي فارغاً فعلاً لعدة عقود ومخفقاً في تحقيق أية أرباح لعشرين سنة بعدما تعافى الاقتصاد مرة أخرى.

كما أفادت تقارير صدرت مؤخراً بأن مبنى «شارد» اللندني الذي أنشئ بأموال قطرية وتم افتتاحه خلال الأزمة المالية العالمية، وبالرغم من تصدره عناوين الصحف كونه أطول مبنى في غرب أوروبا، إلا أنه يعاني من خلو طوابقه الاثنين والسبعين. كما استغرق المعلم اللندني البارز «غيركين» الذي افتتح قبل ذلك بعشر سنوات عقداً من الزمن لكي تمتلئ طوابقه.

وفي دبي، وعندما تم افتتاح برج خليفة في يناير 2010 – في منتصف الهبوط الحاد في أسعار العقارات بنسبة قاربت 60 %، ذكر أن 900 شقة في البرج بقيت شاغرة وانخفضت الإيجارات حوالي 40 %.

ومع البدء في إنشاء برج المملكة في فترة هبوط أسعار النفط – والذي يعد المصدر الرئيسي للتدفق النقدي في السعودية، وجهت سؤالاً لحمود حول المدة التي سيستغرقها المشروع لتحقيق الأرباح، ولكنه عادة مرة أخرى وقال: «يرتكز نموذج الأعمال على المساهمين، وسوف تتحقق الأرباح والقيمة عندما نبدأ ببيع الأراضي. أما هدف الإدارة الفعلي الآن هو بناء كل ذلك.» في المحصلة، ليس من المستغرب أن لا يبدو على حمود أي قلق من هبوط أسعار النفط، لكونه مدعوماً من ملياردير كبير.

«لن يكون هنالك أي تباطؤ في خططنا وسنسير بالسرعة التي حددناه مسبقاً. وبالنسبة لهبوط أسعار النفط، فإن ميزانية المملكة العربية السعودية هي الأعلى في تاريخها. وينبغي لهذه المشاريع الكبرى أن تستمر في النمو بغض النظر عن أسعار النفط، إضافة إلى أن السوق سيكون مفتوحاً أمام الأجانب في يونيو 2015 مما يجلب المزيد من السيولة النقدية للمستثمرين.»

ومع ارتفاع البرج بسرعة، فقد كشف حمود أن مبيعات الشقق السكنية في البرج سوف تبدأ أواخر هذه السنة وسيكون التسليم في عامي 2018 و2019. وسيبلغ إجمالي المساحة الأرضية للبرج 245,000 متر مربع وسيشتمل على مكاتب وفندق «فور سيزونز» بمائتي غرفة، و121 غرفة فندقية و360 شقة سكنية.
وستعرض الشقق «للبيع، وقد يعرض بعضها للإيجار واستثمار الأموال في بعضها بحسب السوق.» بحسب ما قاله حمود للصحفيين بأسلوبه الغامض المعهود. وفي الوقت الذي تجمع فيه شركة جدة الاقتصادية الطلبات من المشترين المحتملين من مواطني السعودية والكويت وقطر وعمان والبحرين والإمارات المؤهلين لشراء الوحدات العقارية، يتوجب على المستثمرين المحتملين من الجنسيات الأخرى أن يحصلوا على موافقة الحكومة.

بعد أن أثبتت شركة جدة الاقتصادية قدرتها للمشترين المحتملين، أظهرت الحالة الاقتصادية في جدة صورة إيجابية عامة في معظم القطاعات، ما عدا قطاع الإسكان. وفي تعليقه على سوق جدة، قال جميل غزنوي، مدير شركة «جيه أل أل» في المملكة العربية السعودية: «يظهر سوق العقار في جدة إشارات متواصلة من النمو في معظم القطاعات. وعلى الرغم من أن قطاع الإسكان شهد انخفاضاً في الإيجار، إلا أن أسعار البيع ارتفعت وخاصة للشقق».

«كما استمر قطاع الفنادق والمكاتب في أدائه الجيد، حيث ارتفعت قيمة الإيجارات ومتوسط الإيرادات اليومية، بينما بقيت معدلات عدم الإشغال مستقرة وانخفضت في بعض الأحيان. أما القطاع التجاري فقد شهد زيادة هامشية في معدلات عدم الإشغال، والتي من المرجح أن ترتفع نظراً لزيادة العرض في السوق. إلا أن ذلك لم يؤثر على إيجارات القطاع التجاري التي تظهر نمواً عاماً سليماً.»

من المرجح أن يكون سوق المكاتب هو الهدف الرئيسي لبرج المملكة والذي يظهر أداءً جيداً في مدينة جدة. وقد بقيت معدلات عدم إشغال المكاتب مستقرة على نسبة 6 % خلال الربع الأخير، وذلك بحسب تقرير «جي إل إل» للربع الأول. ويعود ذلك بشكل كبير إلى المساحات المكتبية المحدودة التي دخلت السوق خلال الربع الأول من عام 2015، وبقي متوسط الإيجارات في السوق كما هو خلال هذه الفترة، ولكنها ارتفعت بنسبة 6.5 % خلال الاثني عشر شهراً السابقة لتصل إلى 990 ريال سعودي (263 دولار أمريكي) لكل متر مربع. كما واصلت الإيجارات الرئيسية مسارها المتصاعد وارتفعت لتصل إلى 1,900 ريال سعودي للمتر المربع.

ومع الإعلان عن إشغال فندق «فور سيزونز» الطوابق السفلى من البرج، فإن الأنباء الجيدة هي أن أداء سوق الفنادق جيد في جدة وما زال سليماً، حيث بقيت نسبة الإشغال مستقرة نسبياً بنسبة سنوية بلغت 73 %. أما متوسط الإيرادات اليومية فهو ثابت، فقد انخفض بنسبة هامشية بلغت 0.4 % ليصل إلى 241 دولار أمريكي، وذلك مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. وانخفض الإيراد لكل غرفة بنسبة 2.8 % فقط فبلغ 175 دولار أمريكي مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

وكانت الإشارة التحذيرية الوحيدة من شركة «جي إل إل» تتعلق بسوق العقارات السكنية. فبينما واصلت أسعار البيع ارتفاعها وقفزت الإيجارات بنسبة 7.5 %، إلا أن عدد المعاملات المسجلة من قبل وزارة العدل انخفضت بشكل كبير نتيجة لنسبة 30 % الواردة في قانون الرهن وهبوط أسعار النفط. ومنذ تطبيق أنظمة الرهن المتشدد عام 2014، انخفضت معاملات الشقق بنسبة 27 %.

على الرغم من تنبؤات السوق المختلطة، فقد أفاد حمود بأن المشروع يتم تمويله حالياً بواسطة قرض من البنوك السعودية والذي سيتم استكمال العمل به خلال هذه السنة. ووفقاً لتقرير أصدرته «بلومبيرغ» السنة الماضية، فإن الشركة تجري مباحثات لجلب بنك الإنماء ومقره الرياض ليعمل كجهة استشارية وإقراضية، بينما قال حمود سابقاً بأن بنك «بي ان بي باريباس» كان يقدم الاستشارات للشركة حول التفاصيل المالية.

وهنالك خيار آخر لجمع الأموال وهو طرح أسهم الشركة للتداول، وقد قال حمود بأن شركة جدة الاقتصادية قد تتوجه لتكون شركة عامة «في الوقت المناسب» ولكنه لم يكشف عن إطار زمني أو برنامج محدد. ولحسن الحظ لا يقع العبء المالي كله على عاتق الأمير الوليد، حيث تمتلك شركة أبرار القابضة ومقرها جدة 33.4 % من شركة جدة الاقتصادية، بينما يمتلك كل من المقاول الرئيسي مجموعة بن لادن السعودية وشركة قلاع جدة حصة بنسبة 16.6 % لكل منهما مما يساعد في توزيع التكاليف والتحديات.

وأضاف حمود متفائلاً: «لا يوجد مشروع دون تحديات ودون صعوبات فهنالك الإنشاءات والرياح والواجهات والمستشارون والأمان من الحرائق وغيرها الكثير. وأعتقد أنه بوجود خبرة وبراعة المصممين والمستشارين وفريق العمل، لن يكون هنالك أي مستحيل. وسوف نتخطى كافة التحديات والصعوبات، فنحن نستخدم الأدوات الأحدث والأكثر تطوراً.»

إن إنشاء هذا البرج يعد بحد ذاته أمراً جديداً كلياً، حيث أن البناء بارتفاع 1 كيلومتر هو بناء في المجهول. فكيف سيتمكن العمال من العمل على مثل هذا الارتفاع؟

وقد أقر حمود قائلاً: «صراحة، لا أملك إجابة على هذا السؤال لحد الآن، وهذه القضية من ضمن اختصاص المقاول. وما أعلمه أنه سيكون لدينا ثلاث نوبات عمل كل واحدة منها بثماني ساعات. كما يتم إدراج إجراءات السلامة في كل جدول أعمال اجتماعاتنا: لا مزاح، لا مخاطر، لا شيء. لقد حددنا المعايير، حيث تصبح مسألة الصحة والسلامة أكثر صعوبة مع زيادة ارتفاع البناء، وعلينا أن نقوم بتثقيف الأفراد على احترام القواعد من اليوم الأول.»

«ما تم القيام به سابقاً تم القيام به في مبانٍ أخرى حول العالم، ويمتلك المقاولون لدينا خبرات في المملكة. فهم من أنشأ برج الساعة في مكة المكرمة والتي يبلغ ارتفاعها 650 متراً – لذلك فهم وصلوا إلى هذا الارتفاع فعلاً.»

«ومن الآن حتى ذلك الوقت، قام مستشارونا بتعيين أفراد موهوبين ممن عملوا في المباني المرتفعة حول العالم. يعتمد الأمر على براعة الأفراد والخبرة والمعرفة.»

نظراً لبقاء ثلاث سنوات حتى الافتتاح المرتقب، قد يقول الكثير أنه من غير المرجح أن يشهد برج المملكة مثل الجلبة التي أحاطت ببرج خليفة في دبي بألعابه النارية وحفلاته الباذخة، وخاصة في ظل النهج الأكثر تحفظاً السائد في المملكة العربية السعودية. ومع ذلك، يقول حمود إنه أمر ينبغي عدم الاستهانة به: «إننا نفكر خارج الصندوق.» «إننا نفكر بعروض ترفيهية كبيرة، وقد تحدثنا مع المستشارين ، وإذا كان لديك أية أفكار فإننا نرحب بك (لتقدمها لهم).»

الزمن وحده كفيل بإعلامنا بما سيحدث، ولكن جدة في عام 2018 سترتفع إلى المستوى العالمي، وسوف ينتظر الجميع لرؤية ما ستقدمه. هل ستتحمل اختبار الزمن مثل الأهرامات العظيمة، ـما أنها ستكون أكبر فيل أبيض في العالم؟ من المبكر جداً قول ذلك، ولكن لدى العودة إلى سجل خبرات الأبراج التي حطمت الأرقام القياسية، فإنه من المتوقع استغراق وقت طويل لوضع التقديرات من وجهة نظر اقتصادية.