التفكير المتكامل

معرض ومؤتمر سيتي سكيب متخم بالمشاريع العقارية المذهلة. ولكن من الذي يخطط للبنية التحتية الخاصة بالمواصلات والتي ستعمل على ربط هذه المشاريع مع بعضها البعض؟
بواسطة Asad Azizi
الخميس, 04 أكتوبر , 2007

معرض ومؤتمر سيتي سكيب متخم بالمشاريع العقارية المذهلة. ولكن من الذي يخطط للبنية التحتية الخاصة بالمواصلات والتي ستعمل على ربط هذه المشاريع مع بعضها البعض؟

في عام 1807 واجه دي وت كلتنون مشكلة، وهو أحد الأوائل الذين يتولون منصب عمدة مدينة نيويورك.

وكانت الأعوام السابقة قد شهدت ازدهار كبير لهذه المحطة التجارية التي أخذت بالظهور للعيان لتصبح هذه المدينة عاصمة أمريكا التي تشهد تسارعاً في صناعة الشحن بالسفن.

وتدفق المهاجرون البريطانيون والألمان إلى المدينة المزدهرة ،إلى مانهاتن على وجه الخصوص، واكتظوا في الطرف الجنوبي من الجزيرة في المنطقة التي تعرف اليوم باسم ذا فيلاج.

ونتيجة لذلك أصبحت العقارات في مانهاتن أغلى ما موجود في العالم.

وكان النمو الحاصل في المدينة يتم بطريقة سريعة وغير منظمة مما أدى إلى شبكة فوضوية من الطرق الضيقة التي كانت تهدد بإعاقة الرخاء الاقتصادي لهذه المنطقة.

عندها أتى تصرف عمدة المدينة كلنتون حاسماً حين طلب من أحدى الهيئات وضع خطة لمعالجة هذا التوسع المدني المحتوم وغير المنظم الذي يتوجه إلى شمال مانهاتن.

وبعد مضي أربع سنوات، تم إنجاز الخطة ووضعت تفاصيل مستقبل المدينة والمتمثلة في شبكة اعتيادية تتكون من 12 جادة تسير من الشمال إلى الجنوب و155 طريقاً يمضي من الشرق إلى الغرب.

ولا تزال الشبكة المرورية هذه باقية ليومنا هذا، إذ أنها جعلت من مانهاتن واحدة من أكثر مراكز المدن في العالم التي تسهل القيادة عبر شوارعها.

وكذلك أصبح التنقل فيها غير مجهد نسبياً بفضل نظام النقل العام الذي تم تطبيقه في عام 1831 بتوفر وسيلة الحافلات التي تجرها الخيول والتي كانت منتشرة في شوارع المدينة. أما الآن فان هذا النظام يضم قطارات الأنفاق والحافلات وسيارات الأجرة الصفراء الموجودة بوفرة.

وها هي دبي وبعد مضي 200 عام تعمل على وضع معالجات لمشاكل مشابهة لتلك التي كان العمدة كلنتون قد واجهها.

فقد أدى النمو المتسارع في أعداد السكان والمشاريع الإنشائية الذي جاء نتيجة لنجاحها الاقتصادي إلى أن تصبح دبي واحدة من أغلى المدن في العالم.

إذ أن حدود المدينة التي كانت ولغاية قبل 20 عاماً من الآن تمتد فقط لتصل إلى المركز الدولي للمعارض حيث يقام معرض ومؤتمر سيتي سكيب، اندفعت باتجاه الجنوب نحو منطقة جبل علي بمينائها ومنطقتها الحرة اللذان يحققان نجاحاً ضخماً.

غير أنها تفتقر إلى تخطيط للمدينة من النوع الذي نفذه العمدة كلنتون في مدينة نيويورك. فقد تم كسر القيود الموضوعة على نوعية ما يمكن بناءه والمكان الذي يتم فيه البناء حين جرف النظام الرأس مالي المندفع بقوة كل ما يقف في طريقه (علماً أنه كان في العادة لا يسمح للبنايات بأن ترتفع لأكثر من 8 طوابق على طول طريق الشيخ زايد!).

وعلى مدى العقد الماضي كان المشهد يضم قوتين متضاربتين. فقد أعلن أصحاب مشاريع البناء العقاري المملوكة من قبل الدولة وتلك الخاصة بالقطاع الخاص عن عدد لا يحصى ولا يعد من المشاريع - وكل واحد منهم يعمل بطموح أكبر وبمساحة أوسع من الآخر.

فمدينة الانترنت والمدينة الإعلامية وبحيرات الإمارات ودبي لاند وجزيرة النخلة والمارينا كل هذه هي مشاريع تجارية منتشرة على الخريطة كما لو أن طائرة قامت بإسقاطها من الأعلى.

وفي خضم هذه المشاريع أصبح نظام الطرق في دبي مثقل إلى حد الانهيار، ويعود السبب في ذلك على وجه الخصوص إلى تحركات جهود البناء وهي ترتحل جيئةً وذهاباً إلى مواقع البناء الهائلة الخاصة بها.

إذ لم يتم وضع سياسة للنقل العام في السنوات الأولى من هذا النمو على أرض الواقع، وحتى في هذا الوقت فان وضع قيود على تدخل القطاع الخاص في تقديم الخدمات يمنع تطبيق مثل هذه السياسة.

وحتى وقت قريب بقيت خدمة سيارات الأجرة حكر يقع تحت سيطرة الدولة. وعانت خدمة حافلات النقل من كونها خدمة بائسة ببقاء هذه الحفلات محشورة في الازدحام حالها في ذلك حال السيارات الأخرى. وبقيت أحلام إنشاء نظام للسكة الحديد أو المترو لا تتعدى كونها مجرد أحلام.

فدبي وبقية المدن في دولة الإمارات هي بحاجة الآن إلى التوجيه والى والنظرة المستقبلية التي تواجدت في نيويورك قبل 200 عام.

ويعتبر نظام المترو الذي هو قيد الإنشاء بداية طيبة. وكذلك فانه إذا ما تم تطبيق الرسم المفروض على السير في طريق "سالك" جنباً إلى جنب مع خدمة نقل عام يعول عليها، فان ذلك يعد إشارة على تحسن قادم. وهناك الآن ترحيب ببناء طرق وجسور على مدى واسع حتى وان كان هذا الأمر قد تأخر خمسة أعوام.

إلا أن المشاكل الناجمة عن التنقل من والى العمل من الأمارتين الشماليتين الشارقة وعجمان تعد عار وطني. إذ كان يجدر إعطاء الضوء الأخضر لمقترح حديث يقضي بإنشاء سكة حديد في جميع أرجاء دولة الإمارات قبل عقد من الآن.

وان خطوة إنشاء أطول برج في العالم وسط مركز تجمع المكاتب وناطحات السحاب السكنية المكونة لـ(بزنس باي) تدلل على دراية ضعيفة بالتخطيط.

فكيف من المتوقع أن يتنقل الناس من والى هذه المنطقة التي تعد مركزاً مالياً في ساعات الذروة؟ فهذه المنطقة تعاني في الأصل من اكتظاظ مروري فظيع منذ الفجر وحتى الليل.

ما هي الترتيبات الخاصة بالمواصلات التي يتم التخطيط لتنفيذها في أكبر جزيرة من جزر نخيل الثلاث التي هي الآن قيد الإنشاء على أرض مستصلحة تمتد على طول شاطيء الديرة؟

فحالياً لا يجرؤ أحد على القيادة إلى الديرة لأن الطرق في هذه المنطقة أصبحت غير صالحة للاستعمال منذ 10 سنوات. وهل يفترض أن يقوم سكان جزيرة الديرة الذي من المتوقع أن يصل عددهم إلى 30.000 شخص بقيادة سياراتهم خلال هذه الطرق الضيقة يومياً؟

إن معرض ومؤتمر سيتي سكيب الذي يعد الآن أكبر حدث للاستثمار والتطوير العقاري التجاري في العالم يمثل عرض ضخم لمشاريع عقارية مذهلة تقدر بمليارات الدولارات في اقتصاد دولة الإمارات.

غير أن أهم تنظيم بالنسبة للنجاح المستقبلي للعقارات في دبي لا يكمن في إقامة المعارض. فمسؤولية هيئة الطرق والنقل هي جعل المدينة تتحرك إلا إنها قررت عدم الظهور.

لذلك فبينما تشخص بعينك إلى الأعلى للنظر إلى أطول أبراج في العالم أو إلى أفق من المشاريع الساحلية التي تمتد لأميال وصولاً إلى البحر، قم بالإبقاء على التفكير في الأثر اليومي لهذه المشاريع على البنية التحتية للمواصلات واطرح السؤال الذي مفاده: هل حقاً بامكان المدينة أن تتسع للمزيد من مشاريع البناء الضخمة ما لم تظهر سلطة الطرق والنقل قدرتها على القيادة ونظرتها المستقبلة ورؤيتها لتمكن الناس من التحرك في الطرق؟

كان ذلك ممكناً منذ 200 سنة في نيويورك ويفترض أن يكون ممكناً في دبي الآن.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج