Posted inسياحة

حيث الزمن يمر متمهلاً

جاءتها الحضارة بخطىً بطيئة واستراحات على شواطئها الجميلة آخذةً قسطاً طويلاً من الراحة بعد عدوها سريعاً على باقي أقطاب الأرض.

حيث الزمن يمر متمهلاً

جاءتها الحضارة بخطىً بطيئة واستراحات على شواطئها الجميلة آخذةً قسطاً طويلاً من الراحة بعد عدوها سريعاً على باقي أقطاب الأرض. فلم يتسنى لها أن تتدخل لا بطبيعتها ولا طابعها العفوي. وليس الحضارة فحسب بل وكل زائر إلى سيشل لا يمكنه إلا أن يتمهل ويمكث ليتأمل في ما ظن أوائل مكتشفيها أنها جنة عدن.

ترقد سيشل الساحرة في أحضان المحيط الهندي على شكل لوحة مدارية طبيعية لم تعبث بها أيادي التغيير، ولا بصمات التطوير تمتد سواحلها آلاف الأميال في كل الاتجاهات، تشتهر بشواطئها المزدانة بأهداب النخيل الخضراء، وبمتعة الغوص بين شعابها المرجانية ذات الألوان الزاهية، وبغاباتها الكثيفة والغنية بأشكال الحياة البرية النادرة، إلا أن هذا التكوين الطبيعي المتفرد يقابله تواضع في النمو الاقتصادي للبلاد.

يتألف أرخبيل سيشل من نحو 115 جزيرة تبعد نحو 1600 كيلو متر من ساحل أفريقيا الشرقي، في الاتجاه الشمالي الشرقي لمدغشقر على المحيط الهندي، وتتوسط جزرها الرئيسية بقية الجزر وهي ماهي وبراسلين ولاديغو وهي عبارة عن جزر جرانيت صخرية. أما بقية الجزر فهي مرجانية يغوص معظمها تحت سطح الماء مكونةً بعض القمم المنخفضة، وهي ليست بركانية بطبيعتها كغيرها من الجزر البركانية. ومن الدول المجاورة لها جزيرة مدغشقر كما نجد أقرب الدول إليها الصومال في الجزء الشمال الغربي.

لم تشهد سيشل آثاراً لحياة بشرية واضحة إلا في القرن السابع عشر ففي القرن السادس عشر وصل البرتغاليون إلى تلك الجزر فلم يجدوا فيها حياة تذكر سوى نقطة يتخذ منها القراصنة ملاذاً وقاعدة لانطلاق سفنهم في المحيط الهندي، بعد أن امتد ذلك لأكثر من مائتي عام. وفي عام 1756م زعمت فرنسا بحقها في ضم الجزيرة وذلك بعد أن أرسل حاكم موريشاس الفرنسي ماهي دو لا بوردوناس سفينة لاستطلاع الجزر فنزل قائد السفينة في أكبر الجزر ليطلق عليها اسم حاكمه ويظل الاسم إلى الآن.

وصلت أول شحنة من الفرنسيين وبعض مواطني مستعمراتهم إلى تلك الجزر عام 1770م، وذلك لزراعة قصب السكر والبن والشاي وبعض النباتات المدارية الأخرى، وتنازلت فرنسا عن الجزيرة لصالح بريطانيا بعد الحرب التي وقعت بين البلدين أيام نابليون بونابرت وذلك في عام 1814م. ومن العام 1814 إلى 1903م كانت الجزيرة تدار كجزء من موريشاس لتصبح سيشل مستعمرة قائمة بذاتها إلى أن نالت استقلالها في يونيو من عام 1976م.

تقع سيشل إلى الجنوب من خط الاستواء وتتميز بمناخ استوائي دافىء على مدار السنة، ما يجعل منها منطقة جذب سياحي، لا سيما لمحبي الاستجمام والسباحة والغوص في جميع فصول العام، وينطبق على جزر سيشيل القول الشهير: «مصائب قوم عند قوم فوائد»، بعد كارثة تسونامي التي ضربت جارتها المالديف وغيرها من الدول الآسيوية، وهذا لأنها لم تتأثر بهذه الكارثة، استقطبت السياح الذين كانوا في طريقهم الى تمضية عطلهم في المناطق المجاورة. كل جزيرة من جزر السيشيل هي عالم بحد ذاته، ولها ما يميزها عن غيرها ويترك في ذهنك ذكرى مختلفة ونكهة خاصة، غير أن القاسم المشترك بينها، هو أنها تحت تصرفك وتدعوك للاستمتاع بها.

تقع مدينة فيكتوريا وهي عاصمة الجمهورية في جزيرة ماهي أكبر الجزر، وهي أصغر عاصمة في العالم من حيث المساحة كما أنها المدينة وميناء البلاد الوحيد، وما دونها من المدن عبارة عن مجموعة قرى صغيرة متفرقة، ولكونها المدينة الوحيدة في البلاد فقد حظيت باهتمام كبير مما أكسبها شكلاً مميزاً من حيث الجمال والتخطيط.

يعيش في فيكتوريا خليط متجانس، يضم أعراقاً مختلفة من الأهالي. أما بقية مدن الجزيرة فهي عبارة عن شواطئ ومنتجعات تأخذ الطابع القروي إلا أنها غنية بجميع مقومات المدنية، ومن بينها نجد قرية بياو فالون وهي من أكثر المنتجعات شعبية في البلاد بشاطئها الرملي النظيف، وأمواجها المرتفعة ومياهها الصافية. وهناك أيضاً قرية إيلي سوريس التي تقع على الساحل الشرقي في الجزء الجنوبي. ومن الملاحظ أن المناطق الجنوبية أجمل بكثير من تلك التي تقع في الجزء الشمالي، أما قريتي انسي سوليل وانسي بيتيتي فهما منعزلتان بعض الشيء عن بقية القرى إلا أن لهما طابعاً مميزاً، يعكسه الجمال الطبيعي الرائع الذي تزدان به القريتان.

أما جزيرة براسلين التي يزينها وادي ماي فتمثل أروع منطقة تكثر فيها أشجار نخيل الزيت، وهي من الغابات العريقة والتي يمتد عمرها إلى حقبة ما قبل التاريخ، وتشكل خيوط أشعة الشمس بتخللها أوراق النخيل منظراً شاعرياً لتلك الغابة، فضلاً عن غابة الأناناس البري الضخمة التي يكثر فيها طير الببغاء الأسود الذي لا يوجد إلا في تلك المنطقة من العالم. ومن أهم قرى ومنتجعات هذه الجزيرة انسي لازيو بشاطئها الذي تكسوه الرمال الناعمة البيضاء والمياه الفيروزية الساحرة وتحدها من الشرق صخور جرانيتية بيضاء مشكلة بذلك حمامات عملاقة. وتمتاز المنطقة بمياه ضحلة دافئة وصافية.

كما تتميز براسلين بمحمية Vallee De Mai الشهيرة بأصناف فريدة من نوعها من أشجار النخيل، وأصبحت هذه المحمية تابعة لمنظمة اليونسكو عام 1972 ووضعت في قائمة المحميات الثقافية والطبيعية في العالم، يتميز هذا المعلم السياحي بوجود بذور الـCoco De Mer التي تزن كل منها 15 كيلو غراماً، وتعتبر أكبر بذرة في الكون، وكان الاعتقاد في الماضي بأن هذه المحمية كانت جنة عدن الأصلية.

هذا بالإضافة الى وجود السلاحف الأكبر في العالم، بحيث تزن بعضها التي تسمى ازميرالدا 304 كيلو غرامات، إلى جانب وجود كائنات فريدة من نوعها مثل الطيور، ويأتي السياح من مختلف بقاع العالم إلى سيشيل لرؤية أندر أنواع الطيور على الأرض، وهناك ما لا يقل عن 12 نوعاً من الطيور، التي لا توجد سوى في هذه الجزر، بما في ذلك طائر ماغبي روبن وطائر المغني السيشيلي الذي يعيش اليوم في جزيرة كازين التي تعتبر الآن محمية طبيعية. وتعتبر الجزر السيشيلية محطة منتظمة للطيور المهاجرة من القطب الشمالي والقارة القطبية الجنوبية المتجمدة.


وتجدر الإشارة، إلى أن كل المطاعم في جزر السيشيل المأهولة تقدم المأكولات الكريولية على طريقة الـ Buffet المفتوح، حيث يتمكن بذلك السائح من تذوق أكبر قدر ممكن من الأطباق المحلية اللذيذة.

وبالعودة إلى جزيرة ماهي الأكبر في السيشيل، يمكنك أن تقوم برحلة إلى أعلى قمة جبل فيها، حيث توجد محميات لزراعة الشاي ومناظر خلابة مطلة على العاصمة وجزر أخرى مأهولة وغير مأهولة.

أما شواطئ سيشل فتوصف بأنها أجمل شواطئ على وجه الأرض، فرملها أبيض وناعم ونظيف جداً. ومياه الشواطئ ملونة بلون الزمرد الأخضر والأزرق حيث توجد الشواطئ الضحلة والتي تسمح من نظافتها وصفاء المياه فيها للسائح أن يرى الأسماك وهي تسير في مجموعاتها الكبيرة بالعين المجردة وهو يخوض في الشاطئ النظيف، أو يركب القوارب الزجاجية التي تقوم بجولاتها الاستكشافية في كل ساعة، محملة بالزوار والسائحين ليشاهدوا عالم الأسماك كما هو في طبيعته التي لم يتدخل بها الإنسان.

خليط الأجناس

كما في طبيعتها الألوان الكثيرة والمتجانسة في الأعراق التي تسكنها أصولٌ متعددة متعايشة بسلام، حيث يتألف الشعب السيشلي من عدة أجناس، وأعراق مختلفة. عندما وصلت أول سفينة محملة بالعمال إلى الجزيرة عام 1770م، وهم مجموعة من الفرنسيين برفقة بعض شعوب مستعمراتهم من الأفارقة لإعانتهم، وبعد أن تأكدوا من صلاحية الأرض لبعض المنتجات الزراعية استجلبوا المزيد من العمال للعمل في حقول قصب السكر والبن والكسافة وغيرها من النباتات المدارية الأخرى، فاستقرت هذه الشعوب مكونة قرى صغيرة ومتفرقة، وبعد أن انتقلت المنطقة إلى السيادة الإنجليزية فضل بعض الفرنسيين البقاء.

وفي محاولة من الإنجليز لزيادة الإنتاج الزراعي في تلك الجزر لجأوا إلى استجلاب المزيد من العمالة، وكان ذلك من أكبر مستعمرات بريطانيا في آسيا وهما الهند والصين لتضاف إلى شعوب الجزيرة أجناس أخرى رفعت من نسبة التباين العرقي. وبالرغم من هذا التنوع لا تزال سيشل من الدول الفقيرة من حيث السكان حيث يبلغ التعداد الحالي للسكان حسب آخر إحصاء أجري عام 2002م فقط 300 ،80 نسمة في نسب متفاوتة من الأفارقة والهنود والصينيين والأوروبيين، إضافة إلى قليل من العرب.

هذا التنوع العرقي يقابله بالطبع تنوع ثقافي حسب الأعراق التي تشكل شعب البلاد، إلا أن الثقافة الأفريقية طغت بعض الشيء على غيرها من الثقافات الأخرى بالرغم من أنها لم تزلها تماماً، ويظهر ذلك من خلال اللغة، فبالرغم من أن اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية وتليها الفرنسية، إلا أن الكرويل والسواحلية ظلتا أكثر اللغات تحدثاً بين الناس إضافة إلى اللغة العربية ولم يقتصر التفوق الثقافي الإفريقي على اللغة وحسب بل شمل معظم فعاليات الحياة الأخرى.

وكان لمدغشقر دور كبير في ذلك الأمر إضافة إلى كون البلاد من جزر القارة الأفريقية، وذلك من خلال الأغاني والألحان التي أصبحت جزءاً من الحياة المعيشية، هذا بالإضافة إلى الثقافة الهندية والصينية والعربية التي تمارس بشكل واسع بين طوائف هذه الشعوب.

للأثرياء فقط

زيارة هذه الجزر يقدم عليها فئة خاصة من السياح يبحثون عن المتعة والطبيعة البريئة بدون صخب الحياة العصرية، لذا فإن هناك فنادق مميزة، ولكنها تنتمي إلى بيئة الهدوء، فلا يوجد فنادق شهيرة، وأكثر فنادقها تعتمد على الاندماج في البيئة، لذا أكثرها عبارة عن مساكن منفردة أو فنادق لا ترتفع أكثر من دورين فقط.

والسياحة في هذه الجزر تتطلب نوعاً خاصاً من السياح، فهي ليست لذوي الدخل المحدود، فمتوسط تكلفة الليلة في هذه الجزر للسياح القادمين إليها هي 750 دولاراً، بل إن هناك جزراً تؤجر بكاملها، منها جزيرة فيليست التي لا تزيد مساحتها عن ثلاثة كيلومترات مربعة، وتحتوي على فندق يتسع لستة عشر شخصاً، مع ملعب للتنس ومسبح وقارب سياحي. وتؤجر هذه الجزيرة بكل خدماتها السياحية بمبلغ 15000 دولار لليلة الواحدة، ولا بد من الحجز مقدماً، لأنها مشغولة أكثر أيام السنة، حيث يقبل على استئجارها الأغنياء بأسرهم وأصحاب الشركات الكبيرة والمديرون الذين يبحثون عن الراحة والهدوء والانعزال عن العالم،ولكن بدون افتقاد للمتعة.

لذا فقد أقيمت فيها بعض الاحتفالات الغالية، مثل مسابقات الجمال العالمية، حيث أن السياحة فيها مخصصة لفئة قادرة على تحمل مصاريف المتعة. و يزور هذه الجزر عدد قليل من السياح مقارنة بالأماكن السياحية الأخرى بسبب البعد والغلاء، فمتوسط عدد زوارها السنوي لا يزيد على 150 ألف زائر فقط.