في المرة السابقة التي اخرج فيها هولندي فيلما ينتقد الإسلام دفع حياته ثمنا لذلك. وكانت الطعنة التي تلقاها المخرج ثيو فان جوخ في صدره من قاتله الهولندي المغربي الأصل بمثابة برقية تحذير لغيره من المسيئين للإسلام.
وبعد ثلاثة أعوام ونصف العام تستعد هولندا لاستقبال فيلم جديد عن الإسلام أخرجه نائب يميني بالبرلمان الهولندي يقول أن التهديدات المتعددة بالقتل التي تلقاها لن تثنيه عن مهمته وهي “كشف مخاطر الإسلام”.
وأثار خيرت فيلدرز (44 عاما) الذي طالما أثار الجدل في بلاده بسبب مناهضته للإسلام موجة غضب عالمية بين مسلمين على بعد آلاف الأميال أصبحوا يحرقون علم هولندا إلى جانب علم الدنمرك في احتجاجاتهم. وفي الأشهر السابقة على صدور الفيلم كان فيلدرز يرقب الاحتجاجات المحتدمة وتصاعدها الذي أثار قلق الحكومة الهولندية.
وقال اندريه كروفيل أستاذ العلوم بالسياسية بالجامعة الحرة في أمستردام “فيلدرز حدد جدول الأعمال ويتبعه آخرون… أنه سياسي بارع.”
وفي بادئ الأمر ناشدت الحكومة الهولندية فيلدرز عدم عرض فيلمه ثم درست إمكانية منعه إلى أن اضطرت إلى حشد التأييد الأوروبي لمواجهة النتائج المحتملة وخططت لحملات في الخارج لتحسين صورتها وحملة في الداخل للحد من الأضرار.
وفي حين تترقب الحكومة تكرارا لأعمال العنف التي أثارتها رسوم الكاريكاتير الدنمركية للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في عام 2006 فض فيلدرز يده من أي مسؤولية وألقى اللوم على رد الفعل المتوتر من جانب رئيس الوزراء.
ومن المتوقع أن يعرض فيلدرز الذي يحذر من “موجة مد إسلامية عاتية” في بلد يضم نحو مليون مسلم فيلمه في نهاية هذا الشهر على موقع (فيتنا ذا موفي دوت كوم) على إنترنت مما يتيح رؤيته للمشاهدين على مستوى العالم.
ولم يورد تفاصيل تذكر عن فحوى الفيلم ومدته 15 دقيقة والذي لم تبد أي محطة تلفزيونية استعدادها لعرضه مما ترك الناس يستنتجون أنه سيحمل نبرة مشابهة لعبارات شجب للإسلام سبق وأن رددها فيلدرز.
وقال فيلدرز في حديث لصحيفة دي بيرس اليومية العام الماضي ” الإسلام دين عنف. إذا كان محمد يحيا بيننا اليوم أتصور أنني كنت سأطرده من البلد… كمتطرف.”
وكان حب فيلدرز للشهرة وإثارة الجدل السياسي قد جذب إليه الأضواء في بلاده قبل خمس سنوات عندما أثار مسألة عدم الارتياح في البلاد بشأن اندماج المسلمين في المجتمع الهولندي وانتقد عجز النخبة السياسية.
واتبع فيلدرز الطويل ذو الشعر الأشقر المصبوغ خطى السياسي بيم فورتوين المناهض للمهاجرين الذي قتله ناشط يساري عام 2002 . وسرعان ما وجد من يتبعه وبدأ سلسلة من الحملات الجريئة. وشملت هذه الحملات دعوات لحظر ارتداء النقاب ومنع هجرة المسلمين وبناء المساجد. وشكك فيلدرز في ولاء وزراء هولنديين مسلمين واقترح أن يجبروا على التخلي عن جنسياتهم الأخرى.
وعلى مدى العام الماضي انصب تركيز فيلدرز على القرآن وشبهه بكتاب “كفاحي” لأودولف هتلر وحث الهولنديين المسلمين على التخلي عنه واقترح حظره لأنه محرض على العنف. ويقول منتقدو الفيلم أنه مجرد خطوة تالية منطقية لرجل يسعى لتحقيق مكاسب سياسية ولتعزيز مكانته على الساحة العالمية باستغلال قلق الليبراليين بشأن القيود على حرية التعبير.
ويثير ذلك ذكريات مؤلمة في هولندا عن اغتيال ثيو فان جوخ في عام 2004 الذي أعد فيلما بالاشتراك مع النائبة الصومالية المولد أيان هيرسي علي ينتقد معاملة الإسلام للمرأة. وأطلقت عملية الاغتيال هذه فترة من العنف والتوترات الاجتماعية لم يسبق لها مثيل في البلد الذي كان ينظر إليه باعتباره نموذجا للتسامح. وعلى الرغم من استعادة الهدوء بسرعة ظل فيلدرز يستغل المشاعر المناهضة للإسلام ويختار مواعيد إعلاناته وحملاته لتحقق أكبر تغطية إعلامية.
وهو يقول أن ما يحركه هو رغبته في التمسك بالحريات المعتادة في هولندا مثل حرية التعبير وفي تغيير الثقافة السياسية على الرغم من أنه لا يرغب هو شخصيا في دخول الحكومة.
وقال كروفيل “أنه يحدث تحولا في السياسة الهولندية وهو أمر من المذهل متابعته. الأحزاب التقليدية مذهولة وليس لديها رد عما هو أخطر شيء.” ومن الواضح أن رسالة فيلدرز قد لاقت صدى في بلاده. فقد اختاره الرأي العام “شخصية العام السياسية” في عام 2007.
وفي الانتخابات العامة الماضية في 2006 حصل حزبه الجديد “الحرية” على تسعة مقاعد من 150 مقعدا جرى التنافس عليها. وتظهر أحدث استطلاعات للرأي أن بإمكانه الآن الحصول على 15 مقعدا.
وجذور فيلدرز السياسية تنتمي إلى التيار اليميني المعتدل. فقد دخل البرلمان في عام 1998 عن حزب ليبرالي كانت تنتمي له أيضاً هيرسي علي لكنه تركه في عام 2004 بعد خلافات متكررة بسبب معارضته الشخصية لمساعي تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي. واستمر في البرلمان كنائب مستقل قبل أن يشكل حزب الحرية.
ولا يعرف الكثير عن الحياة الشخصية للرجل الذي ولد في جنوب هولندا الكاثوليكي والذي اضطر للعيش تحت حراسة مشددة منذ عام 2004 بل أنه اضطر للعيش في زنزانة عندما اختبأ بادئ الأمر. وتقول وسائل إعلام هولندية أن زوجته تحمل الجنسيتين الهولندية والمجرية وأنه يقول أن هواياته تنحصر في القراءة والكتابة.
