لا يمكن أن يكون هناك طرفا يعتد به أكثر من الوكالة الدولية للطاقة التي تتوقع نموا للطلب العالمي بمعدل 36 % بين عامي 2009 و2035، مع دول تتصدر الطلب مثل الصين والهند العالم العربي. ويتوقع أن يمثل الطلب من الصين ما بين 25 و40 % في زيادة الطلب العالمي مدفوعا بشهية شرهة هناك لحيازة السيارات. يضاف إلى ذلك استئناف النشاط الاقتصادي في ألمانيا أي قلب القطاع الصناعي في الاتحاد الأوربي إلى جانب الولايات المتحدة مع ازدهار التجارة الدولية.
لكن المعروض لا يواكب الطلب على النفط ومنتجاته من المشتقات النفطية من قبل سكان العالم الذين وصل تعدادهم إلى 7 مليارات نسمة. وعلى جانب المعروض أيضا نشر تقييم في صحيفة بتروليوم نيوز عام 2009، لحوالي 800 حقل نفطي في العالم تغطي ثلاثة أرباع الاحتياطي العالمي للنفط، ووجد أن معظم الحقول الضخمة قد تجاوزت مرحلة الذروة مع تسارع في وتيرة تراجع إنتاج النفط. إلى جانب ذلك يحدد الخبراء ضآلة الاستثمارات من قبل الدول المنتجة للنفط، وهو جانب توقع له أن يؤدي إلى نقص حاد في الإمدادات النفطية مع استعادة معدلات النمو مساوية لتلك التي كانت موجودة قبل 2008. يمكن الإجابة على الاتجاه الذي تسلكه أسعار النفط باختصار وهو صعودا وبارتفاع شديد.
ما يعيب ذلك السرد أنه يعتبر العالم مجرد سوق ويرى النفط سلعة فيه مع مستقبل يمكن توقع ما سيحدث فيه. لكن الاستشارة الأكثر منطقية تأتي من الحكيم الروماني بيلاني الذي أكد أن اليقين الوحيد هو أنه لا يوجد شيء مؤكد.
فالاتجاه الذي ستسلكه أسعار النفط يرتبط بعلاقة وثيقة بالعملية الجدلية التي نسميها العولمة. فمن سمات هذه ازدهار متنامي مع اختلال عميق في توازنات التطور الاقتصادي وهيكلية تنحدر بشدة في توزيع الثروة والنفوذ مع توزيع لبنى القوى العالمية وتشابك غير مسبوق في علاقات البشر من خلال التلفاز والهاتف الجوال والإنترنت، وبالتالي تلاقي قريب في حميمية لا مثيل لها رغم التباعد القائم والذي تفرضه الثقافات واللغات والأديان. فالعولمة ليست طريقا باتجاه واحد يؤدي للازدهار والحريات للجميع.
لا بد أن نستعيد ونتذكر ذلك من خلال حادثتين وقعتا مؤخرا. ترتبط الأولى بالحقيقة الجيولوجية وهي أن نفوذ السوق لدى دول قليلة منتجة للنفط وتمتلك احتياطي كبير للنفط، وهي في أغلبها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج، هي قوة متنامية تمثل 40 % من حصة سوق النفط العالمي ويمكن أن تنمو مستقبلا في حال استمرار توجهات السوق المشار إليها أعلاه. أما الحادثة الثانية فهي الاقتراح ذي الأبعاد الهائلة لمجلس حقوق الإنسان الذي عينه الرئيس الروسي مدفيديف وهو اعتبار الاتحاد السوفياتي دولة إجرامية وكشف النقاب عن كل أرشيف أنشطتها أمام الدارسين. وتشير فحوى الاقتراح إلى أهمية عبارة “الإقرار الكامل بكارثة روسيا في القرن العشرين” لتوطيد ثقة الجمهور بالدولة الروسية.
فإلى جانب الحسابات العقلانية للعرض والطلب إلا أن المسيرة الإنسانية تدفعها ابتكاراتنا الجمعية وبعواطفنا وأحاسيسنا. ولا يمكن الاستهانة بالعواطف خاصة مع النفط حيث يستحضر اعتماد العالم المتزايد على منطقة محددة في العالم وهي الشرق الأوسط، عامل الخوف الذي يساهم بما بين 15 إلى 20 دولار من سعر البرميل في قفزات الأسعار.
تدفع زيادة اعتماد العالم على منطقة الشرق الأوسط بمخاوف انقطاع الإمدادات المرتبطة باحتمالات تحول إيران إلى بلد نووي والتبدلات الاجتماعية التي تكتسح العالم العربي أو تأرجح إمساك بعض الحكام على السلطة، كما ظهر في في السقوط الأخير للرئيسين بن علي ومبارك في تونس ومصر والأحداث الجارية في ليبيا أو الاضطرابات في سوريا والبحرين.
تتضاعف هذه مع مخاوف في المنطقة وغيرها بحيث تم تفسير تصميم بوش على إقصاء صدام حسن مطلع العالم 2003 على أنه استحواذ على احتياطي النفط العراقي وهو نفس الدافع الذي يحرك سياسات فرنسا وبريطانيا بدعم من الولايات المتحدة لتطبيق القرار 1973 للحظر الجوي على ليبيا.
يكمن الدافع في تبني الاتحاد الأوروبي لقضية حقوق الإنسان ردا على كارثة الحربين العالميتين ومحور الصراع الذي أصاب الدول الشيوعية في أوروبا الشرقية عام 1989 والذي أدى إلى الوحدة الألمانية وانهيار القوة السوفياتية.
وفي نظر حكومتي فرنسا وبريطانيا فإن الاتحاد الأوروبي سيفقد كل مصداقيته في أعين مواطنيها لو تمكنت دبابات القذافي من سحق معارضيه في بنغازي كما حصل مع دبابات الجيش الأحمر التي سحقت حركة الاحتجاجات الطلابية في براغ في أغسطس 1968. الربيع العربي كما اصطلح على تسميته، هو مصلحة أوروبية تفتح المجال أمام ترتبيات سلام واسعة في المنطقة وإلى استيعاب أكثر نجاحا للإسلام الأوروبي ولتقليص متأني للوجود الأمريكي هناك وهو تطور يمكن اعتباره في صالح الولايات المتحدة.
ولا تقل أهمية خطة الرئاسة الروسية للتنديد بالاتحاد السوفياتية عن هذه التطورات. ومنذ تسبب المهزلة الدبلوماسية الروسية في أغسطس 2008 لغزو جورجيا، بتشويش رؤية روسيا التي ترى انتعاش روسيا مقتصرا على العملات الأجنبية من خلال الاستحواذ على دولة نفطية، فقد اتخذت روسيا خطوات واضحة للاقتراب من الاتحاد الأوروبي مع مواصلة سياسة يلتسين بالتعاون مع الصين حول التجارة ونقل التقنية أو تسوية النزاعات الحدودية. ويظهر ذلك بصورة خاصة بانضمام روسيا إلى الصين في معارضة القوى الغربية في تفسير القرار 2005 على أنه ينص على القيام (المجتمع الدولي) بالتدخل في النزاعات الداخلية للدول الأخرى باسم الدواعي الإنسانية. لكن ذلك يلخص مجمل الاتفاق في العلاقات بين الصين وروسيا. وفي فإن روسيا تخشى الصين وفي العام 1990 كان الاقتصاد الروسي والاقتصاد الصيني متساوين في الحجم بينما أصبح اقتصاد الصين في العام 2011 أكبر من الاقتصاد الروسي بخمس مرات ويرجح أن يصبح أكبر بعشر مرات مع نهاية العقد القادم.
امتعاض روسيا
من إجبارها على لعب دور تابع يزود الصين بالمواد الأولية في نمط التبادل التجاري، فبالرغم من تعطش الصين للوصول إلى النفط والغاز في سيببيريا، لا يمثل ذلك سوى 10 % من إجمالي ما تصدره روسيا من نفط سيبيريا إلى الصين مقارنة مع 80 % من النفط والغاز الروسي الذي يصدر لأوروبا. ويأتي الاحتياطي الرسمي في روسيا من العملات الصعبة بعملة اليورو. اتبع هذا الانفتاح التجاري مع الاتحاد الأوروبي خلال السنتين الماضيتين بتعزيز العلاقات مع ألمانيا وإيطاليا وفرنسا خاصة عقب التحسن في العلاقات الروسية البولندية الذي تلى اعتراف موسكو العلني بجريمة ستالين حين أمر شرطته عام 1940 بقتل 22 ألف ضابط ومواطن بولندي في مذبحة غابة كاتين غرب مدينة سمولنسك. وفي حال أفلحت الرئاسة الروسية في الإعلان رسميا عن اعتبار الدولة السوفياتية دولة إجرامية فإن تأثير ذلك على الشؤون العالمية فلا يمكن المبالغة بالتأثير الكبير لذلك.
كان وجود الاتحاد السوفياتي حدثا حاسما في القرن الماضي وتجريمه رسميا هو خطوة حيوية أمام روسيا للاستناد إلى الاتحاد الأوروبي كحليف رئيسي لها. وبذات الوقت فإن خطوة كتلك ستمثل تحديا لجذور شرعية دولة الحزب الصينية، والذي دفعت تفاعلاته الدينامية بالقوى الأخرى لعقد تحالفات مضادة لاحتواءه حيث لقب بأضخم “تنين بين الجميع” من قبل المستشار الوزاري السنغافوري لي كوان يو.
هناك نظرة متحيزة تنتشر على نطاق واسع في أوروبا والولايات المتحدة وهي أن العملية الديمقراطية تستند إلى التحول للنموذج الليبرالي من الانتخابات الحرة وفصل السلطات وحكم القانون وحرية التعبير. لكن العملية الديمقراطية تنسجم أيضا مع النظام الثيوقراطي كما هو الحال في إيران حيث يضمن الجيش النظام المدني ويخضع للنفوذ الديني كما ظهر ف يالتطورات الأخيرة في تركيا وفي مصر أو حتى في دولة الحزب الصيني. يتعثر الغرب بنفسه إذا أخطأ ممثلوه باعتبار مظاهر السطح الغربية هي جوهر تغييرات التقاليد والعواطف. ماذا يهم كل ذلك في الإجابة على توجه أسعار النفط؟ لأن العواطف هي محرك دفع للناس وهؤلاء يتحكمون بالأسواق فإن أسعار النفط قد ترتفع كما أنها قد تنخفض، والجواب الشافي لدى الحكيم الروماني بيلاني.
