عبر رسالة مسجلة خاطب بها الأمير تشارلز جلسات منتدى جدة الاقتصادي الذي عقد الأسبوع الماضي، طرح ولي العهد البريطاني سؤالا كان له وقع القنبلة على الحضور لدرجة أن أحدا لم يستطع تقديم إجابة عليه.
فعندما انتقل الأمير تشارلز للحديث عن الطاقة، شدد على ضرورة أن يحسن العالم استعمال الموارد الطبيعية، وأشار إلى أن العالم يتصرف مع موارد الطاقة وكأنها لن تكون فانية. وما لبث بعدها أن قال أن البيئة ليست ترفاً متسائلا “لماذا لا نفكر في أن ندفع مقابلاً للحصول على هواء نقي” ؟. فحاجتنا للهواء أكبر من حاجتنا إلى الكهرباء.
خلاصة جيدة تلك التي توصل إليها أمير ويلز. فمعدلات ثاني أكسيد الكربون في كوكب الأرض هي حالياً في أعلى مستوى لها منذ 420 ألف عام.وهذا ماحدا باللجنة العالمية للتغيير المناخي للتحذير من أنه “ما لم يتم تقليص معدلات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للأرض وبشكل كبير، فإن معدل الحرارة سيرتفع بمقدار 5.8 درجة مئوية بحلول عام 2100”. ولتحقيق مثل هذا التخفيض، قالت اللجنة أن ذلك يتطلب التقليص الشديد للانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري بما لا يقل عن 80 في المائة بحلول عام 2050 على أبعد تقدير.
وعلى مدى الـ 100عام الماضية، ارتفع معدل حرارة الأرض 6 درجات مئوية، فيما أتت عشرة من أكثر 18 عاماً حرارة خلال الـ 14 سنة الماضية.
أما الوكالة الأمريكية لحماية البيئة فتقدر أن هناك 120 مليون أمريكي يعيشون في مناطق يسودها هواء غير صحي. وهذا الوضع يفاقم من أمراض الجهاز التنفسي مثل الربو وانتفاخ الرئة وحتى الوفاة المبكرة. والهواء الملوث يضر بالبيئة أيضاً حيث يتسبب بالأمطار الحمضية وبمفاقمة مشكلة الأوزون. وتقول الوكالة أن محطات الكهرباء هي المصدر الصناعي الأضخم لبعض من أسوأ أشكال تلوث الهواء.
ورغم هذه الصورة المأساوية للمدن الأمريكية، فإنها أي المدن الأمريكية، تبقى أفضل حالاً بكثير من المدن الأخرى الأكثر تلوثاً في العالم، مثل مكسيكو سيتي، حيث نادراً ما يستخدم الأطفال اللون الأزرق وهم يرسمون السماء.
أما معهد الموارد العالمية الأمريكي فيعتبر العاصمة المكسيكية «أكثر مدن العالم خطراً على صحة الأطفال نتيجة تلوث الهواء، وبعدها بفارق ليس كبيراً تأتي مدن أخرى مثل بكين وشنغهاي وطهران وكلكتا والقاهرة وأثينا”.
ولا بد من التذكير هنا بأن ظاهرة الاحتباس الحراري قد سميت بهذا الإسم لأن مفعولها في الغلاف الجوي يشبه مفعول الألواح الزجاجية في البيوت البلاستيكية المستخدمة في الزراعة المحمية وهي حبس الحرارة ومنعها من النفاذ للخارج. وعمليات الحرق المختلفة في العالم، سواء حرق البترول أوالغاز أو الفحم الحجري أو الأخشاب، يزيد من تركيز هذه الغازات في الغلاف الجوي للأرض.
وهنا أيضا لابد من أن أسرد تلك المعادلة المخيفة التي قرأتها قبل سنوات ومفادها أن الهواء الذي تلوثه سيارة واحدة تقطع مسافة بسيطة مثل المسافة بين دبي وأبوظبي أي 150 كيلومترا يكفي لتنفس إنسان واحد طيلة 25 عاما.
وبناء على السجلات الإحصائية المتوفرة حاليا، يمكن القول أن الوضع قد أصبح متردياً منذ الآن. فالمنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة أكدت أن العام الماضي كان في المرتبة الثالثة لأكثر الأعوام حرارة منذ عرف الإنسان أول سجلات الطقس في ستينيات القرن التاسع عشر. أما عام 2002 فكان في المرتبة الثانية فيما كان عام 1998 في المرتبة الأولى.
ولا بد من القول أيضا أن استجابة البشر للتغيرات المناخية السريعة هي استجابة رديئة. فالبشر مهتمون بالاضطرابات السياسية والنزاعات والأزمات الاقتصادية أكثر بكثير من اهتمامهم بمسقبل رئتهم المهددة بثاني أكسيد الكربون.
وتبقى الحقيقة المرة المتمثلة في أن تقليص استخدامات مصادر الطاقة الحالية، دون وجود بدائل نظيفة أو متجددة، أو على الأقل رغم محدوديتها، على مستوى العالم، سيؤدي إلى تقويض الاقتصاد العالمي بل وإلى تقويض شكل الحياة الراهن على كوكب الأرض.
فمتى يجعلنا ثاني أكسيد الكربون نفكر في المستقبل ؟
ومتى يعتبر البشر أن مستقبل الرئتين أهم بكثير من المستقبل الاقتصادي؟
نعم لماذا لا نشتري هواء نظيفا مهما كان الثمن؟.
