Posted inطاقة

توقعات سوق النفط: عوامل لافتة في العام 2021

يتحدث جان بيير دورانت، رئيس البحوث التطبيقية لدى شركة بيكتيت لإدارة الثروات عن تقديراته لسوق النفط بضوء السياسة والدبلوماسية الامريكية إلى جانب عوامل العرض والطلب

توقعات سوق النفط: عوامل لافتة في العام 2021

شكّل العام 2020 عاماً استثنائياً عصف بسوق النفط مع ما حمله من قيود الحركة نتيجة جائحة كوفيد-19 وخلافات منظمة أوبك+ التي أضرّت بشدة بمستويات الطلب على الطاقة والأسعار. وبينما يلتقط العالم أنفاسه مع بدء مؤشرات التعافي الاقتصادي نتيجة التقدم المُحرز في تطوير وتوزيع لقاحات كوفيد-19، تتجه الأنظار بترقب شديد نحو ما سيحمله العام 2021.

هناك ستة عوامل رئيسية ستتأثر بها أسعار النفط خلال العام 2021 وعلى المستثمرين رصدها: عاملان مرتبطان بالطلب وآخران بالعرض واثنان متصلان بالسياسة والدبلوماسية الأمريكية.

على صعيد الطلب، من البديهي أن تكون الجائحة العامل الرئيسي الذي يحدد أسعار النفط خلال العام 2021 نظراً لتأثيرها البالغ على الطلب في العام 2020. ومن شأن توافر اللقاح في بداية العام وانتشاره على نطاق واسع بدءاً من الربع الثاني أن يعزز قطاع النقل والأنشطة الترفيهية مما سيرفع الطلب على النفط.

ستبدأ قطاعات السفر الجوي والسياحة والفنادق والمطاعم بالعودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية، مع توقع عودة الرحلات الداخلية إلى مستويات ما قبل الأزمة خلال العام 2021. وإذ يشكل وقود الطائرات نحو 10% من الطلب العالمي على النفط، نتوقع أن نشهد زيادة في الاستهلاك بنحو 2 إلى 3 ملايين برميل يومياً كنتيجة مباشرة لتعافي صناعة الطيران وحدها. لكن بعض الأعمال التي تكبدت خسائر كبرى خلال الجائحة قد لا تتعافى تماماً على الإطلاق كما أن بعض التغييرات ستكون دائمة. على سبيل المثال، سيواصل معظم الشركات تنظيم الاجتماعات عبر المنصات الرقمية حتى بعد انتهاء الجائحة.

خلال الجائحة، وتحديداً عند هبوط أسعار النفط إلى مستويات قياسية جديدة، شهدنا استغلال مصافي التكرير في الصين لانخفاض الأسعار لزيادة مخزونها. إلا أن الطلب الصيني سيساعد على وضع حد أدنى للأسعار وتخفيف وطأة أي تراجع جديد في أسعار النفط. ومع دخولنا العام الجديد، حظي الاقتصاد الصيني بالأسبقية في دورة ما بعد الجائحة بينما يمضي قُدماً على المسار الصحيح لتحقيق نمو قوي. وتوقعاتنا الرئيسية تشير إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنسبة 9.3% في العام 2021.

على صعيد العرض، شهدنا تباطؤ وتيرة تعافي المعروض النفطي بفارق كبير مقارنة مع الطلب، ويعود الفضل في ذلك إلى قرار أوبك+ التاريخي بخفض إمدادات النفط في أبريل. كما وأكدت أوبك+ مؤخراً استمرارها في الحد من إنتاج النفط ومنع أي زيادة في حجم العرض خلال العام 2021 وهو قرار جاء مدفوعاً على الأرجح بتفشي الموجة الجديدة من “كوفيد-19” مؤخراً في الولايات المتحدة وأوروبا، ما يشير إلى أن السوق غير مستعد لاستيعاب إنتاج إضافي كبير.

إجمالاً، ستساهم التقييمات المنتظمة التي تنفذها أوبك+ والزيادات التدريجية في حجم الإنتاج دون أدنى شك في استقرار سوق النفط في العام 2021. وأصبحت أوبك+ الآن تؤدي دور “المنتج المتأرجح” في العالم كما يتضح من طريقة إدارتها للأزمة هذا العام. سابقاً، كانت الرياض تضطلع بهذا الدور قبل أن يتراجع نتيجة ارتفاع إنتاج النفط الصخري الأمريكي. وساهمت الشراكة بين روسيا وأوبك بالإضافة إلى التزام جميع أعضاء أوبك+ بالحصص الإنتاجية خلال الجائحة، في استقرار السوق أيضاً. ونظراً لوفرة السعة الإنتاجية في جميع أنحاء العالم، ستضطر أوبك+ إلى الاستمرار في تنفيذ السيطرة على سوق النفط للحفاظ على التوازن الحالي الهش بين العرض والطلب.

وهناك متغير آخر على صعيد العرض يؤثر بدوره على السوق، وهو الهدنة التاريخية الموقعة بين الفصائل المتقاتلة في ليبيا في أكتوبر، حيث ساهمت هذه الهدنة في إحراز زيادة ملحوظة في إمدادات النفط الليبية، مما دفع أوبك+ للحد من زيادات الإنتاج. وفي حال صمود وقف إطلاق النار، ستضيف الإمدادات الليبية أكثر من مليون برميل في اليوم إلى سوق النفط العالمية مما يزيد الضغط على أوبك+ لمواصلة كبح الإنتاج.

لا يمكن الحصول على صورة مكتملة عن أسواق النفط للعام 2021 دون أن ننظر إلى السياسة الأمريكية تجاه إيران وخطط الولايات المتحدة في مجال الطاقة في عهد الرئيس المنتخب جو بايدن. قبل أن تتخذ الولايات المتحدة قرار الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في العام 2018، أنتجت إيران 3.8 مليون برميل في اليوم. ونتيجة العقوبات الأمريكية، تنتج إيران اليوم 1.9 مليون برميل يومياً أي أقل بكثير من طاقتها الإنتاجية. في عهد بايدن، من المتوقع أن تراجع واشنطن سياساتها تجاه إيران وربما ترفع بعض هذه العقوبات. لكن العودة إلى الاتفاق النووي قد تستغرق وقتاً طويلاً ومن غير المرجح للنفط الإيراني أن يغمر السوق خلال 2021.

وفي السياق نفسه، ستلعب التطورات الآتية في سياسة النفط الصخري الأمريكي دوراً مهماً في تحديد التوقعات العالمية لسوق النفط. ومن المفترض أن تعلن الإدارة الأميركية الجديدة عن إقرار بعض الإجراءات الرمزية المرتبطة بالاقتصاد الأخضر خلال العام المقبل، لكن من المتوقع أن تقتصر هذه الإجراءات على الأراضي الفيدرالية وحدها وبالتالي سيكون تأثيرها محدوداً على إنتاج النفط الصخري الأمريكي، لكن الأهم من ذلك التطورات التي ستطرأ داخل صناعة النفط الصخري نفسها.

لقد ألحق انخفاض الأسعار ضرراً بالغاً بالعديد من شركات النفط المثقلة بالديون في الولايات المتحدة، وكانت النتيجة عدة حالات إفلاس واندماج عصفت بهذا القطاع. واليوم، أصبح نهج الاستثمار لسنوات طويلة للحصول على حصة في السوق شيئاً من الماضي. وعوضاً عن التركيز على الإنفاق الرأسمالي، سيحاول الناجون من الأزمة الحفاظ على رضا المستثمرين من خلال توزيعات الأرباح. وبالتالي، من غير المرجح أن يعود إنتاج النفط الصخري الأمريكي إلى مستويات ما قبل الأزمة خلال العام 2021.

عموماً، لقد جعلت الأحداث الاستثنائية التي شهدها العام 2020 مَهمة التنبؤ بأسعار سوق الطاقة أمراً محفوفاً بالمخاطر. ولا نستبعد على الإطلاق ظهور عدة عوامل غير متوقعة وغير معروفة قد تُؤثر على أي توقعات. لكن من خلال مراقبة الطلب والعرض وسياسة الطاقة الأمريكية، يمكن مساعدة المستثمرين على توقع المخاطر المحتملة ليكونوا أكثر جاهزية لمواجهة أي تقلبات خلال العام المقبل. لكن في المرحلة الراهنة، يبدو أنه من المرجح أن تعود حالة التوازن بين الطلب والعرض على النفط خلال العام 2021 بعد عامٍ مليء بالمصاعب والتحديات.