دشنت المملكة العربية السعودية مؤخراً حقبة جديدة للاستثمار في المعرفة والبحوث العلمية بعد أن تم الافتتاح الرسمي لجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية لتكون جامعة دولية للأبحاث على مستوى الدراسات العليا تكرس جهودها لانطلاق عصر جديد من الإنجاز العلمي وتعود أيضاً بالنفع على المنطقة والعالم.
كدلالة بارزة على أهمية الجامعة في تاريخ المملكة العربية السعودية، وما تشكله من انجاز علمي وحضاري، تم دعوة مجموعة من قادة الدول العربية والعالمية لحضور حفل الافتتاح الذي صادف تاريخه اليوم الوطني التاسع والسبعين للمملكة وقام الملك السعودي بتدشين حفل الافتتاح.
تقع الجامعة على شاطئ البحر الأحمر في منطقة ثول على بعد 80 كيلومترا شمال مدينة جدة، وتمتد مبانيها على مسافة 36 كيلومترا مربع، وقامت شركة أرامكو السعودية بالإشراف على تأسيسها، ويحكم جامعة الملك عبد الله مجلس أمناء مستقل دائم ويدعمها وقف يبلغ عدة مليارات من الدولارات، وهي تقوم على أساس الجدارة وتفتح أبوابها للرجال والنساء من جميع أنحاء العالم وتلتزم بمجموعة من المبادئ الأساسية التي تهدف إلى إنشاء مجتمع دولي من العلماء الذين يكرسون جهودهم للعلوم المتقدمة والترحيب بالرواد في مجال العلوم والتقنية والتجارة والأعمال والتعليم من خلال التعيين والشراكات، وتوفير الحرية للباحثين للإبداع والتجريب.
بالإضافة إلى تجسيد أعلى المعايير الدولية للمستوى العلمي والبحوث والتعليم والتعلم. وتوفير الحرية الكاملة للحصول على المعلومات وتبادل المعارف والمهارات والخبرات لتحقيق النمو والازدهار الاقتصادي. واحتضان وحماية حرية البحث والفكر والنقاش فيما يتعلق بالعمل العلمي.
حلم يتحقق
في كلمة الافتتاح التي ألقاها أمام الحضور، أشار الملك عبد الله إلى أن الجامعة كانت حلماً راوده لأكثر من 25 عاماً، وأنها كانت هاجساً ملحاً عاش معه طويلاً، ولفت الملك في خطابه إلى الدور العظيم الذي لعبته الحضارة الإسلامية في تاريخها خدمة الحضارة الإنسانية، فقد أسهم العلماء المسلمون في مجالات كثيرة، منها الطب ودور ابن النفيس فيه، وفي الكيمياء كان لجابر بن حيان تأثيره البالغ في مسيرتها، وفي الجبر كان للخوارزمي دور فاعل، أما في علم الاجتماع فقد كان لابن خلدون تأثيره العظيم.
وأضاف الملك :«لذلك كله فالجامعة التي نحتفل بافتتاحها لا تبدأ من الصفر فهي استمرار لما تميزت به حضارتنا في عصور ازدهارها، وهذا هو المعنى الأول للجامعة». وشدد على أن :«العلم والإيمان لا يمكن أن يكونا خصمين إلا في النفوس المريضة» وقال :»لقد تعرضت الإنسانية لهجوم عنيف من المتطرفين الذين يرفعون لغة الكراهية، ويخشون الحوار، ويسعون للهدم.
ولا يمكننا أن نواجههم إلا إذا أقمنا التعايش محل النزاع، والمحبة محل الأحقاد، والصداقة محل الصدام. ولاشك أن المراكز العلمية التي تحتضن الجميع، هي الخط الأول للدفاع ضد هؤلاء. واليوم ستنضم هذه الجامعة إلى زميلاتها في كل مكان من العالم دارا للحكمة، ومنارة للتسامح وهذا هو المعنى الثالث للجامعة».
الرؤية والمهمة
تحمل جامعة الملك عبد للعلوم والتقنية رؤية مستقبلية تعتمد على التطوير المستمر من خلال تنظيم وتأسيس المشاريع الأنشطة المبتكرة، ودعم وتعزيز الشراكات وروابط التعاون الهامة على الصعيد العالمي بين جامعة الملك عبد الله وقادة الفكر في مجال الصناعة، بالإضافة إلى توفير المرونة اللازمة لاستيعاب المستأجرين من مختلف الأحجام وأنواع البحوث مع إنشاء مجتمع بحثي داخل مجمع البحوث يرتبط مع الجامعة ويتفاعل معها كوحدة واحدة.
وتأخذ الجامعة على عاتقها مجموعة من المهام تتجسد في إجراء البحوث العلمية التي من شأنها أن تؤدي إلى الاكتشافات والاختراعات ورعاية المواهب المبدعة الدولية والسعودية لدعم تنمية الاقتصاد الوطني في بيئة خاصة توفر برامج للدراسات العليا في المجالات الإستراتيجية، إلى جانب تعزيز التعاون الصناعي وتهيئة بيئة لتطوير اقتصاد قائم على المعرفة، بالإضافة إلى تشجيع نقل التقنية وإجراء البحوث التي ترعاها المؤسسات الصناعية ، وتسهيل الاستفادة من ثمار التقنية، وتهدف الجامعة أيضاً إلى إنشاء وجهة للصناعات القائمة على نتائج الأبحاث في المنطقة.
الجوانب الأكاديمية
سوف ينظم الهيكل الأكاديمي للجامعة فرقاً تضم مختلف التخصصات حول أبحاث تطبق العلوم والتقنية على المشكلات المتعلقة بالاحتياجات البشرية والتقدم الاجتماعي والتنمية الاقتصادية. وتتميز الجامعة بكونها جامعة عصرية للأبحاث لا تشبه أي جامعة أخرى، وتهدف إلى ازدهار الشبكات المادية والبشرية، وتمارس عملها بصفة عامة دون اعتبار للحدود التنظيمية أو الوطنية، بما يؤدي إلى إيجاد وسيلة حيوية لتبادل الأفكار وتطوير معارف جديدة.
وسوف تكون جامعة الملك عبد الله خالية من المعوقات المؤسساتية والبيروقراطية، وسوف ينظم هيكلها الأكاديمي فرقًا تضم مختلف التخصصات حول موضوعات أبحاث تطبق العلم والتقنية على المشكلات التي تتصل باحتياجات البشر، والتقدم الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.
وسوف يدرس الطلاب بجامعة الملك عبدالله للحصول على درجات علمية في الدراسات العليا تشمل العلوم الأساسية والتطبيقية. ومن خلال مزج العملية التعليمية والسعي إلى تحقيق تطورات بحثية استراتيجية، وسوف يعمل طلاب جامعة الملك عبد الله وباحثوها على تنمية القدرة على تغيير الصناعات القائمة وإنشاء صناعات جديدة.
تمنح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية درجات علمية في الدراسات العليا فقط، وستكون خطة الأبحاث هي أساس البرامج التعليمية على مستوى درجتي الماجستير والدكتوراة. وسوف تمنح جامعة الملك عبدالله درجتين علميتين، وهما درجة ماجستير العلوم، التي قد تكون درجة دراسات عليا نهائية أو مدخلاً إلى برنامج الدكتوراة.
ويستغرق إتمام درجة ماجستير العلوم عادة 18 شهرًا، وتمنح لكل من الطلاب المتفرغين وغير المتفرغين؛ مثل الطلاب الذين يكفلهم القطاع الصناعي ويكونون في إجازات من جهات عملهم طوال الفصل الدراسي. اعرف المزيد عن متطلبات درجة ماجستير العلوم. بالإضافة إلى درجة الدكتوراة وهي عادة ثلاث إلى أربع سنوات بعد درجة الماجستير. وتتضمن درجة الدكتوراة بحثًا أصليًا في أحد مراكز أبحاث جامعة الملك عبد الله، يتوج بأطروحة بحث.
ويتم منح الدرجات العلمية في 9 مجالات دراسية متنوعة هي علوم وهندسة الأرض، الهندسة الكهربائية، العلوم والهندسة البيئية، علوم وهندسة المواد، الهندسة الميكانيكية، الرياضيات التطبيقية وعلوم الحاسوب، العلوم البيولوجية، الهندسة الكيميائية والبيولوجية وعلوم الحاسوب.
المراكز البحثية
تركز جامعة الملك عبد الله على الارتقاء بأبحاث العلوم والهندسة في المجالات التي لها أهمية لمستقبل المملكة والمنطقة والعالم، وتعمل الجامعة على تطوير وتقوية وتنويع قدراتها البحثية في حرمها الجامعي بحيث تكون وثيقة الصلة بكل من مجتمع الأبحاث العالمي وبرامجها التعليمية للدراسات العليا، وقد حددت الجامعة أربعة محاور أبحاث إستراتيجية أساسية وعدة مراكز أبحاث تضم مختلف التخصصات تطبق العلم والتقنية على المشكلات التي تتصل باحتياجات البشر، والتقدم الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، وتتركز محاور الأبحاث على كل من قطاع الموارد، والطاقة والبيئة، وعلم وهندسة المواد والعلوم الحيوية والهندسة الحيوية والرياضيات التطبيقية والعلوم الحاسوبية، وتؤسس جامعة الملك عبدالله مبدئيًا 9 مراكز أبحاث للمرحلة الأولى لتشغيل الجامعة، وقد اختارت جامعة الملك عبدالله محاور ومراكز الأبحاث هذه لأهميتها في تقدم المعارف الأساسية في العلوم والهندسة؛ وصلتها بالصناعات القائمة في المملكة؛ وتطوير الصناعات المستقبلية القائمة على المعرفة؛ واحتياجات المملكة الاجتماعية والاقتصادية؛ وأثرها الإقليمي والدولي المحتمل.
التنمية الاقتصادية
تعمل جامعة الملك عبدا لله على تقدم العلم والتكنولوجيا من خلال البحوث الجريئة والتعاونية. وسوف تعمل على تثقيف القادة العلميين والتكنولوجيين، وحفز تنويع الاقتصاد السعودي، والتصدي للتحديات ذات الأهمية الإقليمية والعالمية. وستقوم الجامعة أيضاً بإجراء البحوث العلمية التي تؤدي إلى الاكتشافات والاختراعات في المجالات الاستراتيجية وبالاعتماد على أفضل الممارسات العالمية، تعمل الجامعة على تأسيس مجتمع للبحوث يعزز الإبداع والابتكار.
وسوف تدعم الجامعة التحالفات مع المؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص من خلال مكتب نقل التكنولوجيا ، وبرنامج التعاون الصناعي ، وحاضنة الأعمال التجارية ، وبرنامج تنظيم المشاريع ، وشبكة رأس المال الاستثماري. وسوف يشمل مجتمع الجامعة مدينة للبحوث لدعم الأعمال الجديدة ، وتوفير قاعدة للشركات القائمة للاستفادة من خبرة مجتمع الجامعة في العلوم والهندسة.
الحاسوب العملاق
يُعد شاهين واحدًا من أقوى نظم الحوسبة الفائقة في العالم، وقد نُقل منذ فترة قريبة إلى مقره الدائم داخل مركز البيانات في الحرم الجامعي في ثول. ويمثل هذا النظام مشروع بحث مشترك بين جامعة الملك عبدالله وشركة آي بي إم، ويجري تشغيله منذ أكثر من سنة خارج مختبر تي جيه واتسون للأبحاث التابع لشركة آي بي إم في مرتفعات يوركتاون، نيويورك.
وسمي شاهين على اسم أسرع مخلوق في العالم ، وهو الصقر العربي القناص شاهين المعروف بسرعة انقضاضه التي تصل الى 200 ميل في الساعة (322 كم / ساعة). وهو نظام آي بي إم بلو جين / بي 16 – إطار يحتوي على 65600 نواة معالجة مستقلة، قادر على الأداء بقوة معالجة 220 تيفلوب (تريليون نقطة عائمة في الثانية الواحدة). وتعتزم جامعة الملك عبدالله إدخال جهاز تبلغ قدراته بيتافلوب خلال عامين وتستهدف في نهاية المطاف أن يعمل النظام بطاقة إكساسكيل.
ووفقا لقائمة TOP500، التي تقيم مراتب أقوى أجهزة الكمبيوتر العملاقة في العالم، حصل شاهين على المركز رقم 14 في القائمة بناءً على قدراته. وهذا يجعل منه ثاني أسرع كمبيوتر خارج أوروبا والأسرع في آسيا كلها – وهي مرتبة لها أهميتها بالنسبة لجامعة جديدة. والنظام واحد من أقوى الحواسيب الفائقة الموجودة في بيئة أكاديمية، ويجعل جامعة الملك عبد الله مباشرة لاعبًا رئيسيًا في مجال العلوم الحاسوبية.
وسيسهل شاهين عبر عشرات من التخصصات تنفيذ أحدث التجارب، والتعاون البحثى المشترك مع شركاء جامعة الملك عبد الله في مجال البحوث المنتشرين في جميع أنحاء العالم وكذلك تطوير المجتمع القائم على المعرفة في المملكة العربية السعودية.
والمملكة العربية السعودية ليست غريبة على أجهزة الكمبيوتر العملاقة. فعلى سبيل المثال، في ثمانينيات القرن العشرين، تم تركيب الحاسوب العملاق كراي في المملكة العربية السعودية في الظهران. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تم فيها تركيب العملاق كراي خارج الولايات المتحدة الأمريكية. لذلك، فإن مشروعاً بحجم شاهين لم يسبق له مثيل في أي مؤسسة أكاديمية في المملكة العربية السعودية.
ولضمان استمرارية وسهولة الاستفادة من شاهين والشبكات البحثية الأخرى، أنهت الجامعة صفقة مع شركة الاتصالات السعودية لمد كابل ألياف بصرية قدرته 10 جيجابايت في الثانية مكرس لهذا الغرض ، ويصل الجامعة بشبكتين من أكبر شبكات البحوث الدولية ذات السرعات العالية هما – Internet2 في الولايات المتحدة وGEANT2 في أوروبا.
وستكون جامعة الملك عبد الله أيضا محور الشبكة السعودية للأبحاث المتقدمة والتعليم (SAREN ). ولأول مرة، سوف تتيح هذه الشبكة لمؤسسات البحوث في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية التعاون من خلال استخدام المرافق الحاسوبية في جامعة الملك عبد الله وجميع أنحاء العالم.
وسوف يكون للأبحاث التي أجريت باستخدام شاهين أثر كبير على كل من العلم والمجتمع. وسوف ينتج هذا النظام القوي محاكاة دقيقة للتطبيقات العلمية والهندسية في العالم الحقيقي مما يمكّن طائفة واسعة من العلماء من العمل على حل المشاكل من دون الحاجة إلى التنقل بين مختلف الأجهزة الحاسوبية المتخصصة.
وفي السنوات الأخيرة، كانت الحوسبة الفائقة مساهمًا رئيسيًا في النجاح الاقتصادي للقوى العظمى الغربية. ومن خلال الاعتماد على المحاكاة بدلا من إعداد النماذج الأولية المادية، تتيح الحوسبة الفائقة للباحثين العمل بدقة مع توفير النفقات في نفس الوقت. وتجمع أجهزة الكمبيوتر العملاقة بين الأجهزة الفائقة السرعة والبرمجيات التي يمكن أن تحل أكثر المشاكل تعقيدا.
من بين هذه المشاكل محاكاة ونمذجة الظواهر الفيزيائية مثل تغير المناخ والاحتراق النظيف، وتحليل كميات هائلة من البيانات، وتصميم المنتجات الهندسية المعقدة. وقال كيز «إن الاحتراق النظيف ومياه الري وعلم الزلازل الذي يُعنى بفهم انتشار الموجات خلال الأرض وهي تقنية تصوير تستخدم في استغلال مكامن النفط. هذه كلها عمليات قريبة جدا من اهتمامات المملكة وصناعتها والتي نأمل البحث فيها».
