في مصر وتونس والمغرب وليبيا وتركيا وإيران ولبنان واليمن والجزائر وسورية وبعض دول المنطقة الأخرى، يشكّل الفساد ما بين 10 إلى 15 % من الناتج الإجمالي، هذا عدا طبعاً عن هدر المال العام، وتهريب الثروة بأسماء أشخاص نافذين إلى الخارج. أي أن بلداً مثل مصر يصل دخله الإجمالي إلى 70 مليار دولار، تكون تكلفة الفساد فيه بحد أدنى 7 مليار دولار سنوياً. وبلداً مثل سورية يصل الدخل الإجمالي فيها إلى 40 مليار دولار، تصل تكلفة الفساد إلى 4 مليارات دولار سنوياً. ولا تقف الأمور عند هذا الحد، حيث نجد الرشوة وشبكة المحسوبيات نهجاً عاماً يعرقل مسيرة المؤسسات ويبعدها عن هدفها في تنظيم شئون الدول.
غالباً ما يتم الفساد ضمن صيغة أصبحت معروفة تتناغم بين مسئولين نافذين ورجال أعمال، وتشكل العمولات والرشاوى جزءً أساسياً من طريقة العمل، حتى تغدو قانوناً.
وكثيراً ما تتأخر الخطط الموضوعة بسبب تأخر ترتيب الصفقات المناسبة، ونشهد الكثير من المشاريع المعروفة وقد استغرق البدء فيها أشهراً أوسنيناً، وقد لا ينفذ بعضها أبداً، والأمثلة معروفة في العديد من دول المنطقة.
الأخطر في موضوع الفساد ما يتركه في ثقافة المجتمعات، فهو يقلب مفهوم القيم ويجعلها مطاطة بطريقة تتناسب مع مصالح الأشخاص، وتضيع معها القضايا الكبيرة. وعندما تعم هذه الثقافة لتصبح نمط حياة لا يمكن الفكاك منه، تضيع القيم والقضايا الوطنية ويصبح الوطن سجناً كبيراً تقوده مافيات متناغمة المصالح والأهواء. وهذا يفسر إلى حد كبير سبب اشتعال المنطقة بطوفان من الثورات والاحتجات، حيث لم يترك الفساد للشعوب ما تخسره، ولم تعد تشعر بالانتماء والولاء للسلطات القائمة.
