يبدو أن هناك إجماعاً عاماً من قبل كل المحللين الماليين والاقتصاديين على أن الأزمة العالمية ومفاعيلها ما تزال ترخي بثقلها، وان هذه الأزمة ما تزال تفرض نفسها بقوة، ذلك أن أي أمل بحدوث انتعاش واضح ما يزال مبكراً.
جاءت آخر البيانات المالية الصادرة من الصين و الهند و دول الاتحاد الأوروبي بمثابة الضوء الأحمر للآمال التي كانت تقول بأن النمو بدأ يعود إلى اقتصاديات هذه المناطق الأساسية. فقد توقع بنك ساراسين في أحدث تقرير حول الربع الرابع من العام 2010 “النظرة العالمية” تباطؤاً في وتيرة النمو الاقتصادي مع استمرار هيمنة الركود والانكماش على الأسواق المالية حتى نهاية العام الجاري. ومما سيزيد من هذه الحالة دون شك نفور المستثمرين من المخاطر وربما يكون له تأثير سلبي على مخاطر الاستثمارات. ومن المتوقع أن يحدث التباطؤ في نمو الأرباح وهذا يعني أن توقعات الأرباح المستقبلية ستنخفض بشكل ملحوظ في الأشهر المقبلة. وفي حالة الأسهم يفضل ساراسين القطاعات المستقرة نسبياً مثل السلع الاستهلاكية والرعاية الصحية والاتصالات. وبقدر ما نشعر بالقلق تجاه عائدات السندات فإن هذا يؤدي إلى تفاقم الاتجاه النزولي من ناحية، وخلق تقلبات هامة في الأرباح بسبب ارتفاع مستوى عدم اليقين الاقتصادي من ناحية أخرى.
أما على صعيد العملات فقد حدد بنك ساراسين من خلال تقريره عدد من الجبهات الهامة مثل الفرنك السويسري، والين الياباني والدولار الأمريكي حيث سيستمر الطلب القوي على هذه العملات. كما رجح التقرير عدم حدوث أي ارتفاعات في أسعار السلع الأساسية باستثناء الذهب. فيما يخص العقارات ذكر التقرير أن هناك اختلافات إقليمية جوهرية في سوق العقارات على الرغم من وجوب استفادة أسهم الشركات العقارية من انخفاض سعر الفائدة القياسي فمن المرجح أن تعاني هذه الأسواق أكثر عندما يبدأ المستثمرون بفقدان الشهية تجاه المخاطر.
أكدت التقارير المالية التي نشرت في الربع الثالث من العام 2010 بأن الأمل بحدوث انتعاش اقتصادي عالمي قد مرت ذروته. في حين أن التباطؤ الاقتصادي قد ضرب بالفعل الصين والولايات المتحدة الأمريكية، مع احتمال أن يتبعها الاقتصاد الأوروبي بتأخير قد يصل إلى نحو ربع واحد. وبالرغم من قوة البيانات الاقتصادية إلى حد ما إلا أن المؤشرات الاقتصادية قد بدأت تشير إلى تباطؤ في النمو. وبالرغم من أن الاستثمارات قد تم اختيارها فإن الطلب النهائي لم يتمكن من جمع الكثير من الزخم. ويبدو أن الطلب سيتخذ منحى نزولياً خلال نصف المدة في الولايات المتحدة الأمريكية.
هناك اتجاه ناشئ مماثل في بلدان أخرى حيث تم التلاعب في الاستهلاك خلال السنوات الأخيرة من خلال الفقاعة العقارية. ولان الاقتصاد الأمريكي هو الوحيد البعيد عن الانكماش والركود وفقاً لتقديرات بنك ساراسين فإن من المرجح أن يركز المستثمرون اهتمامهم بشكل متزايد على مناقشة الانكماش مع اقتراب نهاية العام. وحتى لو كانت الولايات المتحدة تعمل على تجنب الانكماش مع المزيد من التدابير المالية والنقدية فإن من المرجح أن يشكل معدل سبات النمو على مدى سنوات عديدة ضغطاً نزولياً على تقييم أسواق الأسهم.
وقد قال السيد جان أمريت بوزر، رئيس قسم الأبحاث وكبير الاقتصاديين في بنك ساراسين: “سوف يستغرق تجاوز فقاعة الائتمان واستيعابها تماماً بعض الوقت. ولن يكون هناك أي تحسن مستدام في الاقتصاد إلا إذا تحرر الاستهلاك من الأغلال. ولكي يتم ذلك يجب أن تستقر عمليات الإقراض وأسعار العقارات وأسواق العمل. وترجح أبحاثنا أن هذا لن يحدث قبل النصف الثاني من العام 2011 على أقرب تقدير. ويمكننا أن نتوقع بدء ظهور بوادر الانتعاش الأولى في الربع الثاني من العام 2011 وصاعداًَ”.
من جانبه قال فليب إي. بايرتستشي، كبير الاستراتيجيين في بنك ساراسين: “في حين أن العديد من المتعاملين في أسواق البورصة ينظرون إلى انخفاض أسعار الفائدة على أنها أخبار طيبة بالنسبة للأسهم على أساس الخبرات المكتسبة على مر العقود الماضية، فإن من المرجح أن يغيروا من هذا المبدأ في ضوء التهديدات الانكماشية الحادة. ونحن نعتقد أن تدني العوائد في المستوى الحالي لا ينبغي أن يفسر على أنه فأل خير على أسواق الأسهم بل هو إشارة تحذير”.
مخاوف الانكماش بدلاً من الانتعاش
بالنظر إلى معدلات التضخم في أنحاء منطقة دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية قد بلغ انخفاضاً قياسياً، فإن هناك مخاوف من حدوث ركود مزدوج يمكن أن يحدث بسهولة بسبب الانكماش. ما تزال القدرات الإنتاجية تسير أقل بكثير من الاستفادة الكاملة والناتج الإجمالي المحلي ما يزال دون الاحتمالات. كما وسيؤدي تجدد الركود مرة أخرى إلى توسيع الفجوة في الناتج ويزيد الضغط على الأسعار. وبالرغم عدم ترجيح انزلاق الاقتصاد العالمي فعلياً نحو الانكماش إلا أن بنك ساراسين ما يزال يتوقع أن يشكل الانكماش موضوعاً مهيمناً خلال الأرباع القليلة القادمة. فإذا لم يدخل الانكماش في مرحلة حرجة فعلى السلطات أن تكون قادرة على سد ذلك عن طريق إدخال تدابير إضافية على السياسات النقدية والمالية. ولن يكون هناك تحسن اقتصادي مستدام ما لم يتم تحرير الاستهلاك من أغلاله ومن أجل أن يحدث ذلك يجب أن تتوافر ثلاثة شروط، هي؛ وجوب انتعاش سوق العمل وتوفير دفعة قوية للدخل المتاح. ثانياً استقرار أسعار العقارات من أجل وقف المزيد من تآكل قيم الأصول. وثالثاً إخراج عمليات الإقراض من القاع من أجل تحسين مرونة العائلات المالية الخاصة. أما بخصوص الانتعاش الاقتصادي فلن يكون هناك أية بوادر انتعاش حتى الربع الثاني من العام 2011.
السندات عامل استقرار
المخاوف من الركود وحتى من توقعات حدوث انكماش محتمل من ناحية وتجدد الاهتمام بديون منطقة اليورو من ناحية أخرى سوف تستمر باعتبارها المواضيع الرئيسية التي تهيمن على أسواق السندات. وهذا له انعكاسين اثنين على أسواق السندات العالمية أولهما: أن عائدات السندات تحتاج إلى الاتجاه حتى ولو كان نحو الانخفاض. ثانياً من المرجح ازدياد تقلبات أسواق السندات. ولقد أثارت أسعار الفائدة المنخفضة احتمال حدوث فقاعة في سوق السندات السيادية. ويظهر التحليل الدقيق للدورة الاقتصادية أن ارتفاع أسعار السندات تبررها في الواقع العوامل الاقتصادية الأساسية، وبالتالي لا يوجد هناك تهديد حقيقي على السندات على المدى الطويل. ومع ذلك فمن المرجح أن يكون هناك حداً زمنياً لانخفاض أسعار الفائدة. ويتوقع بنك ساراسين أن ينعكس اتجاه المؤشرات الاقتصادية القيادية ابتداءاً من الربع الثاني من العام 2011 وصاعداً. الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع عوائد السندات من ناحية وخفض التقلبات من ناحية أخرى، كما سيكون هناك شكوك أقل تكتنف التوقعات حول الاقتصاد العالمي.
استقرار الطلب على العملات
من جهة أخرى فقد أشار تقرير بنك ساراسين إلى أن المخاوف بشأن العملة الأوروبية الموحدة لم تختفِ من السوق تماماً. كما وصلت مشاكل تمويل النظام المصرفي الأيرلندي إلى ذروتها، وقد تحول اهتمام المستثمرين مرة أخرى إلى حالة غير مستقرة تجاه الوضع المالي لبعض دول منطقة اليورو الطرفية. وقد أدى هذا الارتفاع في أسعار الفائدة على المدى الطويل في هذه البلدان إلى عجوزات عالية. وطالما أن بلدان الاتحاد النقدي الأوروبي الطرفية غير قادرة على إظهار أي تقدم حقيقي في التدابير المتخذة لتوطيد ديونها فسوف تستمر الشكوك حول الاستدامة المالية لهذه الدول. وسيشكل نفور اللاعبين الرئيسيين في الأسواق المالية من المخاطر العامل الرئيسي لدفع العملات. ومن أبرز العملات التي ستشكل ملاذاً آمناًَ الفرنك السويسري والين الياباني والدولار الأمريكي بسبب استمرار الطلب. وبمجرد انتشار المخاوف من الركود في منطقة اليورو فإن الأسواق المالية سترجح أن يقوم البنك المركزي الأوروبي بتخفيف سياسته المالية الأمر الذي سيضع مزيد من الضغوط على اليورو.
بقدر ما يتعلق الأمر بالاقتصاد، فيمكن أن تتوقع الأسهم رياحاً عكسية قوية خلال الربع الرابع من العام 2010. وبالرغم من احتمال أن تكون نتائج الشركات في الربع الثالث إيجابية بفضل قوة النمو العالمي إلا أن التوقعات أصبحت أقل وردية بالنسبة لمعظم الشركات. ومع ازدياد علامات تباطؤ النمو الاقتصادي خلال الأشهر المقبلة فسوف يتم قريباً جداً تعديل توقعات الأرباح لعام 2011 نزولاً. ووفق توقعات بنك ساراسين فإن خفض الأرباح بنسبة 10 % حتى نهاية العام يبدو واقعياً. من المنطقي في هذه البيئة غير المواتية اتباع استراتيجيات توزيع أرباح مع عدم تجاهل اتجاه سعر السهم في الوقت نفسه. وستكون الأسهم الأكثر جاذبية خلال الربع الرابع في القطاعات الدفاعية مثل السلع الاستهلاكية والرعاية الصحية والاتصالات. حيث من المتوقع أن تحقق الأسهم الدفاعية والأرباح أداءاً أفضل في هذه البيئة الصعبة. وعلى الرغم من أن توقيت السوق ما يزال مهماً إلا أن المخاطر السلبية هي أكبر بكثير من المنافع المحتملة في أسواق الأسهم. وستبقى المخاوف من حدوث ركود وانكماش، تشغل أسواق الأسهم خلال الربع الرابع ومن غير المرجح تحقيق تقدم مستدام حتى العام 2011.
السلع الأساسية والمخاطر العقارية الحالية
وتحت بند يتناول السلع الأساسية والمخاطر العقارية يشير التقرير إلى أن أداء السلع والاستثمارات العقارية يعتبر جيد خلال الربع الثالث. ومع هبوب رياح اقتصادية عكسية فإنه من غير المرجح ارتفاع أسعار السلع الأساسية أكثر من ذلك خلال الربع الرابع من العام الجاري. كما وستجد أسعار النفط أيضا صعوبة في الخروج من النطاق الترددي لسعرها بين 75-85 دولاراً للبرميل الواحد. ويؤكد التقرير على أن أداء الذهب سيكون جيداً خلال الأشهر المقبلة. أما لجهة سوق العقارات العالمية فإن حالة هذه الأسواق تختلف اختلافاً كبيراً من منطقة إلى أخرى. وبعد الإشارات الأولية لانتعاش السوق العقاري فقد انتكست السوق العقارية الأمريكية مرة أخرى. ومع ذلك من المتوقع أن تنخفض أسعار العقارات مرة أخرى بنسبة تتراوح بين 5 و10 % خلال أشهر الشتاء المقبلة. الأمر نفسه ينطبق على المملكة المتحدة وايرلندا وأسبانيا، حيث الآثار المترتبة على الأزمة المالية لا تزال واضحة، ومن المرجح أن تستمر لبعض الوقت. على النقيض من ذلك، فإن أسواق العقارات في هونغ كونغ والمناطق المزدهرة من الصين وسنغافورة وكندا وفرنسا وسويسرا كلها إيجابية. وعلى الرغم من وجوب استفادة الشركات العقارية من انخفاض أسعار الفائدة إلا أنه من المرجح أن تعاني أكثر عندما يبدأ المستثمرون يفقدون شهيتهم للمخاطر.
