أجبرت الأزمة البنوك التخلي عن بروتوكولات التعامل الرفيع التي كانت تلتزم بها مع عملائها، ودفعتها للخروج من حلبة التسابق نحو تقديم العدد الأكبر والأسخى من العروض. ربما بهذا نجا العميل من براثن ما سمي بالتكاليف المخفية للقروض وبطاقات الائتمان ولكن ليقع في فخ الإجحاف ودفع ضريبة الخسائر التي فرضتها سياسات النجاة التي اتبعتها البنوك في ما بعد. وبعد أن كان السؤال حول البنك الأفضل، أصبح السؤال الأهم: “من سينجو من البنوك؟” وفي كلا الحالتين ما على العميل سوى الرضا والرضوخ لواقع الأمر ومحصلته أن البنك هو الحل المر الوحيد المتاح وهو من يفرض الشروط ويضع السياسات بحسب ما يلائمه، والبنك ملتزم دائماً بتطبيق الشروط. فكما يأتي دائماً في كل عقود المعاملات مع البنوك بخط صغير في أخر العقد: “تخضع جميع المنتجات والخدمات لأحكام وشروط البنك علماً بأن هذه الشروط عرضة للتغير”.
دبي- فوزية ياسمينة
منذ عامين كان الحديث يدور حول درجة رضا عملاء البنوك، وأشارت بعض الدراسات ومنها دراسة “إيه تي كيرتني” التي حددت سوق الإمارات نطاقاً لدراستها في ديسمبر/كانون الأول من العام 2008 إلى أن 90 % من عملاء البنوك غير راضين عن الخدمة التي يتلقوها، والأمر في باقي دول الخليج لا يختلف كثيراً عن ما هو عليه في الأمارات إن لم يكن بحالٍ أسوأ، حيث يعتبر سوق الإمارات متطور نسبياً في ما يتعلق في هذا المجال.
في الفترة التي سبقت الأزمة العالمية تزايدت أهمية الدور الذي لعبته البنوك في حياة الأفراد حتى أصبحت شريكاً تقريباً في كل القرارات المالية التي يأخذها، بدءاً من قرار شراء السكن إلى قرار قضاء إجازة. بل وتعدت دورها كشريكٍ في القرارات لتصبح مُشكِّلاً أساسياً لأسلوب حياة الأفراد، عندما أصبحت الاستدانة غاية في السهولة وطريقة سداد الدين كما يشرح ويفصل عامل المبيعات في البنك غاية في الملائمة لظروف كل عميل.
في تلك المرحلة لم تبدأ مشكلة العميل في كل الأحيان عند تعرضه لضائقة مالية وإنما عندما تهافت عليه مندوبو المبيعات من كل حدبٍ وصوب يقدمون من العروض ما لا يقاوم. وبمجرد مقابلته لضائقة مالية عرضية يستدعي العميل من ذاكرته أسماء البنوك وعروضها ليختار منها ما يراه الأنسب. ليجد في نهاية المطاف أنه هرب من مشكلة عرضية إلى مشكلة دائمة ومستمرة إلى ما لا نهاية مع البنك.
بعد الحصول على هذا الدين السهل، يكتشف العميل أن الدفعات الواجب عليه سدادها للبطاقات الائتمانية كبيرة جداً. وفي هذه الحالة يجد نفسه مضطراً لدفع الحد الأدنى المسموح به من الدفعة المستحقة في الشهر، يفعل ذلك غالباً دون أن يعلم بأنه سيترتب عليه فائدة جديدة إضافية. فصحيح أن البنك ييسر عملية الدفعات إلا أنه لا يقدم هذه الخدمة مجاناً، وهو ما ينسى دائماً مندوبو المبيعات الإفصاح عنه أثناء سعيهم لإقناع العميل بالحصول على البطاقة. وهذا السر وغيره من الأسرار التي يكتمها مندوبي المبيعات أصبح يعرف بالتكاليف المخفية أو Hidden Charges. وسرعان ما يصل العميل إلى الحال الميئوس منه عندما يرتفع الحد الأدنى للدفاعات ويجد أنه يسدد للبطاقة وعوضاً من أن يتناقص دينه فإنه يتزايد إلى أن يخرج عن حد السماح عندها لا يمكن الخروج من المشكلة إلا بحلٍ جذري وهذا يكون عادةً بالاقتراض من جديد لأن المجتمع كله أصبح قائماً على هذا الأساس. وهكذا تدور الدوامة على العميل.
لا تبدأ المشكلة في نموذج بطاقة الائتمان ولا تنحصر فيه ولا تنتهي عنده. هذا مثال عن سياسة البنوك التي غايتها استدراج العميل إلى هذه الدوامة لتحصيل أكبر فوائد ممكنة، والشق الثاني من المشكلة يتمثل في سيطرة البنوك على بيئة العمل التي جعلتها تتحكم في فرض أسلوب حياة قائم على الدين. بهذه السياسة تحول الدين عن طبيعته التي تمثل حلا لاحتياجات العميل ليصبح فخا يستدرج بواسطته العملاء إلى عبء يفوق استطاعته.
لا تنحصر المشكلة فقط في بطاقة الائتمان وإنما تنسحب لتعم مختلف المنتجات والخدمات التي يقدمها البنك، كما هو الحال في أثارت الرسوم المتعددة التي تفرضها بنوك على الحسابات الجارية وحسابات التوفير تحت مسمى رسوم الخدمة، ورسوم تجاوز الحد الأدنى للرصيد الشهري الذي يشترطه البنك وفقاً لنوعية الحساب، ورسوماً شهرية، ورسوماً في حال إغلاق العميل الحساب الجاري أو حساب التوفير خلال مدة تقل عن 6 أشهر من تاريخ فتح الحساب، فضلاً عن رسوم تصل إلى 200 درهم سنوياً في حال عدم تفعيل الحساب لمدة تزيد على 5 سنوات، كما تحصل بنوك مبالغ مالية غرامة للسحب المبكر للوديعة خلال فترة تقل عن 7 أيام من الإيداع مع عدم تحصيل فائدة.
أما بعد الأزمة فقد تجاوزت الأزمة البحث عن درجة رضا العميل، نظرا للتجاوزات الكبيرة من قبل البنوك والتي وصلت إلى حد الوقاحة وسوء المعاملة. ويتجلى سوء المعاملة الأكبر في أقسام التحصيل فأصبح أسلوب التعاطي مع العميل يفتقد للاحترام على الرغم من أن جزءاً كبيراً من المشكلة معه تقع على البنك. وهناك بنوك نقلت مراكز الاتصال الخاصة بأقسام التحصيل إلى أماكن منفصلة عن البنك حتى أنها نقلت إلى دول أخرى، فأصبح العميل عرضة للإزعاج المستمر بكل الأوقات نتيجة لعدم وجود تنسيق بين مراكز الاتصال.
في تجاوز آخر للبنوك لا تصرف شيكات العملاء حتى لو نقص المبلغ درهما واحدا فقط عن القيمة المستحقة، خصوصاً أن هناك بعض البنوك تشترط نسباً أو حدود معينة لعدم صرف الشيكات أو على الأقل تقوم بالاتصال بصاحب الحساب لإبلاغه بالمسألة وتسويتها.
من جهة أخرى، فقد تشددت البنوك في منح القروض للعملاء وفرضت معايير وشروط مبالغ فيها تجعلها بعيدة عن متناول شريحة كبيرة من العملاء الذين هم بأمس الحاجة إليها، في الوقت الذي زادت فيه نسبة الفوائد بشكل غير مبرر.
خلق هذا ذريعة لبعض البنوك لاستغلال حاجة العملاء بطرح قروض دون الحاجة إلى تحويل الراتب، ولكن مع فرض نسب فائدة أعلى بكثير من المتعارف غليه، حتى أنها وصلت إلى 40 % من قيمة القرض.
وهذا يدعو إلى التساؤل حول دور المصارف المركزية ورقابتها على البنوك، ودورها في الحد من تجاوز البنوك وحماية العملاء. حيث لم نجد أي دور لهذه المصارف في أي تجاوز تقوم به البنوك، واقتصر دوره في الرقابة الشكلية. وهذا يدعو إلى التساؤل أيضا عن المشرعين الذين لم يأخذوا بعين الاعتبار إلا مصلحة طرف واحد.
