Posted inمصارف (بنوك)

غولدمان ساكس العملاق في الفخ

تتعرض مجموعة بنك غولدمان ساكس الأمريكية لاتهامات رسمية واسعة بالتضليل والاحتيال، وذلك على الرغم من النفوذ السياسي للمصرف.

غولدمان ساكس العملاق في الفخ

تتعرض مجموعة بنك غولدمان ساكس الأمريكية الشهيرة لاتهامات رسمية واسعة من جانب السلطات الأمريكية بالتضليل والاحتيال وخداع المستثمرين، وذلك على الرغم من النفوذ السياسي للمصرف الذي يشغل عدد كبير من موظفيه السابقين مناصب عليا في حكومات وإدارات دول عدة أولها الولايات المتحدة.

وجهت هيئة أوراق المال والتداول الأمريكية الأسبوع الماضي اتهاماً مباشراً إلى بنك غولدمان ساكس العملاق، بالتلاعب بالمستثمرين العقاريين وإخفاء معلومات عنهم وإقناعهم بشراء سندات عقارية عالية المخاطر، رغم معرفة المصرف مسبقاً بارتفاع خطورتها وإمكان تعثرها.

ويشكل الاتهام إحدى القضايا العديدة المطروحة أمام القضاء الأمريكي ضد المصارف الكبرى، ومن بينها أيضاً بنك ليمان براذرز الذي كان انهياره الشرارة التي أطلقت أزمة الأسواق المالية العالمية.

تفاصيل التفاصيل

شرحت هيئة أوراق المال والتداول الأمريكية بالتفصيل كيف دفع غولدمان ساكس المستثمرين إلى خسارة مئات مئات الملايين من الدولارات. فقد أجرى صندوق «بولسون وشركاه» للتحوط في نهاية عام 2006 وبداية 2007 دراسة حول إمكان تعرض الأسواق لأزمة، وقرر الاستفادة منها بتحديد نحو 100 نوع من سندات الرهن العقاري ذات التصنيف الائتماني المنخفض والاستثمار فيها. وفي يناير/كانون الثاني 2007  عقد مدير الصندوق جون بولسون، لقاء مع نائب رئيس غولدمان ساكس، فابريك تور، وطلب منـــه مساعدته في شراء عقود التأمين الخاصة بهذه السندات، من خلال تكوين محفظة سنــدات منـــخفضة التأمين، وبعد ذلك تأمين مضاربة مالية عليها للاستفادة من ارتفاع أسعارها.

ولمحاولة إخفاء القضية، لجأ غولدمان ساكس إلى شركة «أي سي أي» لإدارة الاستثمارات للإيحاء بأن تكون المحفظة واختيار السندات الموجودة فيها تم من قبل طرف ثالث. وبحلــول 26 فبراير/شباط 2007 تكوّنت المحفظة وحملت اسم «أباكوس».

وبهدف تأمين الزبائن لتسويق المحفظة الجديدة، أخفى غولدمان ساكس معلومات وتلاعب ببيانات، وأرسلت عروض استثمار إلى جهات ومصارف عالمية، أشير فيها إلى أن اختيار مكونات المحفظة جرى عبر طرف ثالث مستقل من دون ذكر للاتفاق مع صندوق بولسون وشركاه.


مليار وانهيار

وخلص تقرير هيئة أوراق المال والتداول الأمريكية إلى أن غولدمان ساكس باع المحفــــظة بنحو مليار دولار، وبعد أشهر بدأ الانهيار العقاري الذي جعل السندات الموجودة فيها من دون قيمة تذكر.

يذكر أن غولدمان ساكس اتهم مؤخرا، بمساعدة اليونان على إخفاء جزء من مديونيتها الهائلة للتغلب على قوانين الإتحاد الأوروبي. وقد رد البنك بأن عملياته في اليونان قانونية، ومنتشرة في كل أوروبا.

ومنذ بداية الأزمة اتهم المصرف بالمحسوبية في إنقاذ مجموعة التأمين الأمريكية «أي آي جي» في سبتمبر/أيلول 2008 . وقد حصل غولدمان ساكس وحده على 12. 9 مليار دولار من أصل 52 ملياراً من الأموال العامة لتصفية المراكز المالية التي تواجه مشاكل لمجموعة التأمين وتجنيبها الإفلاس.

وتقدمت اللجنة بدعوى قضائية مدنية ضد غولدمان ساكس أمام إحدى محاكم نيويورك، وهو أول تحرك من نوعه تقوم به الإدارة الأمريكية ضد أحد البنوك والمؤسسات المالية.

وقد ألقت الاتهامات بظلالها على مستقبل البنك كنموذج في المجال الاستثماري كما هزت بنوكا أخرى. وتزامن إجراء الحكومة الأمريكية مع الخطوات التي سيقدم عليها الرئيس باراك أوباما هذا  الأسبوع لإحداث تغييرات مالية في مجلس الشيوخ.  وكان أوباما قد قال «إن أباطرة وول ستريت، لا يزالون يضاربون بتهور بأموال اقترضوها. إننا لا نستطيع تأخير عملية اتخاذ القرار أكثر من ذلك».

ثقافة الخداع

من جانبها قالت صحيفة واشنطن بوست أن التهمة التي وجهت إلى غولدمان ساكس تعتبر الأولى في سلسلة تحقيقات تقوم بها السلطات في مرحلة الركود التي تسببت بها «ثقافة منظمة وعميقة للخداع تنفذها أكبر مؤسسات وول ستريت». وأوضحت واشنطن بوست أن صناديق المعاشات والمؤسسات الأجنبية ومستثمرين من القطاع الخاص كانوا أول الخاسرين.


ونقلت الصحيفة عن محللين قولهم إن استخدام سندات (أباكوس) هو رمز للدور الذي قام به وول ستريت في دفع سوق العقارات إلى الطفرة ثم تحقيق الأرباح من انهياره.

لكن غولدمان ساكس اعتبر أن تلك الاتهامات لا تستند إلى مسوغات قانونية، ووعـد بالعمـــل على مواجهتها والسعي إلى المحافظة على سمعته. وفور صدور قرار الاتهام، هوت قيمة أسهم غولدمان ساكس المؤسسة المالية والاستثمارية الأمريكية العملاقة في نهاية تعاملات يوم 16-4-2010 بنسبة 12.8 في المئة، ما يعادل خسارة 12 مليار  دولار من القيمة السوقية لأسهم المؤسسة.

وعلى الرغم من أن الدعوى لا تستهدف حالياً، سوى غولدمان ساكس وأحد نواب رئيسه الفرنسي فابري تور. وتشير الدعوى إلى فابريس تور المسئول الرئيس عن هذه المناورة التي تعود إلى أبريل/نيسان 2007. ولحظ قرار الاتهام أن فابري تور أعد الصفقة وحضر وثائق تسويقها واتصل مباشرة بالمستثمرين، مع أنه كان يعلم بوضع صندوق بولسون في سوق العقار. وبعد 6 أشهر خسرت الأسهم العقارية التي قدمت في إطار محفظة «أباكوس» 83 في المئة من قيمتها ثم 99 في المئة في يناير/كانون الثاني 2008.

على خطى ليمان

وكان تقرير محاسبي أمريكي كشف منتصف مارس/آذار الماضي أن انهيار بنك ليمان براذرز العملاق في سبتمبر/أيلول 2008، الذي أطلق شرارة أزمة المال العالمية، بسبب ضخامة حجم أصوله التي تقارب 700 مليار دولار، نـــاتج عن ممارسات خاطئة من قـــبل إدارته، أدت إلى مجازفـــة كبــيرة، وإلى عمــليات تــلاعب فــي البــيانات المـالــية.

وجاءت أنباء غولدمان ساكس السيئة للقطاع المصرفي الأمريكي ككل، في الوقت الذي أغلقت فيه أجهزة الرقابة الأمريكية 8 بنوك جديدة، 3 منها في ولاية فلوريدا و2 في كاليفورنيا وبنك في كل من ماساشوستس وميشيجان وواشنطن لترفع بذلك عدد البنوك التي أفلست في الولايات المتحدة في العام الحالي إلى 50 بنكاً.

وذكرت وكالة أسوشيتدبرس أن المؤسسة الاتحادية للتأمين على الودائع بالولايات المتحدة وضعت يدها على 3 بنوك في فلوريدا هي ريفرسايد ناشيونال بنك في فورت بيرس، وتبلغ أصوله 34 مليار دولار، وفيرست فيدرال بنك أوف نورث فلوريدا في بالاتكا وتبلغ أصوله 393. 3 مليون دولار، وأمريكان فيرست بنك في كيرمونت وتبلغ أصوله 905 مليون دولار.


وقد اضطرت 140 مؤسسة مصرفية أمريكية إلى إغلاق أبوابها العام الماضي 2009 وإذا استمرت الوتيرة الحالية، فإن عدد البنوك التي ستغلق أبوابها سيتجاوز هذا العام العدد المسجل في العام الماضي.

بروان على الخطفي بريطانيا، طالب رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون جهاز الرقابة المالي بفتح تحقيق ضد مجموعة غولدمان ساكس، بينما تستعد ألمانيا لاتخاذ إجراء قانوني ضد المجموعة. وشن براون هجوما عنيفا على أقوى بنوك وول ستريت، متهما إياه بالإفلاس الأخلاقي بسبب تقارير عن خطط لدفع مكافآت كبيرة تقدر بأكثر من 5.5 مليارات دولار لموظفيه، مقابل 3 أشهر عمل.

وقال بروان أن هناك مئات الملايين من الجنيهات التي يجري تداولها هنا، ويبدو أن الناس تعرضوا للتضليل بشأن ما حدث، «أريد من سلطة الخدمات المالية الأمريكية أن تحقق في الأمر على الفور».

وقال براون «أعلم أن البنوك نفسها ستدرس اتخاذ إجراء قانوني»  مشيرا في ما يبدو إلى البنوك الأوروبية التي خسرت أموالا في المنتج أي الصندوق الذي سوقه غولدمان ساكس.

وتحرك ألماني

ومن جهتها، باشرت الحكومة الألمانية بحث اتخاذ إجراء قانوني ضد مجموعة غولدمان ساكس. وقال المتحدث باسم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن بلاده ستخاطب لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية طلبا لمعلومات إضافية حول عمليات البنك، تمهيدا لاتخاذ إجراء قانوني.

وتشمل الاتهامات بنك (آي كي بي) التابع لغولدمان ساكس في ألمانيا. وكانت الحكومة الألمانية قد ضخت 13.5 مليار دولار في هذا البنك ضمن خططها لدعم نظامها المصرفي.


ويرى المعلق ديفيد وايدنر أن بنك غولدمان ساكس تعرض لمجموعة اتهامات بارتكاب خطايا منها سلب دافعي الضرائب عبر إنقاذ شركة أمريكان إنترناشيونال جروب انك وشراء ائتمانات وتقديم أحد أعضاء مجلس إدارته معلومات سرية لأحد صناديق التحوط.

وأشار وايدنر أن الاتهام الأخير هو الذي ألحق أكبر الضرر بغولدن ساكس. وأضاف :هذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها البنك المذكور لاتهامات تتعلق بأدائه في مجال الأوراق المالية المضمونة برهن عقاري. وأوضح أن فيل انجلايدز رئيس لجنة التحقيق المالي الحكومية وصف رهانات جولدمان ساكس إزاء الأوراق المالية التي يضمنها بأنها «تبدو بالنسبة إليه كبيع سيارة ذات كوابح معيبة ومن ثم شراء وثيقة تأمين لمشتري تلك السيارة».

صعوبة الإثبات

ويوضح وايدنر أن تعليق انجلايدز في يناير/كانون الثاني الماضي جاء بعد سؤال تم توجيهه لرئيس غولدمان ساكس التنفيذي لويد بلانكفاين، عما إذا كان يرى أن ممارسة اتخاذ مركز قصير لأوراق مالية وهي تصل إلى السوق، ممارسة غير أخلاقية أو قانونية أو سليمة، وقد رد بلانكفاين بأن تلك ممارسة لصانع سوق وأن إجابته هي أنه يعتقد أنه سلوك غير سليم.

ويقول ايدنر أن نقطة بلانكفاين هي الإيديولوجيا السائدة في كل بنك استثمار، أي أن عملاء مثل بولسون وبائعي الأوراق المالية المضمونة برهن عقاري هم أطراف متقابلة وليسوا عملاء.

ويضيف أن بلانكفاين يقول :على ما يبدو أن غولدمان ساكس وسيط،  وأن يكن وسيطاً يحقق ثروة من أتعاب يحصل عليها من تلك الأطراف المتقابلة ويخلص المعلق إلى أن هذا يجعل إثبات القضية ضد غولدمان ساكس صعباً. بيد أنه يقول أنه في حال أثبت ممثلو الادعاء انه كان هناك تزوير متعمد، فإن القضية لن تكون ضربة قاصمة لغولدمان ساكس فقط، بل ستغير وول ستريت ومعنى مفهوم صنع السوق.

يذكر أن صحيفة رولينغ ستون كانت قد وصفت بنك غولدمان ساكس  بأنه «أقوى بنك للاستثمار، وأخطبوط جشع هائل». وحاول المصرف في يناير تهدئة الانتقادات بتخفيضه مكافآت موظفيه التي كان ينوي دفعها وحرمان مسئوليه من ترقيات نقدية.