Posted inمصارف (بنوك)

الاقتصاد الكويتي الحل موجود لكنه لدى الحكومة

تتعرض كافة دول المنطقة لتداعيات الأزمة المالية التي تعصف بالاقتصاد العالمي بعد أن كانت الأزمة محصورة في الولايات المتحدة الأمريكية.

الاقتصاد الكويتي الحل موجود لكنه لدى الحكومة

تتعرض كافة دول المنطقة لتداعيات الأزمة المالية التي تعصف بالاقتصاد العالمي بعد أن كانت الأزمة محصورة في الولايات المتحدة الأمريكية. وحيث أن الاقتصاد الأمريكي يشكل 25 % من الاقتصاد العالمي، فمن الطبيعي أن تتأثر جميع دول العالم بالتطورات الايجابية أو السلبية التي يتعرض لها هذا الاقتصاد.

يمر الاقتصاد الأمريكي حالياً بمرحلة ركود عميق، امتد  ليشمل معظم الدول المتقدمة بما فيها أوروبا واليابان. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد الأمريكي سيسجل نمواً سالباً في عام 2009.

ويعتقد محللون وخبراء حول العالم أن الركود الحالي سيمتد لمدة عامين أو ثلاثة على الأقل حتى لو توقف التدهور واستقر الوضع نسبيا مع منتصف عام 2009، مما يؤكد الاعتقاد السائد بأن هذه الأزمة هي الأسوأ في العالم منذ فترة الكساد العظيم الذي امتد من عام 1929 إلى 1939.

أما بخصوص بقية الدول النامية ومن ضمنها الكويت، فستشهد تراجعاً ملحوظاً في نموها الاقتصادي. ويظهر تأثر الكويت بالأزمة المالية العالمية بوضوح من خلال التراجع الحاد في أسعار النفط، كما يعكسه النزيف الذي تتعرض له أسعار الأسهم والعقار وبوادر التباطؤ في النشاط الاقتصادي. فقد خسرت الأسهم الكويتية حوالي 47 % من قيمتها السوقية منذ منتصف عام 2008، أي خسارة ما يقدر بنحو 26 مليار دينار كويتي (الدولار يساوي 0.265 دينارا) كان يملكها أفراد وشركات كويتية، إلى جانب تراجع مبيعات العقار بنسبة 32 % من يناير/كانون الثاني إلى نوفمبر/تشرين الثاني عن مستوياتها للعام الأسبق.

تفادي المخاطر

وتقع المسئولية الأكبر على الحكومة التي يمكنها التصدي بفعالية لهذه الأزمة كونها من صميم مسئولياتها ولما تملكه من إمكانيات وسياسات فعالة لا تتوافر لدى القطاع الخاص.

فالحكومة تستطيع اتخاذ كافة الإجراءات والسياسات الكفيلة بتحفيز الاقتصاد المحلي واستعادة الثقة.  وبالتأكيد فإن الفوائض الضخمة المحققة في السنوات العشر الأخيرة (ما بين 1999 و2009)، والتي وصلت إلى 32 مليار دينار بما فيها استقطاعات احتياطي الأجيال القادمة، توفر أدوات تمويلية تمكن الحكومة من اتباع سياسة مالية توسعية لتفادي المخاطر التي تلوح في الأفق.

وتجدر الإشارة هنا أن صندوق النقد الدولي وغيره من مؤسسات دولية كانت قد دعت الدول المتقدمة والناشئة إلى تبني مثل هذه السياسة الاقتصادية كون الأزمة التي نمر بها تعد استثنائية وتتطلب إجراءات وسياسات استثنائية وجريئة وفقاً لتقرير اقتصادي صدر حديثاً عن بنك الكويت الوطني.

وبما أن هذه الأزمة تعتبر أعنف بكثير من أزمة سوق المناخ التي اقتصرت على عدد من المتعاملين في السوق، فإنها ستؤثر على كافة أوجه النشاطات الاقتصادية بما فيها التجارة والتشييد والبناء والصناعة. ومن المؤكد أنه سيكون لها تبعات اجتماعية ومالية كبيرة لدى كافة أفراد المجتمع  بلا استثناء ولن تنحصر على المتعاملين في السوق المالي فقط.

وفي حال لم تتحرك الحكومة بفاعلية وبما يتناسب وحجم المشكلة التي يتعرض لها الاقتصاد الكويتي، فمن المتوقع أن يتعمق التأثير السلبي الذي تتعرض له كافة قطاعات الاقتصاد، الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من الانخفاض في أسعار الأسهم، وتراجع الطلب على السلع والخدمات، وتسريح عدد كبير من العاملين، وتراجع القطاع العقاري، أي بمعنى آخر حدوث شلل في النشاط الاقتصادي في البلاد.


سيناريوهات

وقامت دائرة البحوث الاقتصادية لدى بنك كويت الوطني بدراسة عدة سيناريوهات لتقدير مدى تأثر الاقتصاد الكويتي بهذه الأزمة. وتشير تقديرات الوطني إلى أنه لو تراوح سعر النفط الكويتي ما بين 30 و 60 دولارا للبرميل ولم تقم الحكومة بزيادة مصروفاتها لتحفيز النشاط الاقتصادي بل اكتفت بخفض المصروفات التحويلية للمؤسسات الحكومية وإلى الخارج، فإن اقتصاد الكويت سيسجل نموا سالباً وينكمش ما بين 4 % إلى 5 % خلال العام الحالي فيما سيتراجع الدخل القومي  ما بين 20 و 40 %.

ولن يقتصر النمو السلبي على القطاع النفطي الذي سيشهد انخفاضا بالانتاج وفقا لقرارات أوبك وتماشيا مع انخفاض الطلب، بل قد يتراوح بين 2-3 % بالسالب في القطاع غير النفطي.

وسوف يكون الانكماش في النشاط الاقتصادي أكبر من ذلك لو تم خفض المصروفات الحكومية التي تؤثر مباشرة بالطلب المحلي. أما إذا اتبعت الحكومة سياسة توسعية، فسوف تحمي البلاد من خطر الركود. فعلى سبيل المثال، لو قامت بزيادة المصروفات بنسبة 5 % موزعة بالمساواة بين المصروفات الجارية والرأسمالية يمكن للقطاع غير النفطي من أن يحقق نموا حقيقيا بنسبة 2-4%.

وكما هو معلوم، فإن السياسة النقدية شهدت تغيرات إيجابية ملحوظة في الأشهر الأخيرة للحد من الآثار السلبية التي يتعرض لها الاقتصاد الكويتي، وخاصة من حيث ضمان الودائع، وتوفير السيولة والتمويل للبنوك والشركات التي تتعرض لمصاعب، وخفض أسعار الفائدة، وغيرها من الإجراءات الكفيلة بتحفيز الإقراض والنشاط الاقتصادي.

لكن الدور الأكبر في المرحلة الحالية يجب أن ينصب على السياسة المالية ولعدة أسباب أهمها عدم تقليص المكاسب المحتملة من التوسع في السياسة النقدية، وثانيها أن السياسة المالية،  والمتمثلة في زيادة حجم المصروفات الحكومية،  لها تأثير مباشر ومضاعف على مجمل النشاط الاقتصادي،  لاسيما فيما يخص المصروفات الرأسمالية.

ومن الملاحظ أنه لم يصدر حتى الآن أي معلومات رسمية مفصلة بخصوص توجهات ميزانية الدولة للسنة المالية المقبلة، فيما عدا توجه الحكومة لخفض المصروفات بواقع 30 % نتيجة للتراجع المرجح في حجم الإيرادات. وباعتقاد بنك الكويت الوطني فأن الميزانية يمكن خفضها بأكثر من 30 % فقط بخصم التحويلات الاستثنائية لمؤسسة التأمينات وخفض تكلفة الوقود تماشيا مع انخفاض سعر النفط التقديري.

لا مفر من العجز

ولا شك هنالك مجال لإدارة المصروفات دون المس بأبواب الميزانية التي تؤثر مباشرة بالنشاط الاقتصادي، بل حتى زيادتها. ولن يكون هنالك مفر من تسجيل عجز في الميزانية، إلا أن أي عجز ومهما بلغ سوف يكون الأول منذ عشر سنوات وسوف تكون نسبته ضئيلة مقارنة بالفوائض المحققة في السنوات الماضية.

ويرى الوطني أن تسجيل الميزانية لعجز ليس بموضوع جديد ولا يدعو للقلق، فقد سجلت ميزانية الكويت عجزاً في 13 سنة مالية من أصل 16 سنة خلال الفترة ما بين عامي 1981 و1998. وقد وصل حجم هذه العجوزات إلى 9.9 مليار دينار. وبالتأكيد فإن الفوائض الضخمة المحققة في السنوات اللاحقة (ما بين 1999 و2008) تعتبر أكثر من كافية لتمويل أي عجوزات مستقبلية.

كما أن الكويت ليس لديها مشكلة على صعيد مديونية الحكومة، حيث تبلغ قيمة أدوات الخزانة نحو 2.1 مليار دينار أو ما يعادل 5 % من الناتج المحلي الإجمالي، والهدف منها توفير أدوات نقدية تتيح للبنك المركزي والبنوك المحلية إدارة السيولة في القطاع المصرفي. وعلى سبيل المثال تبلغ نسبة الدين الحكومي 73 % من الناتج في أمريكا و40 % في معظم دول أوروبا.

ومع أن الواقع يملي على حكومة الكويت أهمية تعزيز مصروفاتها، فإنها في الوقت ذاته لن تكون وحيدة في انتهاج هذا المسار. فإذا نظرنا إلى بقية دول الخليج الأخرى، نلاحظ أنها قد أعلنت جميعا عن ميزانياتها لعام 2009، مع تضمن هذه الميزانيات لزيادة ملحوظة في حجم المصروفات الحكومية، وخاصة التنموية منها. فميزانية السعودية تشير إلى زيادة في المصروفات بواقع 16 % مقابل 8 % للعام الأسبق، هذا إلى جانب تخصيص نحو 55 % من الإيرادات لتمويل المصروفات الرأسمالية. أما في عمان والإمارات، فإن معدل النمو في المصروفات سيصل إلى 11 % و21 % على التوالي، وإن كان يقل عن مستواه للعام الأسبق، في حين أن البحرين ستحافظ على نفس وتيرة النمو المستهدفة في مصروفاتها للعام الأسبق وبواقع 8 %.


استعادة الثقة

ويمكن الاستفادة مما تقوم به الدول الأخرى في التصدي لهذه الأزمة وتخفيف آثارها على الاقتصاد المحلي. فدول العالم تسعى الآن إلى استعادة الثقة باقتصاداتها من خلال التوسع في حجم المصروفات الحكومية لتحفيز النشاط الاقتصادي.

وعلى سبيل المثال يقدر حجم الدعم المالي للأسواق والمؤسسات المالية والزيادة في الانفاق الحكومي في الولايات المتحدة بما يزيد عن 4 تريليون دولار، أي ما يعادل 28 % من حجم الاقتصاد، وهذه سوف تمول مستقبلا بأموال ضريبية وليس فوائض إيرادات مالية كما هي الحال في الكويت.

ولو ترجمنا هذا الدعم بالنسبة لحجم الاقتصاد الكويتي لبلغ أكثر من 11 مليار دينار، منها 2,5 مليار دينار زيادة في الانفاق والجزء المتبقي دعم للقطاع المالي. والمطلوب من حكومة الكويت نصف ذلك على الأقل ولو أن نسبة الانكماش في الاقتصاد الكويتي تقدر بأكثر من مثيلتها في أمريكا والدول المتقدمة الأخرى.

ومن المتوقع أن تأتي النتيجة المباشرة لعدم حل هذه الأزمة مرتفعة جداً على البلاد في حال تأخرها مقارنة بالتدخل لحلها بشكل سريع. فمع ضمان الدولة لودائع القطاع المصرفي البالغة نحو 22 مليار دينار كويتي، فإن تكلفة تعرض البنوك المحلية لأية مخاطر ستكون باهظة الثمن.

واقترح تقرير بنك الكويت الوطني عدداً من النقاط التي يمكن للحكومة تبنيها والتي من شأنها أن تخفف من أثار هذه الأزمة، مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة وخصوصية الاقتصاد الكويتي، ومن أهمها:

1 – القيام بالشراء المباشر للأسهم الجيدة والمنتقاة في سوق الكويت للأوراق المالية عن طريق الهيئة العامة للاستثمار على أن لا تقل الميزانية المخصصة للاستثمار في هذه الأسهم عن 5 إلى 6 مليار دينار كويتي، وان يكون الشراء متواصلا بهدف إعادة الثقة إلى السوق  المالي لأن أزمة البورصة الكويتية هي أزمة ثقة في المقام الأول. وبما أن القيمة السوقية للأسهم الكويتية انخفضت من 57 مليار دينار إلى 30 مليار دينار كويتي في النصف الثاني من عام 2008 فإن الميزانية المخصصة من هيئة الاستثمار لمعالجة أوضاع السوق لا تكفي. ومن ثم فالاقتراح هو أن لا يقل المبلغ عن 5 إلى 6 مليار دينار كويتي وذلك بالقيام بشراء نسب مؤثرة في شركات كويتية ممتازة أثبتت كفاءتها بجدارة محلياً وعالمياً. كما يجب أن يكون توجه المحفظة استثماريا استراتيجيا شأنه شأن استثمارات الهيئة العامة للاستثمار في الخارج بحيث تحقق من خلاله الدولة عوائد مجزية مستقبلاً.

2 – الإعلان عن برنامج مالي تحفيزي عن طريق زيادة الإنفاق العام في الميزانية في المشاريع التنموية والإسكانية وخاصة في البنية التحتية مثل المطار والمستشفيات والطرق ومشاريع النفط ومحطات الكهرباء وغيرها من المشروعات الحيوية الهامة التي تحتاجها البلاد. وقد قامت العديد من دول المنطقة بالإعلان عن برامج إنفاق حكومي موسعة لتحفيز النشاط الاقتصادي في بلدانها، حيث أعلنت السعودية عن زيادة ميزانيتها بنسبة 16 % لعام 2009 ضمن خطة تتضمن إنفاق 400 مليار دولار على المشاريع التنموية في السنوات الخمس القادمة.

3 – دعم قطاع الإسكان الذي يمس شريحة كبيرة من المجتمع الكويتي عن طريق زيادة القروض الإسكانية على سبيل المثال من أجل ضخ سيولة جديدة في الاقتصاد المحلي.

4 – أن يكون التنفيذ سريعا وعملياً ودون معوقات أو بيروقراطية في الجهاز التنفيذي، وعلى الأخص في مجال تنفيذ المشاريع التنموية.

5-  خلق جو إيجابي عام من خلال تصريحات رسمية إيجابية وموحدة للمسئولين توضح التوجه الرسمي لمعالجة الأزمة لوقف الارتباك والتناقض بين التصريحات الموجودة على الساحة حالياً، وهو أمر ضروري لإعادة الثقة لدى المواطنين في فعالية التوجهات الحكومية الرسمية.