عانى الجهاز المصرفي الأردني لبعض الوقت من عدم الاستقرار المالي والنقدي، حيث وجهت بعض الانتقادات لصلاحيات البنك المركزي الأردني واستقلاليته المصانة منذ تأسيسه بموجب قانون البنك المركزي وقانون البنوك. كما واجه الجهاز المصرفي العديد من التحديات كان أبرزها التطبيق الفعلي والكامل لمبادئ الحاكمية الجيدة.
أوضح الدكتور أمية طوقان محافظ البنك المركزي الأردني، في لقاء خاص مع أريبيان بزنس في الدوحة أن البنك المركزي الأردني بذل جهودا كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية، واستطاع مواجهة التحديات التي فرضتها الظروف المحيطة بالأردن شرقا وغربا. وبين طوقان الجهود التي يبذلها البنك المركزي الأردني في تطوير وتحديث الجهاز المصرفي من خلال إدخال المعايير الدولية في كل مناحي العمل المصرفي وبخاصة في مجال الحاكمية المؤسسية ومعايير بازل ونظام المدفوعات الوطني والمقاصة الالكترونية للشيكات ومركز المعلومات الائتمانية وغيرها وصولاً إلى تكريس الأردن كمركز إقليمي متميز للخدمات المصرفية.
يعتقد طوقان أن أهم التحديات التي يواجهها القطاع المصرفي الأردني في الوقت الراهن هي عمليات الاندماج والاستحواذ، لافتا إلى أن هناك 23 بنكا في الأردن منها 15 بنكا أردنيا و8 بنوك غير أردنية، وأن هذه البنوك سوف تشهد مع بداية العام الميلادي الجديد تطبيق مبادئ الحاكمية الجيدة، بحيث يصبح الجهاز المصرفي الأردني بالمستوى الدولي المطلوب.
قوة أكبر
ويرى طوقان أن عمليات الاندماج والاستحواذ هدفها امتلاك الأردن لعدد مصارف أقل ولكن أكثر قوة بحيث يكون لديها القدرة على المنافسة على المستويين الإقليمي والدولي، مضيفا أن هذا التوجه يلقى تشجيعا مستمرا وحافزا كبيرا من قبل الدولة. وأن توجه البنك المركزي يتمثل في تجميع الجهاز المصرفي في وحدات مصرفية كبرى قوية ومتينة مالياً وفنياً قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً وتخضع للمعايير التي أعدها البنك المركزي بالتعاون مع جهات إقليمية ودولية. ولكن لا يوجد حتى الآن حالة اندماج واحدة في السوق المصرفي الأردني بسبب انعدام وجود نظرة شمولية مستقبلية كافية لدى القائمين على هذه البنوك .
ويؤكد طوقان أن القائمين على البنوك الأردنية، أن لم يتجهوا إلى عمليات الاندماج فيما بينهم، فسوف يأتي وقت لن يتمكنوا فيه من المنافسة، بسبب صغر حجم هذه البنوك مقارنة بمثيلاتها التي أتمت عمليات اندماج مع بنوك أخرى.
التحديات التي تواجه البنوك الأردنية لا تتمثل فقط في الاندماج والاستحواذ ولكن بحسب رأي طوقان “قدرتها على محاربة غسل الأموال وتمويل الإرهاب” وهو ما يتطلب بدوره إدخال المعايير الدولية في البنوك الأردنية وخلق استثمارات كبيرة وموارد بشرية وأنظمة الكترونية متقدمة.
وحول التراخيص التي قدمت للبنك المركزي الأردني من قبل العديد من البنوك العربية والأجنبية من أجل السماح لها بافتتاح فروع لها في الأردن، أوضح طوقان أنه قبل ثلاثة أعوام تم الترخيص لبنك الكويت الوطني وبنك عودة اللبناني وبنك لبنان والمهجر للعمل في السوق الأردني مضيفا أن هناك حاليا 21 طلبا لتراخيص بنوك جديدة خليجية وعربية وأجنبية. لكننا قررنا إغلاق باب الترخيص، ونحن نعرض عليهم أن يكونوا شركاء استراتيجيين في بنوك قائمة بدلا من أن يفتتحوا فروعا جديدة وأن يتواجدوا في السوق الأردني من خلال الاندماج مع بنوك قائمة أو الاستحواذ عليها، وليس عن طريق افتتاح فروع. نطمح إلى أن يتم تجميع البنوك العاملة في الأردن وذلك بالاندماج وصولاً إلى مؤسسات كبرى قوية ومتينة مالياً وفنياً وقادرة على التنافس محلياً وعالمياً وبما يتماشى مع الطلب على الخدمات المصرفية.
قوة ومنعة
يضيف طوقان أن المشكلة في عدم منح تراخيص لتواجد بنوك جديدة في السوق الأردني لا تكمن في أن هذا السوق غير قادر على الاستيعاب وإنما لأنه لا توجد هناك حاجة لمنح مثل هذه التراخيص. فالسوق الأردني يستوعب مزيدا من البنوك، لكن لا توجد هناك حاجة ملحة في الوقت الراهن.
وفي هذا الصدد يشير طوقان إلى أن الجهات المحلية والإقليمية الراغبة في تأسيس بنوك جديدة يدفعها إلى ذلك الاستقرار النقدي في الأردن وصحة وسلامة البيئة المصرفية والإصلاحات الاقتصادية المتسارعة والمؤشرات الاقتصادية الكلية الممتازة في الأردن والإدارة السليمة، مضيفا أن الجهاز المصرفي الأردني صحي وسليم وأن جميع المؤشرات تدل على قوة ومنعة هذا الجهاز.
وفي ما يتعلق بسياسة ربط الدينار الأردني بالدولار الأمريكي يؤكد طوقان أن عملية الربط ستظل مستمرة ولن يتم تغييرها في الوقت الراهن موضحا أن هذه السياسة أسهمت في ترسيخ الاستقرار النقدي حيث حافظت على معدّل تضخم متدن وزيادة تنافسية الصادرات الوطنية والتي حققت نمواً ملحوظاً خلال السنوات الماضية. كما أفضت هذه السياسة إلى تعزيز الثقة بالاقتصاد والدينار الأردني، الأمر الذي مكّن البنك المركزي من بناء احتياطياته من العملات الأجنبية لتبلغ مستويات قياسية، إذ تبلغ تلك الاحتياطيات حالياً 6.7 مليار دولار أمريكي، أو ما يكفي لتغطية واردات الأردن لنحو ستة أشهر تقريباً، كما أصبح الدينار عملة الادخار، حيث اتسع الهامش بين إجمالي الودائع بالدينار الأردني وإجمالي الودائع بالعملات الأجنبية لصالح الدينار.
يضيف طوقان أن هذه السياسة ساهمت في إزالة ظروف عدم اليقين بالنسبة للمستثمر والمصدر على حد سواء، مما ساعد على تهيئة البيئة الجاذبة للاستثمار وزيادة معدلات النمو الاقتصادي، حيث ارتفعت قيم الاستثمارات المتدفقة إلى المملكة إلى مستويات قياسية تجاوزت 3.1 مليار دولار في نهاية عام 2006، ونما الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي يفوق الـ 6 % في المتوسط خلال الخمس سنوات الماضية. وأوضح أن أي قرارات جديدة تتعلق بتغيير سياسة ارتباط الدينار بالدولار يتم اللجوء إليها في حالة الاعتقاد بأنها ستؤدي إلى وضع أفضل من الوضع الحالي.
وفقاً للتطورات
وحول ربط الفائدة بالدولار، أوضح طوقان أن البنك المركزي الأردني يقوم بإدارة سياسة أسعار الفائدة على أدواته النقدية وفقاً لتطورات النشاط الاقتصادي المحلي وتطورات أسعار الفائدة في أسواق النقد العالمية. ويوضح أن البنك المركزي الأردني يحرص، في ما يتعلق بالتغير في أسعار الفائدة العالمية، على الإبقاء على تنافسية الدينار الأردني كوعاء ادخاري، وبالتالي على أن يكون سعر الفائدة على الموجودات بالدينار الأردني أعلى من سعر الفائدة على الموجودات بالعملات الأخرى ومنها الدولار. كما يقوم البنك المركزي الأردني بتزويد الاقتصاد الوطني بالسيولة الكافية لتمويل النشاط الاقتصادي الحقيقي مع المحافظة على معدلات مستهدفة في مستوى أسعار السلع والخدمات أو معدلات التضخم وهو ما يتطلب هيكل أسعار فائدة متوافق مع حجم النشاط الاقتصادي أو إجمالي الطلب على التمويل.
وحول نسبة التضخم في الأردن يؤكد طوقان أنها غير مرتفعة حيث تبلغ 5.4 في المئة وهي نسبة معقولة لاسيما “إذا أخذنا بعين الاعتبار ارتفاع أسعار النفط والغذاء في الأسواق العالمية” مشيرا في هذا الصدد إلى دور البنك المركزي الأردني في كبح التضخم الذي وصل إلى مستويات قياسية في الأعوام الماضية .
قال طوقان “لولا سياسة البنك المركزي بسحب السيولة الفائضة وإدارة هيكل أسعار الفائدة، لربما كانت أرقام التضخم أعلى مما هي عليه بكثير. ولكانت هناك آثار سيئة على الدخل الحقيقي للمواطن والقوة الشرائية للدينار الأردني”.
وعن دور البنك المركزي في الرقابة على البنوك يؤكد طوقان، أنه تمت معالجة كافة التراكمات خلال السنوات الماضية وأن المركزي أوجد نظاما متكاملا للرقابة على البنوك بما في ذلك الإنذار المبكر والإجراءات الوقائية وتثبيت أُسس الحاكمية الجيدة بحيث يتم معالجة أي خلل منذ بدايته مشيرا إلى أن وضع الجهاز المصرفي اليوم دليل واضح على نجاح الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي.
إنذار مبكر
في هذا المجال يقول طوقان أن رقابة البنك المركزي الأردني على البنوك هي رقابة على السياسات العامة للبنك إلى حد ما، وليست تدقيقاً. وأن الرقابة تتعاظم فعاليتها في ظل بيئة مالية ومصرفية سليمة وشفافة. ولا يمكن أن تكون فعالة في أجواء غير صحية مثل انعدام الرقابة الداخلية والعمل الداخلي مهما كانت الأساليب محكمة وشاملة، موضحا أن البنك المركزي الأردني لن يتوانى عن اتخاذ أشد الإجراءات بحق أية مخالفات لقانون البنوك والتعليمات الصادرة بمقتضاه وسيتم اللجوء إلى الآليات والتشريعات ذات العلاقة لجعل المبادئ العالمية للرقابة الجيدة جزءاً من العمل اليومي في الجهاز المصرفي الأردني.
ويقول أنه، ولخلق الشروط الموضوعية الكفيلة بزيادة فاعلية الدور الرقابي للبنك المركزي، أصدر البنك المركزي الأردني إطاراً شاملاً لإجراءات التصحيح الفوري وبشكل يمكنه تحديد الخطوات الواجب إتباعها في مختلف حالات التعثر المصرفي. كما أصدر دليلاً شاملاً للتحكم المؤسسي وقام بإعداد نظام للإنذار المبكر يضمن المتابعة الحثيثة لعمل وحدات الجهاز المصرفي ومعالجة أية بوادر ضعف في مرحلة مبكرة من حدوثها انطلاقاً من إيماننا بضرورة وجود إدارات حصيفة في البنوك تتمتع بالكفاءة والنزاهة المطلوبة. وأوضح أن أساس التعامل في الجهاز المصرفي الأردني هو الثقة والمصداقية وتوازن الحقوق والواجبات لكافة الأطراف المشاركة في العمليات المصرفية لكي يستمر الجهاز المصرفي في أداء دوره الأساسي في تمويل النشاط الاقتصادي الأردني واحتياجات المواطن الأردني التمويلية والادخارية وبالتالي زيادة النمو الاقتصادي ومستوى الدخل ومستوى العمالة.
وحول التنافس بين البنوك الأردنية يقول طوقان أن هناك منافسة كافية وهناك رضى كامل عن درجة التنافس بين البنوك الأردنية والدليل على ذلك التسهيلات الائتمانية أو سعر الفائدة على التسهيلات والذي ينخفض دائما مع ارتفاع سعر الفائدة على الودائع حيث أصبح هناك كمية ودائع كبيرة في البنوك الأردنية وهو دليل واضح على المنافسة. يضاف إلى ذلك الأرباح الهائلة للبنوك الأردنية والتي وصلت إلى مستويات قياسية وهو دليل واضح على زيادة الإنتاجية في الجهاز المصرفي لان التنافس والأرباح في ازدياد مستمر.
مؤشرات وتحديات
ويضيف طوقان أن المؤشرات كلها إيجابية، ولكن مازال هناك بعض التحديات ولذلك لابد للجهات الرقابية للمركزي الأردني أن تكون على أكبر درجة من الجاهزية لمعالجة أي موضوع قد يطرأ في بدايته وأكبر دليل على ذلك ما حدث في أمريكا. ربما كان هناك تقصير منذ البداية من قبل الجهات الرقابية، يتمثل في مؤسسات التصنيف الدولية التي صنفت هذه الرهونات بدرجة عالية جدا من الأمان.
وحول تأثير أزمة الاقتراض العقارية الأمريكية في السوق الأردني يوضح طوقان أن هذه الأزمة ليس لها أي تأثير على أي دولة عربية بأي حجم يذكر لان هذه الأوراق غير مستعملة في الدول العربية والمهم أن نستفيد كبنوك مركزية من الدروس الممكن استخلاصها من هذا الحدث المالي الكبير.
وفي هذا الصدد يشير طوقان إلى أن الأداء الاقتصادي العالمي، بما في ذلك الأداء في منطقة الشرق الأوسط، تميز خلال السنوات العشر الماضية بنسب نمو مرتفعة صاحبها معدلات تضخم متدنية وبالتالي أسعار فائدة متدنية. كما صاحبها فائض في السيولة في الأسواق المالية العالمية مرجعا أسباب معدلات النمو الاقتصادي المرتفع والمستويات المتدنية للتضخم على الرغم من الفائض في الأسواق المالية الدولية ومنها الأسواق المالية في منطقتنا، إلى ارتفاع الإنتاجية بشكل عام وبنسب ملحوظة في معظم الدول بسبب التقدم الكبير في تكنولوجيا الاتصالات والإدارة والإيداع المالي، مما نتج عنه تقليل كلف الإنتاج، وبالتالي معدلات أدنى من التضخم ومن أسعار الفائدة، وكذلك إغراق الأسواق العالمية بسلع وخدمات من دول كبيرة مثل الهند والصين وبكلف متدنية نسبياً مما ساهم أيضاً في إبقاء التضخم وبالتالي أسعار فائدة تحت السيطرة.
يضاف إلى ذلك نجاح البنوك المركزية ولاسيما الرئيسية منها، مثل بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي وأيضا البنوك المركزية في منطقتنا في إتباع سياسات نقدية منضبطة ساهمت في التعامل مع أية ضغوط تضخمية بشكل إيجابي. كما أن السياسات المالية بشكل عام في معظم الدول تميزت بالانضباط، وهو ما نتج عنه وعلى مدى عشر سنوات زيادة في ثقة المستثمر والمنتج والمستهلك بحصافة السياسات النقدية والمالية وبالتالي ازدياد مصداقية السياسات النقدية والمالية واطمئنان كافة الأطراف المشاركة في العملية الاقتصادية، بقدرة السلطات النقدية والمالية على ضبط التضخم وتوفير السيولة اللازمة لتمويل النمو الاقتصادي الحقيقي وبكلفة متدنية.
وضع مريح
إلا أنه نتج عن ذلك الوضع المريح أيضاً تقليل سعر المخاطرة وإقدام المدخرين على الشراء غير الانتقائي للموجودات المالية والحقيقية مثل الأسهم والعقار والذهب وغيرها. أي أنه كان هناك إقدام وشهية أكبر للمخاطرة بسبب الاطمئنان إلى سلامة الأوضاع الاقتصادية وأيضاً بسبب السيولة الفائضة التي كان على المدخرين والجهاز المصرفي تشغيلها بأي عائد لتغطية كلفة هذه السيولة المتواجدة كودائع لدى الجهاز المصرفي.
وهذا هو ما حدث في سوق العقار في الولايات المتحدة، حيث تم إقراض مئات المليارات من الدولارات لمقترضين لم تكن ملاءتهم الائتمانية بالمستوى المطلوب، وتم التغاضي عن ذلك، وتحمل المخاطرة طمعاً في عائد أعلى للسيولة الفائضة. أما بالنسبة للمنطقة العربية، فطالما أننا سنستمر في إتباع السياسات النقدية والمالية المنضبطة، أعتقد أنه لن تكون هناك آثار اقتصادية سلبية تُذكر. وباستثناء سلعة النفط، فإن الدول العربية هي دول مستوردة بشكل عام وليست دولا مصدرة، مقارنة بحجم الاقتصاد العالمي. وبالتالي فإن أي انكماش للطلب العالمي على السلع والخدمات، سيؤثر في اقتصاديات الدول الصناعية المصدرة للسلع والخدمات بشكل رئيسي.
