تتسع الأزمة المالية العالمية، وتزداد حدة يوما بعد يوم، وتختنق اقتصادات الدول بسبب انكماش التمويل أو جفافه كليا الأمر الذي يهدد بانهيار ليس فقط المزيد من البنوك والمؤسسات بل حتى اقتصاديات دول بأكملها. والحقيقة الوحيدة المؤكدة حتى الآن وسط ضبابية التطورات الاقتصادية العالمية، هي أن العاصفةالتي هبت من وول ستريت، لا تزال في بدايتها.
دبي- خاص أريبيان بزنس
الاقتصاد العالمي يختنق أو هو على وشك الاختناق. والبنوك المركزية في العالم وكذلك الحكومات، أتخذت وتواصل اتخاذ الإجراءات الطارئة من عمليات ضخ للسيولة ومن قرارات لضمان الودائع البنكية ورؤوس الأموال والاستثمارات وكذلك من قرارات تأميم وأخرى تقضي بتخفيض نسب الفائدة والإقراض لمنع وقوع الأسوأ غير أن الركود العالمي، أو الانكماش الاقتصادي العالمي، وهو أضعف توصيف لما يمكن أن يحدث، قد أصبح على الأبواب.
فلقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة كبيرة من الانكماش جراء الصدمات الخطيرة التي تلقتها الأسواق المالية في الدول الغنية وهي الأسوأ منذ ثلاثينيات القرن الماضي. ويتوقع الصندوق أن ينخفض النمو العالمي بنسبة 3 % عام 2009 وهو أدنى مستوى له منذ عام 2002.
وقد جعلت أزمة الائتمان الراهنة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى تبدو وكأنها عاجزة عن التعامل مع الكارثة كما جعلت المجموعات الأكبر المنبثقة عنها تبدو غير مناسبة للقيام بالمهمة. ففي الأسبوع الماضي تجمع زعماء ماليون من شتى أنحاء العالم تحت مظلة مجموعة السبع ومجموعة العشرين الأكبر التي تضم كلا من الدول النامية والدول المتقدمة وصندوق النقد الدولي المؤلف من 185 دولة دون أن يوفقوا كثيرا في إيجاد حلول للأزمة الراهنة .
وبلغ إجمالي الأموال التي خصصتها كل من فرنسا وألمانيا وأسبانيا والنمسا لضمان ودائع البنوك لديها وشراء حصص في أسهم المؤسسات المالية بنحو 1.1 تريليون يورو (1.5 تريليون دولار).
والقوة الدافعة وراء كل ما حدث وسيحدث مستقبلا هو الاقتصاد الأمريكي الذي لم يكتف بخسارة القوة الدافعة بل دفع عشرات الدول عبر العالم لخسارة القوة الدافعة في اقتصادياتها.
واعتبر مدير صندوق النقد الدولي أن المخاوف بشأن قدرة البنوك العالمية على الوفاء بالتزاماتها دفعت النظام المالي العالمي إلى حافة انهيار شامل.
وقال دومينيك شتراوس كان، إنه حتى في ظل الإجراءات غير المسبوقة التي شملت خفضا منسقا لأسعار الفائدة من جانب بنوك مركزية رئيسية لوقف النزيف المالي في الولايات المتحدة وأوروبا، فستكون هناك حاجة على الأرجح إلى خطوات إضافية إلى أن تستقر الأسواق.
وأبلغ شتراوس كان اللجنة النقدية والمالية الدولية للصندوق «إذا نظرنا إلى الأمام، فمن المتوقع أن تظل الأوضاع المالية صعبة جدا، مما يكبح فرص النمو العالمي».
تطورات خطيرة
وقد أوضح الدكتور سعيد الشيخ كبير إقتصاديي البنك الأهلي لأريبان بزنس أن الأزمة المالية التي بدأت في الفصل الرابع من العام الماضي على خلفية الرهن العقاري شهدت خلال الأسبوعين الماضيين تطورات خطيرة في الولايات المتحدة قبل أن تبدأ بنشر الخوف والرعب ليس في سوق المال الأمريكي فحسب بل وعلى مستوى العالم ، كما أن تبعاتها لازلت تتوالى حتى الآن.
وأشار الدكتور الشيخ إلى أن عملية إنقاذ «بنك فاني مي» و «فريدي ماك» من الإنهيار حال دون التسبب في كارثة مالية على مستوى العالم وذلك نظراً لحجمهما الكبير وانتشارهما وكونهما لاعبين أساسيين في سوق السندات رغم أن ذلك يخل بشكل واضح بقواعد المنافسة الحرة التي تنادي بها الولايات المتحدة في المنتديات الدولية.
وأستطرد الدكتور الشيخ قائلا ً «السلطات المالية الأمريكية وضعت بذلك نهاية لعهد استمر 75 سنة. ففي عام 1933 أقر الكونجرس الأمريكي قانون «جلاس ستيجول» المتضمن منع البنوك التجارية من التعامل في الأعمال المصرفية الاستثمارية حيث جاء ذلك القرار في أعقاب فترة الكساد في 1930 والتي أدت إلى انهيار عدد كبير جداً من المؤسسات المصرفية».
وأوضح د.الشيخ أنه «عادة ما تعتمد المصارف الاستثمارية على المصارف التجارية في إعادة تمويلها، بيد أنه في حال وقوع أزمة مالية تتردد المصارف في الإقراض لبعضها البعض، حيث تكون المصارف الاستثمارية معرضة بصورة خاصة للأزمة المالية أكثر من غيرها كما هو عليه الحال الآن من انهيار بعض المصارف الاستثمارية».
جسامة الخسائر
وكانت الاستثمارات العربية والأجنبية الموظفة في الولايات المتحدة قد انكشفت على خسائر جسيمة لحقت بها بسبب عاصفة «وول ستريت» التي أحالت الرهن العقاري إلى كرة ثلج باتت تهدد النظام المالي والاقتصاد العالميين للشهر الـخامس عشر على التوالي.
وأفادت بيانات مجلس الاحتياط الفيديرالي أن مديري الاستثمار الأجنبي بنوعيه الرسمي والخاص، فوجئوا بفقاعة الرهن العقاري وانفجارها المدوي في أغسطس/ آب 2007، لكن الإجراءات التي اتخذوها للتحوط من نتائجها، لم تتسم بالسرعة والحسم فحسب، بل واكبت الأزمة في تصاعد أخطارها وانحسارها. وبرز عاملا السرعة والحسم بوضوح في سلسلة متتالية من القرارات اتخذها المديرون لخفض استثماراتهم الجديدة في الأصول المالية الأميركية بحدة وترحيل استثماراتهم القائمة من مراكز الخطر إلى الأصول الآمنة.
أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة تخصيص 70 مليار درهم إضافية (19 مليار دولار) لضخها في القطاع المصرفي، ما يرفع إجمالي المبلغ الذي خصصته الحكومة لدعم المصارف إلى أكثر من 32 مليار دولار في غضون أقل من شهر.
وكان مجلس الوزراء بدولة الإمارات قد أقر إجراءات وقائية لضمان استمرارية النمو الاقتصادي وحماية الاقتصاد الوطني حيث تعهدت حكومة الإمارات بضمان عدم تعرض أي من المصارف الوطنية لأية مخاطر ائتمانية، كما ضمنت الودائع والمدخرات في المصارف الوطنية، إلى جانب توفير ضمانات عمليات الاقتراض بين المصارف العاملة في الدولة، وضخ السيولة اللازمة في الجهاز المصرفي في حال تطلب الأمر ذلك.
وقال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «نحن جادون في حماية نظامنا المالي وقطاعنا المصرفي، حفاظاً على المصالح العليا لدولتنا وشعبنا». يذكر أن الإمارات هي أول دولة خليجية تتخذ مثل تلك الإجراءات على خلفية الأزمة المالية العالمية، والثالثة عالميا بعد استراليا وبلجيكا.
وسجل حجم الأموال التي ضخها الاستثمار الأجنبي في الأصول المالية الأميركية من أذونات الخزانة وسندات الشركات وأسهمها ذروة تاريخية عشية انفجار الأزمة، إذ بلغ معدله السنوي في الفصل الثاني من 2007 نحو 2.66 تريليون دولار (ما يزيد على ضعفي حاجة أميركا لتمويل عجزيها المالي والتجاري)، لكنه انخفض سريعاً إلى 1.2 تريليون دولار في الفصل الثالث ثم إلى 837 مليار في الفصل الرابع. ومع انحسار الخسائر قليلاً في الفصل الأول من 2008 ارتفع إلى نحو 1.2 مليار دولار فقط، ليهوي من جديد إلى 500 مليار مع تصاعد الأخطار فجأة في الفصل الثاني.
العرب والدوت كوم
وترافق إجراء تقييد معدل ضخ الاستثمارات الجديدة، مع سباق محموم على شراء أذونات الخزانة. فبعدما تخلص الاستثمار الأجنبي، وتحديداً الاستثمار الخاص، من نحو 50 مليار دولار من الأذونات في الفصل الثاني من 2007، دفعته تطورات الأزمة إلى زيادة رصيد مقتنياته من السندات الحكومية الآمنة بأكثر من 600 مليار في الفصل الأول من 2008 وبنحو 500 مليار في الفصل الثاني، أي ما يزيد على 3 أضعاف معدل الشراء السنوي في 2007. وجذبت مؤشرات الأسهم الأميركية أيضاً استثمارات أجنبية ضخمة ناهزت 350 مليارا عندما استعادت قوتها في الفصل الأخير من العام الماضي وبداية العام الجاري.
لكن إجراءات التحوط لم تدرأ الأخطار كلها، إذ أفاد مجلس الاحتياط الفيديرالي أن خسائر الاستثمارات الأجنبية في أسواق المال الأميركية ناهزت 400 مليار دولار منذ بداية الأزمة وحتى نهاية يونيو/حزيران الماضي بعدما انخفض حجمها الإجمالي من 2.826 تريليون دولار في الفصل الثالث من عام 2007 إلى 2.425 تريليون نهاية الفصل الثاني من هذا العام.
ومع استمرار انهيار المؤشرات الأميركية قفزت هذه الخسائر إلى أكثر من تريليون دولار تجاوزت حصة الاستثمارات العربية منها حتى إقفال آخر شبتمبر/أيلول الماضي 50 ملياراً.
في أمريكا
ورفعت دول مجلس التعاون الخليجي رصيدها من الأصول الأجنبية هذا العام إلى تريليوني دولار وضخت، بحسب معهد التمويل الدولي، 530 مليارا في أسواق الاستثمار العالمية في السنوات الخمس الأخيرة، وظفت 300 مليار منها في أمريكا.
وفي بيانات وزارتي الخزانة والعمل بلغت الاستثمارات العربية في الأصول المالية الأميركية 322 مليارا عشية الأزمة المالية، شكل معظمها (308 مليارات دولار) استثمارات سعودية وخليجية بينما تشكل البقية استثمارات من مصر (11 ملياراً) والمغرب (1.3 مليار) والباقي من الأردن ولبنان وتونس.
يذكر أن فقاعة أسهم الإنترنت في السابق (الدوت كوم) التهمت ما يزيد على 7 تريليونات دولار من القيمة السوقية للأسهم الأميركية، وفي حين خسر الاستثمار الأجنبي حينئذ 18 في المئة (314 مليار دولار) من ثروته السهمية، انحصرت الخسائر العربية في نسبة لا تزيد على 7.5 في المئة (3.2 مليار دولار). ولم تبدأ الأزمة المالية الحالية إلا بعد أن استعادت وول ستريت خسائرها كلها وارتفعت الاستثمارات العربية في الأسهم الأمريكية من 40 مليارا منتصف 2002 إلى 141 مليارا منتصف 2007.
في ذاكرة التاريخ
وقبل أيام قال بوب دول، نائب رئيس مجلس الإدارة في شركة «بلاك روك» ورئيس الاستثمار العالمي في الأسهم أن الأزمة التي عصفت بالأسواق المالية في الأسابيع الأخيرة، ستبقى في ذاكرة التاريخ باعتبارها أكبر زلزال مالي عالمي، وأنه من المبكر القول أننا نقترب من النهاية، لأن اتساع الأزمة الائتمانية أدى إلى انهيار عدة مؤسسات مالية ومصارف والى وضع الحكومات الأمريكية والأوروبية اليد على عدة منشآت مالية والى حدوث اندماجات على نطاق واسع ومناقشات حول مزيد من التدخل الحكومي في العملية الاقتصادية من أجل إغاثة الأصول المتعثرة.
واضاف دول أن النظرة النزولية تقول أن المستقبل هو من الغموض بحيث يعتبر أن مبلغ الـ 700 مليار دولار الذي قررت إدارة الرئيس جورج بوش ضخه في الاقتصاد الأمريكي ليس كافياً لامتصاص عاصفة الخسائر المتزايدة وأن التعثر الائتماني سيستمر كما أننا سنعاني من هبوط عالمي سيكون عميقاً وطويلاً ، وأنه لا يزال امام الأسهم مسافات بعيدة في النزول.
ورغم أنه أبدى شيئا من التفاؤل، فان بوب دول أبدى شكوكا حقيقية في امكانية عودة النظام الائتماني والمالي الأمريكي ككل إلى العمل بانتظام، وتوةقع أن تستمر خسائر القروض في الازدياد وسط مناخ عدم الثقة بالألية القتصادية ككل.
خطة المواجهة
لقد تبنى صندوق النقد الدولي، وبإجماع الدول الأعضاء خطة العمل التي تقدمت بها مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى المكونة من 5 نقاط لمواجهة الأزمة المالية العالمية والتي تدعو لتسخير كل الوسائل الممكنة لدعم البنوك الكبرى للحيلولة دون انهيارها.
وجاء إقرار هذه الخطة في ختام الاجتماع السنوي لصندوق النقد الدولي المكون من 185 دولة في واشنطن قبل أيام على خلفية أسوأ أزمة مالية تجتاح العالم منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
وتعهدت الدول الأعضاء في بيان لها بالتنسيق مع الدول النامية التي بدأت تشعر بآثار الأزمة المالية العالمية، ووعدت باستعمال كل الوسائل المتوفرة لدعم المؤسسات المالية الهامة لتفادي انهيارها.
ووصف يوسف بطرس غالي وزير المالية المصري ورئيس اللجنة المالية والنقدية بصندوق النقد الدولي مصادقة الصندوق على خطة العمل التي تقدمت بها مجموعة الدول الصناعية السبع بالخطوة الضرورية لاستعادة الثقة في الأسواق والمصارف.
وكان رئيس صندوق النقد الدولي دومينيك شتراوس قد قال في بداية اجتماع ضم وزراء مالية الدول الصناعية السبع إن حل الأزمة الراهنة يقتضي تعاونا دوليا من الدول كافة المتقدمة منها والنامية على السواء.
وقال مايك أمبروز على هامش المؤتمر السنوي لشركات الطيران الإقليمية الأوروبية إن المناخ الحالي لشركات الطيران «أخطر شأنا وأبعد مدى بكثير» من الفترة التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة، في إشارة إلى تأثير الأزمة المالية على قطاع الطيران.
انهاء التجمد
وأعرب المسؤول المالي الدولي عن ثقته في أن العمل الحكومي سيثبت قوة تكفي «لإنهاء تجمد» الأسواق في الأيام المقبلة.
وسبق أن حذر شتراوس من أن النظام المالي العالمي على شفا الانهيار، داعيا إلى التنسيق والاستعداد لاتخاذ ما وصفه بعمل جريء لاحتواء العاصفة التي تجتاح الأسواق.
من جانبه حذر وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون من أن البلدان ذات الأسواق الصاعدة، في إشارة للدول النامية، ليست محصنة ضد التوترات المالية العالمية التي تلحق الضرر بالاقتصادات الصناعية، وأنها يجب أن تتوخى الحذر في اختياراتها للسياسة الاقتصادية.
ودعا بولسون صندوق النقد الدولي إلى مواصلة التركيز على مهامه الأساسية بما في ذلك الرقابة على العملة ومساعدة الدول منخفضة الدخل على تفادي الرزوح مجددا تحت وطأة الديون. وأضاف أن على صناع السياسات أن يولوا اهتماما خاصا بتنفيذ إجراءات لدعم نمو غير تضخمي وتحسين مرونة الاقتصاد وضمان أنظمة مالية قوية.
وبعد الأسبوع الصعب الذي شهدته البورصات، اتفق الرئيس الامريكي جورج بوش وكبار مسئولي المال في مجموعة السبع على التحرك بصورة جدية على المستوى العالمي لمواجهة الازمة التاريخية التي تهدد النظام المالي الدولي.
وقال بوش اثر اجتماعه مع وزراء ورؤساء المصارف المركزية لدول مجموعة السبع ورئيس البنك الدولي والمدير العام لصندوق النقد الدولي «الجميع مقر بأننا ازاء أزمة شاملة تتطلب ردا جديا على المستوى العالمي».
وجاء اجتماع بوش بالوزراء بعد 12 ساعة من نشر وزراء مالية ورؤساء البنوك المركزية لدول مجموعة السبع الجمعة بواشنطن «خطة عمل» من خمس نقاط لمواجهة الازمة المالية تعهدوا بموجبها بحماية المصارف الكبرى من الافلاس.
ومبدئيا نصت خطة مجموعة السبع على أن تبذل الدول الاعضاء الجهود اللازمة لتحريك الأموال من أجل التأكد من حصول المصارف والمؤسسات المالية على السيولة والرساميل كما نصت على أن تسمح الدول للمصارف بجمع رؤوس اموال من القطاعين العام والخاص. ودعت أيضا إلى تقديم ضمانات متينة ومتجانسة من قبل السلطات العامة لاستعادة ثقة المودعين في سلامة ودائعهم والى حل مشكلة سوق الرهن العقاري التي كانت سبب الأزمة.
الفقراء لا يستطيعون
وكان كبير الاقتصاديين في البنك الدولي جوستين ييفو لين قد قال أن الدول النامية لن تكون بمعزل عن الاضطرابات المالية التي تواجهها الدول الغنية، وأن معظم الدول الفقيرة الضعيفة ستحتاج للحصول على مساعدة منسقة.
وأوضح لين ان تأثر الدول بالأزمة المالية الأمريكية يتوقف على قوة حساباتها الراهنة واحتياطياتها من العملات الأجنبية وموقفها النقدي، لكن الجميع سيتضررون. وقال للصحافيين إن الآثار على الدول النامية ستكون كبيرة ولن يكون بالإمكان تجنب تباطؤ اقتصادي في الدول النامية. الأمل في ان تكون الدول النامية بمعزل عن الأزمة المالية العالمية لن يتسنى تحقيقه.
.. والدول النفطية
كما توقع البنك الدولي تباطؤ النمو في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جراء الأزمة المالية التي تضرب العالم حاليا وما رافقها من تراجع أسعار النفط الخام وانخفاض التحويلات المالية.
وعبر البنك عن قلقه إزاء الاضطراب الحالي في الأسواق النفطية وقال إنه سيرمي بظلاله على جميع قطاعات الاقتصاد في الدول العربية المنتجة للنفط في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
وخلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة الأميركية واشنطن الجمعة، قال فاروق إقبال مدير البنك لشئون التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن النفط كان المحرك الأساسي للنمو في هذه الدول على مدى العامين الأخيرين، وبالتالي فإن تراجع أسعاره سيؤدي إلى تراجع النمو.
وذكر إقبال أن خبراء الاقتصاد لدى البنك يعملون حاليا على أساس توقعات أن يبلغ متوسط سعر النفط 75 دولارا للبرميل في 2009، علما بأن الأسعار تراجعت من مستويات قياسية قرب 150 دولارا للبرميل في يوليو/تموز الماضي لتغلق في الأسبوع الماضي عند حوالي 80 دولارا فقط.
وبجانب سعر النفط فان من المتوقع أيضا تراجع التحويلات المالية إلى المنطقة وأن يؤثر ذلك على النمو مطلع العام القادم، حيث خفض البنك الدولي توقعاته للنمو في المنطقة منذ تسارعت الأزمة المالية ووصلت تقديراته للعام الحالي 4 % نزولا من متوسط قدره 5.7 % عام 2007.
أسبوع مرير
وكان الأسبوع قبل الماضي مريرا جدا على أسواق المال في العالم، ليكبد الأسهم خسائر جديدة تجاوزت أو دارت حول 20 % لمعظم البورصات سواء في ذلك الأمريكية أو الأوروبية أو الآسيوية، في ظل حالة من الذعر والهروب الجماعي للمستثمرين من أسواق الأسهم بسبب تفاقم الأزمة المالية. وغرقت المؤشرات العالمية في خسائر لم تشهدها منذ الكساد الكبير في أمريكا أو انهيار الأسهم في عام 1987 بالنسبة للمؤشرات الآسيوية.
وعلى مدار الاسبوع أغلق مؤشرا داو جونز الصناعي لأسهم الشركات الأمريكية الكبرى ومؤشر ستاندرد آند بورز 500 الأوسع نطاقا منخفضين 18 في المائة في حين هبط مؤشر ناسداك المجمع الذي تغلب عليه أسهم شركات التكنولوجيا 3 .15 في المائة ومر مؤشر يوروفرست 300 لأسهم الشركات الأوروبية الكبرى بأسوأ أسبوع له على الاطلاق حيث هبط 22 في المائة، فيما بلغت خسائر مؤشر نيكاي الياباني خلال الأسبوع 24 %.
وقال يون فان ليندرز متخصص توزيع الاصول لدى فورتيس للاستثمارات «المستويات المنخفضة الجديدة التي شهدناها في أسواق الاسهم هي نتاج عمليات بيع يحركها الذعر». وهبط مؤشر داو جونز ستوكس لاسهم البنوك الاوروبية 6 .10 في المائة مع تراجع رويال بنك أوف سكوتلاند أكثر من 20 في المائة بينما فقد سهما كريدت سويس ودويتشه بنك أكثر من 16 في المائة لكل منهما.
استيقاظ جماعي
كما تراجعت أسهم شركات التأمين نحو 10 في المائة مع هبوط مجموعة اي .ان .جي الهولندية 7 .12 في المائة . وقال ماركوس راينفاند محلل الأسهم لدى بنك هيلابا الألماني ان احلال مرحلة من الاستقرار محل حالة الذعر في أسواق المال على مدى الاسابيع القليلة الماضية انما يتوقف على السلطات السياسية. واضاف «الفقدان الهائل للثقة يعني عدم استبعاد تراجع أكبر مستقبلا» .
وفي أنحاء أوروبا تراجع مؤشر فايننشال تايمز 100 في بورصة لندن 5 .8 في المائة بينما خسر مؤشر داكس لاسهم الشركات الالمانية الكبرى في بورصة فرانكفورت 7 .8 في المائة. ونزل مؤشر كاك 40 في بورصة باريس 8 .8 في المائة.
وسجل مؤشر نيكاي انخفاضا بلغ 24 في المائة كان أكثر من مثلي الهبوط الاسبوع الذي أعقب انهيار عام .1987
وهوت اسهم جنرال موتورز 1 .31 في المائة إلى ادنى مستوى لها منذ عام 1950 مع تزايد المخاوف ان هبوط الصناعة الذي بدأ في الولايات المتحدة سيتسع نطاقه وحذرت مؤسسة ابحاث رائدة ان الطلب العالمي على السيارات قد ينهار في عام 2009.
وكان الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الامريكي) قاد جولة من التخفيضات وقلص اسعار الفائدة نصف نقطة مئوية وكذلك فعل البنك المركزي الاوروبي . وخفض ايضا بنك انجلترا والبنوك المركزية في سويسرا وكندا والسويد اسعار الفائدة .
وقال ريكاردو باربيري هيرميت المحلل الاستراتيجي لشئون الفائدة في بنك اوف امريكا «اخيرا استيقظوا جميعا».
انعدام اليقين
واشتدت المخاوف من تباطؤ حاد للنمو الاقتصادي مع تخفيض صندوق النقد الدولي تنبؤاته للنمو العالمي في عام 2009 الى 3 في المائة من 9 .3 في في المائة وتحذيره ان الانتعاش من اسوأ ازمة مالية منذ ثلاثينات القرن الماضي سيكون بطيئا على غير المعتاد.
وتعلقت الحكومات في مختلف انحاء العالم باجراءات جديدة لاحتواء الازمة الائتمانية المتصاعدة لكن اسواق الاسهم والسندات والسلع شهدت المستثمرين يراهنون على تزايد انعدام اليقين وركود حاد. لكن الازمة التي بدأت بتضخم السوق العقارية الامريكية وسوق الرهن العقاري الأمريكية البالغ حجمها 11 تريليون دولار بقيت تعصف بالثقة في انحاء العالم .
وقال أنتوني ريان القائم باعمال وكيل وزارة الخزانة الامريكية «الأرض تحت أقدامنا… تتحرك مثل زلزال».
وفي نفس الوقت تحرك فرع مجلس الاحتياطي الاتحادي في نيويورك تجاه انشاء آلية مقاصة مركزية لصفقات الائتمان المتأخرة وهو شكل من التأمين خارج البورصة ضد الافلاس الذي يلقي المنتقدون باللوم عليه عن زعزعة استقرار النظام المالي بكامله .
وابتلعت الدوامة الأسواق الصاعدة التي حققت أكبر المكاسب من التوسع العالمي الكبير في السنوات الثلاث الماضية. وأوقف التعامل في أسواق امتدت من البرازيل إلى روسيا حين هوت الاسهم.
وحتى مع سير السويد والنمسا والدنمارك على نهج المانيا وتقديم ضمانات للودائع الى المدخرين واصل المستثمرون من طوكيو الى لندن تقليل المخاطر واعدوا انفسهم لمزيد من التشديد في الائتمان.
وقال أوليفر بلانكارد كبير الاقتصاديين لدى صندوق النقد الدولي أن الأسواق قد تتراجع في أسوأ الاحوال 20 في المائة أخرى على أقصى تقدير، لكن فرصة تكرار الكساد العظيم «معدومة عمليا».
بلغت خسارة البورصات الخليجية خلال أسبوع رقما هو الأسوأ في تاريخ أسواق المال العربية قدر بنحو 155 مليار دولار أمريكي من القيمة السوقية تبخرت وسط هلع المتعاملين.
وفقدت تلك الأسواق من يوم الأحد بتاريخ5/10 2008 وحتى يوم الأربعاء، بتاريخ 8/10/2008 نحو 180 مليار دولار قبل أن تعود يوم الخميس بتاريخ 6/10 للارتفاع وتعويض جزء من تلك الخسائر وتغلق مرتفعة وسط تطمينات وتدخلات حكومية رفعت من معنويات المتعاملين.
وكانت سوق الأسهم السعودية الأكثر تضررا من الأزمة، بعد أن انهار مؤشرها مسجلا خسارات ضخمة، ما جعله يفقد خلال ذلك الأسبوع نحو 1300 نقطة من قيمته وفي يوم واحد 10 بالمائة، مختتما الاسبوع عند مستوى 6160 نقطة . ومنذ بداية العام الجاري، فقدت الأسهم السعودية أكثر من 44 في المائة من قيمتها.
وفي الكويت حيث توجد ثاني أكبر بورصة عربية، فقد المؤشر الكويتي خلال تعاملات الأسبوع 934 نقطة، ليستقر عند مستوى 11905 نقاط، وكان من الممكن أن تكون الخسائر أكبر لولا أن تداولات يوم الخميس بتاريخ 9/10 حملت للسوق ارتفاعا جيدا أضاف للمؤشر نحو 433 نقطة.
أما الأسهم الإماراتية، والتي نزفت بشدة في بورصتي دبي وأبوظبي، ففقدت خلال الأسبوع نحو 130 مليار درهم 0الدولار يساوي3.65 درهم) من قيمتها في غضون 3 أيام سوداء قبل أن تستجيب الأسواق بشكل محدود لقليل من الارتفاع وتعوض نحو 10.4 مليارات درهم من خسائر الأسبوع.
وفي قطر خسر المؤشر العام لسوق الدوحة للأوراق المالية نحو 1741 نقطة، بين يومي الأحد والخميس، بعد أن قلص الخسائر تلك في آخر يوم تداول له مرتفعا بنحو 1.9 في المائة ليستقر عند مستوى 7573 نقطة.
