لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Thu 19 Sep 2013 12:55 PM

حجم الخط

- Aa +

مشروع "كشك"

تمثل المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر سواء في القطاع الرسمي أو الغير رسمي حوالي 40 % من مشغلي العمالة في مصر بحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. كما تؤكد جميع تقاريره على مر العقود الماضية عن إمكانياتها الكامنة لتحسين الوضع الاقتصادي للبلاد إذا ما تم الاهتمام بها واستيعابها في إطار الاقتصاد الرسمي والنظام البنكي ومنظومة التأمين الاجتماعي. ومن أبرز تلك المشاريع في حياة المصريين اليومية الأكشاك المنتشرة في المدن والقرى عبر البلاد. لذلك اهتمت جاسمين سليمان بدراسة تلك الظاهرة المركبة وأسست "مشروع الكشك".

مشروع "كشك"

تمثل المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر سواء في القطاع الرسمي أو الغير رسمي حوالي 40 % من مشغلي العمالة في مصر بحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. كما تؤكد جميع تقاريره على مر العقود الماضية عن إمكانياتها الكامنة لتحسين الوضع الاقتصادي للبلاد إذا ما تم الاهتمام بها واستيعابها في إطار الاقتصاد الرسمي والنظام البنكي ومنظومة التأمين الاجتماعي. ومن أبرز تلك المشاريع في حياة المصريين اليومية الأكشاك المنتشرة في المدن والقرى عبر البلاد. لذلك اهتمت جاسمين سليمان بدراسة تلك الظاهرة المركبة وأسست "مشروع الكشك".

مشروع الكشك دراسة اجتماعية وتاريخية واقتصادية شاملة عن مفهوم الكشك في مصر. وتقيس الدراسة علاقة الكشك بالمجتمع من خلال قناتين رئيسيتين. أولهما موقع على الانترنت يسمح للمستخدمين تحديد مواقع الأكشاك على خريطة تفاعلية مع إرفاق صورة ونص. سيتم تشجيعهم على التعبير عن تعلقهم الشخصي بالكشك وأسبابه. يساعد ذلك على التعرف على الدور المجتمعي للكشك كمكان تجمع لشباب المنطقة مثلا، أو كمرفق يؤدي خدمة أو يقدم سلعة متميزة.

الشق الثاني يتمثل في تجميع قصص شخصية وصور وثائقية من أصحاب وعُمال الأكشاك عن طريق مقابلات شخصية معمقة مع عينة من كل مناطق القاهرة والأقاليم. وبالتالي تستخدم تلك المعلومات لإجراء دراسة اجتماعية واقتصادية. وتأمل جاسمين أن تتمكن من الجمع بين كل من العينات وإشراك الجمهور لإنشاء سجل عام لأكشاك مصر والقائمين عليها.

الكشك مدرسة

ظهرت أول أكشاك القاهرة في الثلاثينيات من القرن الماضي على الطراز الأوروبي، وفي حقبة الزعيم جمال عبد الناصر تم تقنينها لتصبح مشروعات صغيرة للغير قادرين على العمل. هذا القانون المعمول به حتى الآن يعطي الأولوية في اقتناء الأكشاك للحالات الاجتماعية الصعبة من ذوي الاحتياجات الخاصة والأرامل والمساجين السابقين والنساء المعيلة. عند استيفاء تلك الشروط يتم تخصيص رقعة معينة بها مرافق لينتفع بها صاحب الكشك من النشاط التجاري. أما الآن فيوجد أكشاك أصحابها من الجيل الثاني أو الثالث ومعظمهم يقومون بتشغيل عُمال للقيام عليه وإدارته. ومع مر السنين قام أصحاب الكثير من الأكشاك بتوسيعها بشكل غير قانوني، كما انتشرت الأكشاك الغير مرخصة في كل مكان. ومن ثم يعكس الكشك أحد أهم معالم الاقتصاد المصري المعاصر، ألا وهي "الفوضى المنظمة".
 
دور الكشك أيضا صار أكبر من كونه منفذ بيع صغير. فهو "غراء مجتمعي" ومن الأماكن القليلة التي لا تزال تربط المجتمع المصري بكل فئاته، حيث أنه يخرق جميع الحواجز الطبقية التي عادت بين سمات المجتمع. تتجلى هذه التفرقة بوضوح في قطاع المأكولات والمشروبات. فهناك الدوائر المترددة على المقاهي الراقية التي هجرت المقهى التقليدي "القهوة البلدي" والمطاعم الشعبية، لكنها لا تزال ترتاد الأكشاك. كما أن حالة الاستقطاب السياسي زادت من أهميته كمكان جامع للفئات المختلفة.

بالتالي يتمكن "مشروع الكشك" من تسليط الضوء على قضايا تتعدى الكشك ذاته. جاسمين تعتقد أن الكشك "مركز معلومات رئيسي لتداول الأخبار داخل الأحياء. فكل منهم يتمتع بعلاقات وثيقة مع السكان حوله. كما أن الكشك عادةً ما يستمر في العمل 20 أو 24 ساعة في اليوم وطوال أيام السنة بغض النظر عن العطلات. لذلك طور العاملين بالأكشاك معرفة موسوعية عن مدنهم ورؤية ثاقبة للمجتمع المحيط بهم". فيعكس حال الأكشاك المساحة الرمادية في تطبيق القوانين على وجه المثال. تقول جاسمين: "تتعدى معظم الأكشاك المساحة المحددة لها بوضع الصناديق والثلاجات حولها. كما أن أحد العاملين صرح لي أن 6 عائلات تعيش من كشكه احتسب منها عائلة الشرطي الذي يسمح له بالتعدي".

كما وثقت الدراسة تردي الحالة الاقتصادية والأمنية في السنتين الماضيتين من خلال انعكاسها على الأكشاك. ففي مناطق الاضطرابات وأعمال العنف دمرت أكشاك بالكامل ليعود أصحابها يجدونها منهوبة ومزالة بالكامل. كما أن الأكشاك تعاني من تقليص العلامات التجارية من نشاطها. ولاحظت الدراسة مثلا أن البرامج التحفيزية (حيث تقدم شركات صناعة الأغذية الضخمة منتجات إضافية مجانا لعملائها من أصحاب الأكشاك) تقلصت قيمتها إلى اقل من الثلث خلال السنوات الثالثة الماضية. كما يؤكد العاملين في إجاباتهم للباحثين انخفاض المبيعات بسبب تواجد أقل للمارة في الشوارع.

تغير شكل المجتمع نفسه انعكس على الكشك. صعوبة صف السيارات في زحام القاهرة الخانق جعل خدمة "التوصيل إلى السيارة" شيء أساسي في أي كشك بعد أن كان عميله الأساسي هو المار أو القاطن في البنايات المحيطة. حالة التضامن الشديدة وتماسك المجتمع أمام الانفلات الأمني حمت الأكشاك رغم أن تواجدها في الشارع على مدار الساعة يعرض القائمين عليها لمخاطر لا حصر لها، فكانت مواقع تمركز ومراكز عمليات للجان الحماية الشعبية. "لديهم منظومة تضامن اجتماعي كاملة قامت بحمايتهم من العنف" بحسب جاسمين. حتى أن مشاكل مزمنة مثل عمالة الأطفال تظهر في ذلك النموذج المصغر من المشروعات المصرية. فتقول: "لقد وجدت حالات معدودة من استغلال أطفال صغيري السن في الأكشاك لكنها أقلية قليلة. أستبعد هؤلاء من مشروع الكشك لأسباب أخلاقية".

الكشك ريادة أعمال

تقول جاسمين "أصحاب الأكشاك يتفاوضون بمهارة مع ممثلي الشركات العالمية التي تتنافس على استقطابهم لتسويق منتجاتها والإعلان عنها. فهم رجال أعمال من الدرجة الأولى سواء حصلوا على تعليم عالي أو لا. والكثير منهم متعلمين لم يتمكنوا من الحصول على عمل في مجالهم أو على العكس يفضلون الكشك كعمل حر يديرونه بأنفسهم". وتضيف "من أكثر المشاريع معرفة بعملائها. يختارون منتجاتهم بعناية لتلاءم محيطهم الجغرافي، يركزون على منتجات تجذب الأطفال إذا كانوا قريبين من مدرسة مثلا، وعلى مستلزمات المنزل إذا كانوا في منطقة سكنية".

وتنطبق مقولة "الحاجة أم الاختراع" على الأكشاك بجدارة. فضيق مساحة الكشك (2 متر مربع عادةً) تجعل التفنن في تنظيمه وعرض ورص المنتجات في جميع أنحاءه أحد أسرار النجاح. تؤكد جاسمين أن بعض الأكشاك فائقة الأداء تتمكن من ذلك التنظيم الدقيق. كما أن القائم على كشك يحتاج إلى مهارات عملية أخرى. فهو لا يمتلك إمكانيات تخزين تذكر فيجب عليه تنظيم دورة توريد وبيع معقدة وسريعة حتى لا تتوقف مبيعاته بنفاذ السلع في أي وقت، فيقوم بالتنسيق مع عدد كبير من الموردين ويتسلم أعدادا كبيرة من البضائع ويدير حسابات بشكل يومي. ورغم أن البنوك في مصر لا تقرض المشاريع المتناهية الصغر بشكل كافي رغم دعوات الحكومات والمنظمات والأكاديميين، الكثير من الأكشاك تدير نظام ائتماني مصغر مع سكان البنايات المحيطة وتعطيهم السلع على أن يتم تسديد قيمتها لاحقا فيما يعرف بنظام "الشكك".

تحكي جاسمين عن قيمة تلك المهارات أنها درست حالة شاب تمكن من تكوين رأس مال صغير بالعمل في الخارج ثم عكف على العمل في أحد أكشاك القاهرة كأجير ليتعلم نظام الإدارة والتوريد والتعامل مع شركات الأغذية ليعود إلى مدينته الريفية ويستثمر مدخراته في إنشاء "سوبر ماركت".

تعتقد جاسمين أن يمكن البناء عليها لتكوين حركة تنموية أوسع وهي حاليا تبحث عن مصادر تمويل ومنح لزيادة عدد الباحثين وتوسيع نطاق بحثها جغرافيا واجتماعيا. لكن أول شيء اجتذبها للكشك هو "مهاراتهم في ترتيب السلع بشكل مبهج، واستخدامهم للألوان" بسبب خلفيتها الفنية. كما تضيف: "يمكنك أن تلاحظ دائرة معدنية على الأرض حول الأكشاك. تلك أغطية آلاف المشروبات الغازية التي قام الكشك بفتحها للزبائن على مر السنين. الحرارة تجعلها تلتحم مع الإسفلت، لتكون شاهدة على وجود ذلك المكان المتميز ولو بعد إزالته بسنوات".

http://koshkproject.com