لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Thu 3 May 2012 09:22 AM

حجم الخط

- Aa +

تريشيه للخليجيين: وحدوا سياساتكم قبل عملتكم

قبل أسابيع، قدم جان كلود تريشيه الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي نصيحة لدول الخليج العربية الساعية لتوحيد عملاتها في عملة موحدة بأن توحد أولاً سياساتها المالية ومؤشراتها الاقتصادية كنسب التضخم وغيرها.

تريشيه للخليجيين: وحدوا سياساتكم قبل عملتكم
تريشيه طالب بفرض عقوبات مالية على الدول المخالفة لمعايير اتحاد النقد الأوروبي.

في أول ظهور له منذ تركه منصب رئيس البنك المركزي الأوروبي، قبل بضعة أشهر، بدا جان كلود تريشيه أكثر تمسكاً بالعملة الأوروبية، وقدم للخليجيين الساعين إلى احتذاء فكرة اليورو بعملة خليجية موحدة، خلاصة تجربته بضرورة إيجاد إطار موحد للسياسات المالية، والتقارب في المؤشرات الاقتصادية قبل الإقدام على أية خطوة من هذا النوع.

وخلال الندوة السنوية العالمية لبنك الكويت الوطني، تطرق تريشيه أكثر من مرة لضرورة وجود قواعد اقتصادية موحدة لدى دول الخليج العربية، طالما أن الفيدرالية السياسية غير موجودة. كما شدد على توفير عناصر استمرار للعملة الخليجية الموحدة، من خلال سوق موحدة يكون شعارها فرض الحوكمة.

وقدم تريشيه نصائح تمهد لإطلاق عملة خليجية موحدة، فقال للخليجيين "لا تستمعوا إلى نصيحة من يقول لكم أنه يجب الإبقاء على قدر منخفض من القيود، ليظل الجميع قادراً على التحكم. فعندما تكون هناك عملة موحدة ولا يكون هناك فيدرالية سياسية، لا بد من قواعد موحدة للسياسات المالية".

وبالطبع أشار تريشيه إلى تجربة الاتحاد الأوروبي في هذا الإطار، قائلا "لا بد من إقرار إطار موحد للموازنات تتزامن مع معايير اقتصادية مشتركة، ألا أن ذلك لا يقتصر فقط على وجود إطار متين للسياسة المالية العامة، بل يفترض أن يترافق مع إجراءات موحدة ومشتركة بين هذه الدول، من بنيها مؤشرات العمالة ومؤشرات التنافسية، بما يحد من أي تفاوت في النتائج دولة دون الأخرى".

وشدد على ضرورة تعزيز قواعد الاستقرار بين الدول ومعالجة أي اختلال في الأسواق المشتركة أو العملة الموحدة، بما يضمن لها استقلاليتها بوجه أي اختلاف بين الدول الأعضاء.

أبو اليورو

تريشيه.. المعروف عالمياً باسم "أبو اليورو" قال ما كان كثيرون ينتظرون سماعه حول العالم، حول الأزمة الأوروبية، وما إذا كانت "القارة العجوز" قادرة على العبور بعملتها الموحدة عاصفة الديون السيادية الراهنة من دون أن ترمي اليوروعن ظهر السفينة.

وتحدث بصراحة غير معهودة حين قال أن على أوروبا أن تصلح وحدتها الاقتصادية لتحمي وحدتها النقدية التي حققت في المرحلة الأولى نجاحاً فاق التوقعات، بل إن عليها أن تذهب نحو نوع من الفيدرالية تسمح بفرض عقوبات على الدول التي تخالف المعايير التي يتوافق عليها مجموع الأعضاء في الاتحاد.

قواعد موحدة

وبين أنه كان من الداعين علناً في فترة التحضير لإطلاق اليورو إلى ضرورة وجود قواعد محددة، للتحكم بما يجري داخل الدول التي ستشارك بالوحدة النقدية الأوروبية، لكنه اعترف أيضا بكل صراحة بأن دعواته تلك لم تكن شعبيةً على المستوى العالمي، مشيراً في هذا الصدد إلى فشل محاولتين لإقرار "ميثاق الاستقرار والنمو الأوروبي" لأننا "كنا متشددين للغاية" حسب قوله.

وقال إنه يؤيد فرض غرامات على الدول التي تخالف المعايير الموحدة، بحيث يتم تقديرها بنسب معينة من الناتج المحلي الإجمالي (0.1 في المئة مثلاً). وأكد أنه دافع عن وجهة نظره هذه أمام المحكمة الدستورية الفرنسية، رغم أنها تمس حرية قرار مجلس النواب والحكومة.

وذهب أبعد من ذلك بالقول إنه "يجب ألا تقتصر على الغرامات بل أن تصل إلى العقوبات التصاعدية بغية مواجهة أي تحد تعانيه دول منطقة اليورو"، متمثلا في وحدة نقدية من دون وحدة سياسية أو إتحاد فدرالي.

وقال تريشيه إن أوروبا اليوم كمؤسسات ومواطنين مجتمعة متفقة على ضرورة الاستفادة من دروس الأزمة الراهنة، مبينا أن مشاكل أوروبا جاءت نتيجة الديون السيادية والسياسات المالية الضعيفة وهذا ما خلق المشكلة. "فالمشكلة ليست العملة إنما مشكلة هذه السلوكيات الفردية المحددة مع غياب حوكمة فاعلة". وأضاف: لقد قلنا دوما وحتى قبل الأزمة كونوا حذرين لأن الاستقرار مهم جدا.

لا تفكك

وحول مدى احتمال تفكك اليورو، أوضح تريشيه أن العملة الأوروبية الموحدة مرت بعدة تحديات، وتخطت الأزمة بمراحلها الثلاثة وأثبتت قوتها، رغم هشاشة بعض النظم المعتمدة في أوروبا. وأضاف إن هذه العملة حافظت على تماسكها ضمن نطاقات معينة، وهي لا تزال تفرض نفسها كعملة قوية في مواجهة الدولار والجنيه الإسترليني، إذ أنها، وعلى الرغم من التراجعات التي سجلتها، إلا أنها بقيت أعلى من المستويات التي سجلتها عند بدء التداول بها، مشيراً إلى أن الرهان على فشل هذه العملة كان يظهر بين الفينة والأخرى كما حدث عند بداية إطلاقها في يناير/كانون الثاني من العام 1999.

ومع ذلك فقد دعا أوروبا لاتخاذ العديد من الإجراءات الداخلية لتعزيز قوة اليورو، وتجاوز تحدي غياب الوحدة السياسية، مشيراً إلى وجود آفاق كبيرة للتعاون بين دول منطقة اليورو نفسها أكثر من تلك التي أعقبت مرحلة الحرب العالمية الثانية.

3 نماذج

وقد استشهدا تريشيه بـ  3 نماذج تمكنت من تجاوز أزمات طاحنة، الأولى هي التجربة الكندية في الثمانينات، وقدرة قطاعها المصرفي على تجاوز تحديات تلك المرحلة، ثم الثانية مع السويد في التسعينيات، حيث استطاعت السيطرة على الإنفاق العام وتصحيح مسار القطاع المصرفي، ثم النموذج الثالث والأخير : ألمانيا، التي كان يطلق عليها آنذاك رجل أوروبا المريض، إذ تمكنت من التفوق على تبعات أزمتها والأعباء الناتجة عن الاتحاد بين شطريها.

ورأى تريشيه أن الأزمة المالية العالمية أثبتت العكس، لاسيما وأن اليورو استطاع أن يواجه أعتى أزمة مالية عالمية دون أن يفقد كثيرا من قيمته، مشيرا إلى أن المشكلة الرئيسية في أوروبا هي الوحدة السياسية، وليست الوحدة النقدية أو العملة الموحدة.

واعتبر أن الأزمة المالية العالمية قدمت أسبابا إضافية للتقارب بين دول منطقة اليورو أكثر من تلك التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، قائلا انه "بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن هناك مجموعة (بريكس) لذا يجب تركيز دول اليورو على فترة ما بعد الأزمة".

وعن إمكانية إيفاء البنوك الأوروبية لمتطلبات اتفاقية (بازل 3) قال تريشيه إن هذه البنوك مطالبة باعادة هيكلة ميزانياتها وتطوير أطر الحوكمة وإدارة المخاطر فيها، مبينا أن معظم الاقتصادات تخرج أاكثر قوة عقب الأزمات.

وقال إن المثال النموذجي التي احتذي به هو أن هناك سوقا واحدة وعملة واحدة. ففي أمريكا هناك سوق واحد وعملة واحدة، وفي الهند هناك سوق واحد وعملة واحدة، وفي الصين هناك سوق واحد وعملة واحدة".

وشدد على أن المرحلة المقبلة أوروبيا وعالميا تستوجب الوقوف بوجه أي نظام مالي هش، داعيا إلى استخلاص العبر من هذه الأزمة في كافة المجالات، وخاصة تلك المتعلقة بالأسواق المالية والقطاع المصرفي.

وقال: نحتاج في أوروبا للقيام بكثير من الإصلاحات من أجل تطوير الإدارة المالية المشتركة في منطقة اليورو وتعزيز معايير الحوكمة الاقتصادية والمالية سواء على مستوى المؤسسات أو الحكومات.

معاقبة الدول

وتطرق تريشيه إلى خيار فرض غرامات على الدول غير الملتزمة بتنفيذ القرارات المشتركة، مشيراً إلى أنه وعلى الرغم من أن هذه الغرامات قد تفرض على شكل مبالغ ضخمة كونها تحسب على أساس نسب من الناتج المحلي، إلا أنه لا بد وأن تترافق تلك الغرامات مع عقوبات تصاعدية تمكن من تجاوز تحدي غياب الوحدة السياسية.

وقال: "أنادي بفرض عقوبات مالية على الدول المخالفة لمعايير الاتحاد النقدي الأوروبي. وكنت قد سئلت  في التسعينات أمام المحكمة الدستورية الفرنسية إذا لم يقم البرلمان بعمله بشكل جيد الالتزام بحدود مالية معينة فإن البلاد ستتعرض للغرامات، فقلت :نعم هذا ما أعنيه لأن أي خطأ من أي دولة يؤثر على جميع من هم في الاتحاد، وكان هناك رفض لانتهاك السيادة في هذه الطريقة".

كما أكد تريشيه على ضرورة أن تتم معالجة الأزمة على المستوى العالمي، داعيا إلى البدء بإصلاح الحوكمة العالمية "لأن أحدا لن يقبل بعد اليوم أن يعيش في عالم مالي بهذه الدرجة من الهشاشة، وعندما أتت الأزمة العالمية عرت هذه الأنظمة وأظهرت ضعفها". وخلص إلى أن ما تحتاج إليه الأسواق اليوم هو طمأنة المستثمرين على المدى المتوسط والطويل.

وحول دور المنظمات والمؤسسات الدولية المشتركة كصندوق النقد الدولي ومجموعة العشرين G20، شدد تريشيه على أهمية وجود قواعد مشتركة، مشيراً إلى أهمية هذه المؤسسات في لعب دور على مستوى توحيد الرؤى كما هو الحال مع لجنة بازل تجاه المصارف، وإقرار حزمة موحدة من معايير الحوكمة تتولى تنفيذها هذه المؤسسات، بما يساهم في المحافظة على استقرار النظام المالي العالمي، لاسيما في ظل تحول معظم الاقتصاديات العالمية إلى مفهوم الاقتصاد الحر ووجود حرية في تبادل السلع والخدمات.

ولفت إلى بعض الإجراءات التي يمكن اتخاذها على مستوى المصارف، من بينها على سبيل المثال الاحتياطي القانوني الموحد، بما يضمن قدرة هذه المؤسسات على مواجهة أي أزمات، مؤكدا أنها مطالبة بإعادة هيكلة ميزانياتها وتطوير أطر الحوكمة لديها.

حوكمة عالمية

وحول إعادة صياغة دور المنظمات الاقتصادية الدولية، أكد تريشيه الدور المهم لصندوق النقد الدولي في ظل الترابط الاقتصادي الهائل بين دول العالم كافة، خصوصا بعد تحول معظم الاقتصادات العالمية إلى النظام الاقتصادي الحر وحرية حركة السلع والبضائع والخدمات بين هذه الدولة، مبينا حاجة النظام العالمي الاقتصادي الجديد إلى حوكمة عالمية تقوم بتنفيذها هذه المنظمات.

بيد أن رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق قال إنه من أجل تجنب تكرار السيناريو اليوناني، فإنه يتعين على الإتحاد الأوروبي إصلاح المعاهدات الخاصة به لمنع إحدى دوله الأعضاء من خلق مشكلات للأعضاء الآخرين فى المستقبل.

وقال "يجب أن نفكر في المستقبل... يجب حتى أن نستطيع فرض قراراتنا على دولة. يجب أن نستطيع ذلك. أنه الدرس المستفاد من الأزمة".

وحذر من أنه لا يزال من المبكر إعلان انتهاء أزمة الديون السيادية الأوروبية التي تعصف بالعديد من دول المنطقة. غير أنه في المقابل أعرب عن تفاؤله بنجاح الحكومات في إعادة الاستقرار المالي في المنطقة. ولفت إلى أن دول منطقة اليورو لديها برنامج ينتظر من الحكومات الأوروبية والمفوضية الأوروبية عملا شاقا لإخراج المنطقة من أزمتها.