لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Thu 12 Jul 2012 07:44 AM

حجم الخط

- Aa +

صدمة باركليز تزلزل النظام المالي العالمي

لم يكن القطاع المصرفي العالمي، وبخاصة البنوك الأوروبية، بحاجة إلى مزيد من الصدمات أو الفضائح أو كشف المستور، ليعرف العالم أجمع مدى هشاشة هذا النظام الذي يدير شئون العالم من الناحية المالية.

صدمة باركليز تزلزل النظام المالي العالمي
الشبهات تدور حالياً حول جميع البنوك المشاركة في عمليات الليبور.

لم يكن القطاع المصرفي العالمي، وبخاصة البنوك الأوروبية، بحاجة إلى مزيد من الصدمات أو الفضائح أو كشف المستور، ليعرف العالم أجمع مدى هشاشة هذا النظام الذي يدير شئون العالم من الناحية المالية.

مرة أخرى، وضمن سلسلة الفضائح التي تهز البنوك الأمريكية والبريطانية، والتي يبدو أنها لن تتوقف، تظهر فضيحة أخرى مدوية بطلها هذه المرة هو بنك باركليز الذي اعترف صراحة بالتلاعب بمعدل الإقراض بين المصارف "الليبور" وهو ما أدى إلى خسارة مئات التريليونات من الدولارات من خلال اعتماد التجارة الدولية على هذا "المعيار الخديعة" وفق وصف أحد المحللين.

ووفقا لصحيفة تايمز، فان هذه الفضيحة التي تقول أن بنك باركليز سيفلت فيها من أي عقوبة أخرى غير الغرامة المالية التي دفعها، لن تكون شيئاً ذي مغزى، ما لم يكشف بنك باركليز بذاته أدلة تؤدي لإدانة بنوك أخرى قامت بنفس الفعل. وترى الصحيفة أن حجة بنك باركليز لدى حصوله على صفقة الغرامة هي أن كل البنوك الأخرى تقوم بذلك أي كل من بنك "جي بي مورجان تشيس" و"سيتي جروب" و"إتش إ س بي سي" وآخرون يخضعون حاليا للتحقيق للاشتباه بتلاعبهم بمعدلات الليبور ذاتها التي تتحكم بسوق المشتقات المالية التي تبلغ قيمته 700 تريليون دولار سنوياً.

جريمة القرن

يشير روبرت شير في صحيفة ذا نيشن البريطانية إلى أن التلاعب بمعدل الإقراض بين المصارف أحدث كارثة جديدة في قطاع البنوك، لكن الجناة في جريمة القرن هذه سيفلتون من العقاب. ويرى شير، أن عمليات الاحتيال التي نالت تغطية إعلامية واسعة مثل برنارد مادوف واحتيالات شركة إنرون، ليست سوى جرائم ارتكبها هواة احتيال في عالم المصارف، مقارنة مع الاحتيال والتلاعب بمعدل الإقراض بين المصارف في قطاع المشتقات المالية العالمية. ويضيف أن عمليات التلاعب التي أظهرت كيف يتصرف اللاعبون الكبار بحصانة تامة من الملاحقة، لأنهم هم من يكتبون القوانين قبل ارتكاب الجريمة.

وكان كتاب ومحللون أخرون في كبريات الصحف الاقتصادية البريطانية قد صبوا جام غضبهم على مصرف باركليز وكشفوا النقاب عن حوادث سابقة طالت من سمعة المصرف رغم أن الرئيس التنفيذي المستقيل لبنك باركليز، بوب دياموند قد ألقى بتبعات ما حل بمصرفه، على متداولين قال أنهم تلاعبوا بأسعار الإقراض لتحقيق مآرب شخصية، وأنه لم يعلم بتفاصيل تلك المخالفات إلا بعد قراءة تقرير سلطة الخدمات المالية.

من جانبها قالت صحيفة تلغراف اللندنية إن حالة الفوضى التي شاعت في باركليز، بعد الكشف عن التلاعب، دفعت وكالة موديز للتصنيف الائتماني إلى التهديد بخفض تصنيف باركليز الائتماني.

ومن جانبه قال المصرفي البارز أندريا ليدسوم في مقال بصحيفة فايننشال تايمز أنه يرى أن الكشف الأخير الخاص بباركليز يعري سوء تصرف المصرفيين، وهي أنباء بالغة السوء بالنسبة للجميع . ويضيف أنه حان الوقت للتوقف عن تلك الإصلاحات العبثية غير المجدية في أوساط الصناعة البنكية، ونحن الآن بحاجة إلى إجراءات ومعايير لاستعادة مصداقية ونزاهة هذه الصناعة .

ومضى للقول : لقد ثبت أن الانتباه إلى الحدث بعد وقوعه، يكشف أن هناك قطاعا محدودا ونافذا من المصرفيين يستغفلون الحكومات المتوالية. ولدى الصناعات المصرفية فرص لا تعد ولا تحصى لفهم المؤشرات التحذيرية التي تطلقها الحكومات والمنظمون لإجراء إصلاحات ولكن كل تلك الفرص يتم تبديدها. ويشير ذلك إلى نتيجة واحدة فقط، هي أن :لو أن نظامنا المصرفي يلبي مطالب الاقتصاد العالمي، فلا بد أن يخضع لسلسلة من عمليات التغيير .

ويضيف أن المصارف البريطانية توظف نحو مليون شخص في بريطانيا وحدها. وهي أيضاً مصدر لعائدات ضريبية تزيد على 10% من مجمل تحصيل الضرائب في بريطانيا . كما أن النظام المصرفي يتميز بفاعلية عالية يمكن أن تقود البلاد إلى الانتعاش الاقتصادي . إلا أن ذلك لن يحدث على خلفية ممارسات الخداع والغش والفساد . بل نحن الآن بحاجة لإعادة تأهيل مصارفنا وإعادة ترسيخها على قواعد صحيحة على أيدي أشخاص يمكن الوثوق بهم ولهم سمعة طيبة في المجال المصرفي .

ويمضي للقول أنه بداية، لا بد من العودة إلى المبادئ الأساسية، فينبغي على بنوك التجزئة أن تتم صياغتها على قاعدة التنافسية . ولعل أفضل طريقة لتطهير المصارف هو السماح لمصارف جديدة بدخول السوق حاملة لديها معايير رفيعة مشيراً إلى أهمية بيع المصارف الحكومية على شكل وحدات مصرفية أصغر . وستؤدي هذه الخطوة المهمة إلى فتح المجال بكل فعالية لمصارف جديدة قادرة على التحدي في بريطانيا. وهو الشيء الذي أرجو الحكومة البريطانية القيام به، ولذلك ينبغي على وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن أن يتحرك بسرعة وأن يقطع المزيد من الأشواط، وأعتقد أن أية بنوك حتى البنوك العملاقة غير منزهة عن الفشل . ولا بد من العودة إلى فكرة الفصل الكامل بين مصارف التجزئة ومصارف الاستثمار، حيث لا بد من طرح هذا الأمر على طاولة النقاش في أقرب وقت .

أما الكاتب جون غابر في صحيفة فايننشال تايمز، فيرى أن الإيماءات والغمز الذي صدر عن مصرف إنجلترا وكبار المسئولين في الوايت هول، أي مقر الحكومة البريطانية كان الهدف منه هو تهدئة روع المستثمرين والمودعين خشية أن يصابوا بالرعب.

ويضيف :على المدى البعيد تظل القضية المهمة هي كيف يمكن القيام بأعمال تهدف إلى إصلاح المصارف التي توظف حاليا أموال متداولين يتم إغراؤهم بولائم ويقوم مصرفيون عاملون فيها بليّ عنق الحقيقة عن طريق تحريف المؤشر شبه الرسمي من أجل الحصول على أرباح .

ويمضي للقول : لقد دعا رئيس تنفيذي سابق إلى تسريح أعداد كبيرة من المصرفيين من بنوك كثيرة. ليس لأنهم مكروهين، بل لطرح الكثير من الأمثلة التي يمكن تقديمها للكثيرين كي يعلموا أن هذه مهمة بالغة الأهمية . ويجهل القائلون أن تلك العمليات ستلحق الضرر بسمعة مدينة لندن، ويجهلون حقيقة أن غولدمان ساكس والمؤسسات المصرفية الأخرى في وول ستريت قد ألحقوا أضرارا بالغة بسمعة مدينة نيويورك.

وختم جون غابر مقاله بالقول إن التداول يخضع اليوم لمعايير رأسمالية أعلى مستوى. فلو أن البنوك تعي أهمية تأمين سمعة طيبة على المدى البعيد والحفاظ عليها، لكان حرياً بتلك البنوك أن تكون أقل حماسا في الترويج لأنشطة مصرفية مؤذية. والواقع فإن ميدان التداول فقد الكثير من قيمة بهائه وسمعته .

وبعد ساعات من وصف بوب دياموند تصرفات بعض العاملين في باركليز بأنها تستحق الشجب والتوبيخ قال أندرو تيري، المتوقع أن يرأس التحقيقات بالفضيحة، أنه سيطلب من سلطة الخدمات المالية البريطانية أن تقدم له تقارير خاصة بتقويم دياموند.

وكان دياموند أمضى 3 ساعات خضع خلالها للمساءلة الكثيفة من قبل لجنة الخزينة وخرج من غرفة اللجنة وهو يقول إنه شعر بالغثيان عندما علم أن متداولين في باركليز تلاعبوا بأسعار الفائدة في العام 2005 . وأوضح بالقول: عندما قرأت البريد الالكتروني لأولئك المتداولين شعرت بالمرض يغشى كل جسمي. إن ما قاموا به سلوك يدعو للتوبيخ والشجب، فلو سألتموني إذا كان لا بد لهذه الأفعال أن تخضع للمساءلة، أقول لكم بكل تأكيد يجب ذلك .

وعندما سأله رئيس اللجنة المحافظ ديفيد رفلي متى علم بتلك الممارسات الخاصة بالتلاعب بالأسعار، قال إنه علم بتلك المعلومات فقط عندما عرضوا عليه تقرير سلطة الخدمات المالية قبل بضعة أيام، وقبل أن يتم نشرها.

من جانبها قالت وكالة رويترز إن وكالة موديز للتصنيف الائتماني خفضت تصنيف مصرف باركليز الائتماني بسبب الفوضى التي أشاعها في عالم المصارف والمال في أعقاب فضيحة الليبور.

ووضعت موديز، باركليز تحت ضغوط جديدة بالتحذير من أن المصرف يواجه وضعا بالغ الغموض في أعقاب استقالة كبير المسئولين فيه. وقالت الوكالة أيضا إنها تشعر بالقلق ويجب أن يقوم البنك بإجراء سلسلة من التغييرات في القيم التي يحتاج إليها.

وقد أصيب المصرف العملاق باركليز بصدمة عنيفة بعد الكشف عن التلاعب بسعر الفائدة بين مصارف لندن (ليبور) الذي يستخدم معياراً رئيسياً لأسعار منتجات مالية بقيمة نحو 350 تريليون دولار في شتى أنحاء العالم. وكانت قصة استقالة الرئيس التنفيذي للمصرف بوب دياموند مدوية أيضاً، وتبين أن الفضيحة بدأت تنتشر تباعاً لتطال مصارف أخرى كبرى في العالم .

لكن ما هو سعر الفائدة بين بنوك لندن "الليبور" وما سبب كل هذا اللغط حول الموضوع؟

تمثل كلمة ليبور اختصاراً لعبارة أسعار الفائدة القائمة بين البنوك في لندن . وهو معيار لتكلفة الإقراض بين المصارف والمعيار الحاسم بالنسبة إلى أسعار الفائدة في أنحاء العالم. وهو في واقع الأمر مجموعة أسعار خصصت لـ 10 عملات خلال 15 فترة زمنية مختلفة تراوح من يوم إلى سنة.

ويتم تحديد أسعار الفائدة كل يوم عمل من خلال عملية إشراف تقوم بها رابطة المصرفيين البريطانية.

ويطلب من 7 إلى 18 مصرفاً بريطانياً عن سعر الفائدة الذي ينبغي عليها دفعها لاقتراض المال لمدة محددة وبعملة معينة. وتقوم مؤسسة تومبسون رويترز بعملية جمع الردود، وتقوم المؤسسة بحذف نسبة معينة من الأرقام الأعلى والأدنى قبل حساب المتوسط، ويتم على هذا الأساس تحديد أسعار الليبور.

ويتم قياس الأسعار المتداولة بين البنوك في مكان آخر في العالم من خلال عمليات مماثلة . وعلى سبيل المثال، هناك أيضاً أسعار فائدة متعارف عليها بين البنوك في طوكيو، وتحتوي على 10 تريليونات دولار على شكل قروض تشمل بطاقات الائتمان وقروض السيارات وقروض الطلبة والرهن العقاري القابل للتعديل، فضلاً عن نحو 350 تريليون دولار كامنة في مشتقات مرتبطة بالليبور.

وفي حال ارتفع الليبور، تصعد أسعار فوائدك معها، وعندما تهبط أسعار الليبور تهبط أسعار فوائدك معها أيضاً، ويشكل هبوطها نعمة بالنسبة إلى المقترضين الذين سيدفعون فوائد أقل، لكن الصناديق التبادلية والمعاشات المستثمرة في أسهم تستند إلى الليبور ستحظى بمكاسب أقل في الفائدة .

ولقد دفع بنك باركليز مؤخراً 453 مليون دولار على شكل تسوية مع المنظمين البريطانيين والأمريكيين في الولايات المتحدة، واعترف المصرف بأنه كذب في تعاملاته الخاصة بالليبور إزاء تكلفة إقراضه. ويذكر أن متداولي باركليز خلال العامين 2005 - 2008 طلبوا بإلحاح أن يقوم زملاؤهم المسئولين عن عملية الليبور بتحديد عدد عروض البنك للاستفادة من أوضاعه التداولية، كما تواطأ موظفون في باركليز مع نظرائهم من بنوك أخرى للتلاعب بأسعار الفائدة، طبقاً للتسوية.

وتشبه هذه التصرفات تلك التي قام بها العالمون بأسرار التداولات في سوق الأسهم، حيث يمكن، إذا توفرت لديك معرفة مسبقة لمعلومات تؤثر في سهم، أن يتم تحقيق مكاسب من وراء ذلك.

يذكر أن باركليز خلال الفترة ما بين أواخر العام 2007 وحتى أوائل العام 2009 قدم عروض ليبور منخفضة ظاهرياً. وحدث ذلك في ذروة الأزمة المالية، وخشي المصرف في حال كانت عروضه مرتفعة جداً بصورة مبالغ فيها، أن يتعرض لعقوبات في الأسواق، حيث سيدقق المستثمرون بمدى سلامة هذا التوجه .

ولكن لا يقتصر الأمر على باركليز فقط، بل إن الشبهات تحوم حالياً حول جميع المصارف التي تشارك في عمليات الليبور، ومن بين هذه المؤسسات المالية دويتشه بنك (دي .بي) ورويال بنك أوف سكوتلاند (آر بي إس) وكريدي سويس (سي إس) وسيتي غروب (سي، فورتشن 500) وجيه بي مورغان تشيز (جي بي إم، فورتشن 500) التي اعترفت جمعيها أنها خضعت لتحقيقات المنظمين .

وكشف مصرف يو بي إس أنه يقوم بتزويد المسؤولين الأمريكيين والسويسريين بمعلومات حول احتمالات التلاعب بالليبور مقابل التساهل مع المصرف ومنحه حصانة مشروطة، استناداً إلى التشريعات . وفي ما يعد باركليز أول مؤسسة مالية يوجه لها المنظمون في الولايات المتحدة توبيخاً، ولكنه لن يكون الأخير بالتأكيد .

وعن أبعاد هذه الفضيحة قال أندرو لو، أستاذ مادة المال في مؤسسة مساشوستس للتقنية، إن هذه الفضيحة تتضاءل جداً بحسب ضخامة الحجم مقابل أي فضائح ومخالفات مالية في تاريخ الأسواق.

ودعا الحجم الكبير للفضيحة، استناداً إلى الانتشار الواسع لباركليز وعدد المؤسسات العالمية التي يمكن أن تكون متورطة في عمليات التلاعب، إلى سلسلة الاستقالات في الفترة الأخيرة وإلى فرض عملية تنظيم أكثر تشدداً على القطاع المالي .