لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Fri 9 Sep 2011 12:00 AM

حجم الخط

- Aa +

صناعة السيارات الصينية تنافس أوروبا وأمريكا

ينطبق المثل العربي "مصائب قوم عند قوم فوائد" على واقع الأزمات الاقتصادية التي يبدو بأنها تصب في مصلحة الشركات الصينية

صناعة السيارات الصينية تنافس أوروبا وأمريكا

ينطبق المثل العربي "مصائب قوم عند قوم فوائد" على واقع الأزمات الاقتصادية التي يبدو بأنها تصب في مصلحة الشركات الصينية. فعلى الرغم من المرحلة الحرجة التي تمر بها صناعة السيارات عالمياً وبالأخص في أوروبا، بدأت الصين الصعود بخطوات متسارعة لتحتل المرتبة الثانية في إنتاج السيارات في العالم. ومع تراجع مبيعات شركات السيارات الأمريكية والأوروبية، بدأ يسيل لعاب التنين الصيني لالتهام الفرص الواعدة المتاحة في أسواق جديدة بأشد الحاجة إلى مخرج من الأزمة الحالية.

بقلم: نضال أبوزكي*

لعلّ الأزمة الحالية لشركة "ساب" السويدية لصناعة السيارات تمثل أكبر ضربة لصناعة السيارات الأوروبية. إذ تعتبر "ساب" من بين السيارات الأكثر تميزاً في العالم من حيث الشكل الخارجي، وهندسة المقصورة الداخلية، والتكنولوجيا المتطورة، ما عزز مكانتها كواحدة من السيارات المفضلة لدى شريحة واسعة من السائقين في جميع أرجاء العالم. ولكن هذا التميز لم يمكّن الشركة من تجنب الواقع الحالي الذي يبدو قاتماً للغاية، مع تأرجحها بين إشهار الإفلاس والتعويم المؤقت، وهو ما يبدو فرصة ذهبية تستعد شركات السيارات الصينية للانقضاض عليها في نهاية المطاف لتتحول بذلك صناعة السيارات السويدية إلى صينية، مع كل ما يتبع ذلك من انعكاسات على الصعد الاقتصادية والسياسية "الإستراتيجية".

نفق مظلم

بدأت أزمة شركة ساب السويدية بعد أن أجبرت أزمة السيارات العالمية قبل حوالي ثلاثة أعوام الشركة الأم السابقة "جنرال موتورز" الأمريكية على بيع المجموعة السويدية. ولكن ظهرت المشاكل الاقتصادية بشكل جلي في الرابع والعشرين من حزيران/يونيو مع إعلان الشركة بأنها عاجزة عن تسديد أجور العاملين لديها والبالغ عددهم نحو 3700 عاملاً، ما يعتبر مؤشراً على قرب إشهار إفلاسها. ومن ثم عادت الأنباء في السابع والعشرين من حزيران/يونيو الماضي لتؤكد بأنه أمكن إيجاد حل لمشكلة تسديد الرواتب لهذا الشهر، بفضل تلقي الشركة طلباً لبيع 600 سيارة إلى الصين، مع حصولها على 13 مليون يورو تكفي لتسديد الرواتب، مع جزء من الديون المترتبة عليها. ولكن من الواضح أن هذه الطلبية الصينية لا تقدم سوى حلاً جزئياً لـ "ساب"، التي لم تخرج من النفق حتى الآن، ومستقبلها غير مضمون البتة بانتطار حل حقيقي قد يكون من الجانب الصيني!.

جذور الأزمة

كانت ساب جزء من مجموعة جنرال موتورز General Motors الأمريكية بين عامي 2000 و2010. ويُجمع المراقبون على أن هذه الحقبة كانت "كارثة" على الشركة السويدية، حيث أن جنرال موتورز عملت على تحويل سيارات ساب إلى مجرد طرازات فخمة لسيارات "أوبل" Opel و"سوبارو" Subaru وشيفروليه" Chevrolet، مع التخلي عن العديد من المزايا التي كانت تشتهر بها الطرازات السابقة لإستيلاء شركة جنرال موتورز التي تهدف من وراء هذه السياسة إلى التوفير إلى أقصى الحدود من تكاليف التطوير والتصميم والتصنيع، عن طريق مشاركة عدة فروع لها - أي فروع لجنرال موتورز - في هذه التكاليف لإنتاج طرازات مختلفة. غير أنه سرعان ما تبين بأن هذه السياسة لا تتناسب مع سيارات "ساب"، حيث أن العديد من الزبائن المعتادين لسيارات الشركة قد تخلوا عنها، دون التمكن من استقطاب مشترين جدد. وقد أدى ذلك إلى تكبد "ساب" خسائر فادحة، وخصوصاً في العام 2008 بالتزامن مع الأزمة المالية العالمية، وهو ما حمل جنرال موتورز على التخطيط للتخلي عنها اعتباراً من أواخر ذلك العام. وتهافتت عدة شركات لشراء "ساب" طيلة العام 2009، وقامت الشركة الصينية "بي إيه آي سي" BAIC بشراء بعض التكنولوجيات الخاصة بها، من غير أن يؤدي كل ذلك إلى نتيجة حاسمة. وكانت جنرال موتورز تعتزم إلغاء ماركة "ساب" عبر تصفيتها على نحو نهائي، إلى أن تم الإعلان في كانون الثاني/يناير عن التوصل إلى اتفاق بين الشركة الهولندية "سبايكر" Spyker وجنرال موتورز، بتمويل من بنك الاستثمار الأوروبي وكفالة الدولة السويدية. وتعد سبايكر شركة متخصصة في إنتاج سيارات رياضية فائقة الفخامة، ولها سمعة طيبة، وقد أعلنت عن خطط طموحة لإعادة الحيوية إلى "ساب"، كما أنها بدّلت اسمها ليصبح "سيارات سويدية" Swedish Automobile للتدليل على مدى التزامها بإنقاذ الشركة. إلاّ أن الآمال المعلقة على هذه الصفقة لم تتحقق، حيث بدأت تتواتر أنباء حول عدم تمكن "ساب" من سداد مستحقات الشركات الموردة للمكونات، وقد أدى الأمر إلى توقف الشركة عن العمل أكثر من مرة في هذه السنة، مع الخوف من أن يؤدي الأمر إلى وضع نهاية حاسمة لمسيرة وسمعة هذه السيارات.

التنين الصيني

كان من الواضح بأن سبايكر عجزت كلياً عن إدارة "ساب" وإعادتها إلى درب الازدهار. لذا بدأ التفكير مجدداً بشركة بديلة قادرة على حماية مستقبل سيارات "ساب". وبالتأكيد كان الصينيون بانتظار اقتناص هذه الفرصة، حيث تم التوصل إلى اتفاقات مبدئية مع أكثر من شركة صينية، من غير أن تثمر هذه الاتفاقات المبدئية عقوداً نهائية لنقل ملكية الشركة السويدية. وقد أتى التطور الأخير مع الطلبية الصينية لـ600 سيارة ليؤكد مدى اهتمام الشركات الصينية بالحصول على موطئ قدم ضمن سوق السيارات الأوروبية والسويدية بالتحديد عبر الاستحواذ على "ساب". وبالفعل ترجح التقديرات نجاح التنين الصيني الذي يعمل بشكل دؤوب لكسب رهانه بالتهام شركة "ساب"، خصوصاً وأن مجموعة "سيارات سويدية" - سبايكر سابقاً - باتت الآن عاجزة تماماً عن الاستمرار، حيث أنها تخطط حالياً لبيع عقارات الشركة لتأمين استمراريتها، مع إعادة استئجارها من المالكين الجدد. وهذه الإستراتيجية لا يمكن أن تؤدي سوى إلى إطالة فترة "المنازعة" دون التوصل إلى حل للمشاكل المستعصية التي تعاني منها الشركة.

وفي الوقت الراهن، بات الحل الجذري الذي من شأنه أن ينقذ "ساب" متمثلاً في طرح سيارة جديدة ذات مواصفات تكنولوجية أو جمالية ثورية تحظى على الفور بنجاح تجاري غير مسبوق. والحقيقة أن "ساب" أطلقت فيما مضى عدة سيارات ذات مواصفات ثورية. ومن المحتمل أن يكون لديها مشاريع مهمة في المستقبل، ولكنها لا تستطيع أن تتحمل وزر الأعباء المالية حالياً قبل طرح مشاريع تلك السيارات إلى الأسواق. ومن هنا يمكن القول بأن الاهتمام الصيني بـ "ساب" يعود إلى الرغبة في اكتساب تكنولوجياتها المستقبلية بأرخص تكلفة ممكنة، مع نقل هذه التكنولوجيا إلى الصين في المستقبل.

استعداد للرقص

في الواقع أن "ساب" ليست الشركة الوحيدة للسيارات التي تتحول إلى الصين، حيث سبقتها في ذلك شركة "روفر" Rover البريطانية إضافة إلى شركة "فولفو" Volvo، التي انتقلت ملكيتها من "فورد" Ford الأمريكية إلى "جيلي" Geely الصينية سنة 2010 بموجب صفقة بلغت قيمتها 1.3 مليار دولار أميركي نقداً، و200 مليون دولار على شكل سندات، لتكون بذلك أكبر صفقة خارجية تجريها شركة صينية للسيارات. وقد أكدت جيلي في البداية نيتها المحافظة على الهوية السويدية لفولفو، غير أنه تم الإعلان مؤخراً عن قرب افتتاح مصنع صيني لفولفو، ما يعني أن سيارات فولفو سوف تتحول بالفعل إلى سيارات صينية على المدى المنظور، تماماً كما هو الحال المتوقع مع ساب، على الأرجح.

يتمثل الهدف الصيني من تملك شركات السيارات السويدية بالدرجة الأولى، على الأرجح، في الحصول على تكنولوجيا متقدمة للسيارات، خاصة وأن الشركات الصينية تتطلع حالياً إلى اكتساح الدول الأوروبية المتقدمة اقتصادياً. والواقع أن السيارات الصينية بدأت تجد طريقها إلى التصدير وبالأخص إلى البلدان النامية التي تمثل معظم أسواقها التصديرية، بما في ذلك العديد من الدول العربية. إلاّ أنها لم تتمكن حتى الآن من الدخول بقوة إلى الأسواق الغربية والأوروبية، نظراً لأنّ العديد من شركات صناعة السيارات الغربية الرئيسية تملك فروعاً لها بالصين. وبالتأكيد تشكل فروع الشركات الأجنبية منافسة قوية للشركات الصينية ضمن السوق المحلية، لاسيّما مع تطلع المستهلكين الصينيين إلى اقتناء سيارات فخمة ذات تكنولوجيا متطورة، وذلك تماشياً مع ارتفاع معدلات المعيشة في الصين. ومن هنا يبدو أن الحصول على التكنولوجيا السويدية المتطورة جداً - وخاصة لجهة سلامة السيارات - هو السبيل الأمثل بالنسبة للصينيين لاكتساب التكنولوجيا الحديثة والهيمنة على الأسواق العالمية عبر طرح سيارات متطورة بأسعار في متناول الجميع.

ولكن لا بد من الإشارة إلى أن كلاً من الولايات المتحدة وألمانيا واليابان لن تتساهل كثيراً مع الشركات الصينية، خوفاً من أن يؤدي الأمر إلى منافسة الصين في مجال السيارات الفخمة في المستقبل.خلاصة القول أن صناعة السيارات السويدية لم تعد سويدية الملكية، أقله فيما يتعلق بالسيارات السياحية الواسعة الانتشار، تماماً كما هو الأمر بالنسبة لصناعة السيارات البريطانية، لاسيّما وأن الصين تخطو خطوات سريعة لتكون "الوريث الشرعي" لعرش السيارات السويدية وربما الأوروبية أيضاً!...