لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Sun 4 Sep 2011 12:00 AM

حجم الخط

- Aa +

حمى الديون الأوروبية من المريض التالي؟

شيئاً فشيئاً، تغرق بلدان أوروبا الثرية في العجز والديون، في الوقت الذي تناضل فيه "جواهر الديمقراطيات الغربية" لمنع هذه العدوى المالية من الانتشار إلى أنحاء أخرى من القارة بينما تهدد مستويات الديون الخطيرة في تلك الدول، بتفكك منطقة اليورو

حمى الديون الأوروبية من المريض التالي؟
حمى الديون الأوروبية من المريض التالي؟
حمى الديون الأوروبية من المريض التالي؟

شيئاً فشيئاً، تغرق بلدان أوروبا الثرية في العجز والديون، في الوقت الذي تناضل فيه "جواهر الديمقراطيات الغربية" لمنع هذه العدوى المالية من الانتشار إلى أنحاء أخرى من القارة بينما تهدد مستويات الديون الخطيرة في تلك الدول، بتفكك منطقة اليورو.

تسارعت وتيرة الأحداث في القارة الأوروبية خلال الأيام القليلة الماضية. فأزمة الديون في منطقة اليورو تجاوزت حدودها وضربت أسبانيا وإيطاليا، كما تجمدت أجزاء من النظام البنكي الأوروبي، وليس مستبعداً أن تنتقل أزمة الدين إلى دول أوروبية جديدة داخل منطقة اليورو. وتعد إيطاليا ثالث أكبر قوة اقتصادية في منطقة اليورو، ولطالما بدت في منأى عن الأزمة التي تجتاح أقرانها في المنطقة، مثل اليونان والبرتغال وأيرلندا.

يذكر أن حجم إيطاليا وحدها، أكبر بمرتين من 3 دول أنقذت من الإفلاس حتى الآن هي اليونان وإيرلندا والبرتغال، الأمر الذي يدفع محللين اقتصاديين للقول أن سقوط إيطاليا، يهدد منطقة اليورو برمتها. ففي اليونان تجاوزت نسبة الدين 120 بالمئة، وفي إيطاليا 100 بالمئة، أما تقديرات صندوق النقد الدولي فتشير إلى أن كل 10 نقاط زيادة في نسبة الدين تعمل على تقليل النمو الاقتصادي بمقدار 0.2 نقطة مئوية.

وهذا يعني أن الزيادة بمقدار 40 إلى 50 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي تهدد بخفض النمو في الأمد البعيد إلى النصف في أجزاء من أوروبا الغربية، وهو انخفاض مدمر للمكاسب التي تحققت فيما يتصل بمستويات المعيشة على مدى جيل كامل.

استبعاد الإنقاذ

وفي آخر تطورات أزمة الديون الأوروبية، قالت متحدثة باسم المفوضية الأوروبية أن الاتحاد الأوروبي لا يدرس تقديم حزم إنقاذ لإيطاليا أو أسبانيا. وصرحت شانتال هيوز بأن مسألة تقديم مساعدة أو برنامج إنقاذ ليست مدرجة إطلاقاً على طاولة مفاوضات وزراء مال الاتحاد الأوروبي. وأشارت المتحدثة إلى أن كلتا الدولتين تقومان باتخاذ الخطوات الضرورية واللازمة من أجل تحسين أوضاع ميزانيتهما. وكانت وكالة التصنيف الائتماني العالمية "موديز" خفضت ترتيب الديون السيادية لإيرلندا درجة واحدة، إلى مستوى "BA1" مبررة قرارها باحتمال كبير لحاجة البلاد إلى جولات دعم مالية جديدة.

وترى الوكالة أن هناك مخاطر كبيرة تواجهها خطة تقليص العجز في إيرلندا. يأتي ذلك فيما جددت دول منطقة اليورو التزامها بضمان الاستقرار المالي بمساعدة دول مثل اليونان، واتخاذ إجراءات تحول دون خطر انتشار أزمة الديون السيادية إلى دول أخرى في المنطقة، لكن لم يحدد أجل للتحرك في هذا الاتجاه، فيما تتعاظم مخاطر انتشار العدوى إلى إيطاليا وأسبانيا، ما جعل الحكومة الأسبانية تطالب دول منطقة اليورو بتدخل سريع وحازم للحد من تفاقم الأزمة.

علاج بالمسكنات

يذكر أن دول الاتحاد الأوروبي الـ 17 عالجت أزمة اليونان قبل سنة ونصف سنة، وفشل العلاج بالمسكنات بدل الجراحة. وتعتبر الديون على بعض دول أوروبا مخيفة، فهي في اليونان 350 مليار يورو، أو 143 في المئة من الدخل القومي السنوي، وفي إيطاليا 1.8 تريليون يورو، أو 119 في المئة، وفي بلجيكا 97 في المئة، وفي إيرلندا 96 في المئة، وفي البرتغال 93 في المئة، وفي أسبانيا 60 في المئة. وحتى  فرنسا التي تعتبر قوية اقتصاديا، فانها في خطر لأن ديونها تبلغ 80 في المئة من الدخل القومي السنوي. وأخيرا فان اقتصاد الولايات المتحدة يبقى وحده ربع اقتصاد العالم لذلك نجد أن ديون أمريكا وحدها تبلغ  14.3 تريليون دولار، أو ما يعادل دخلها القومي السنوي.

هزة أوروبية

وقد اهتزت الأسواق الأوروبية من جديد الشهر الماضي، بعد أن أثار خفض وكالة موديز التصنيف الائتماني للبرتغال إلى المنطقة عالية المخاطر مخاوف المستثمرين. وقالت موديز إن هناك احتمالا كبيرا أن تحتاج البلاد إلى جولة ثانية من التمويل الرسمي قبل أن يمكنها العودة لأسواق رأس المال. وتأثر قرار موديز بتزايد المخاوف من عدم قدرة البرتغال على التحقيق الكامل لأهداف خفض العجز واستقرار الدين التي حددت في اتفاق قروضها مع الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي.

وقالت الوكالة انه توجد أيضا إمكانية متزايدة ألا تستطيع البرتغال الاقتراض بأسعار مستدامة في أسواق رأس المال في النصف الثاني من 2013 ولبعض الوقت بعد ذلك. وذكرت موديز أن البرتغال تواجه تحديات هائلة في تقليص الإنفاق وزيادة الالتزام الضريبي وتحقيق نمو اقتصادي ودعم النظام المصرفي. وهذه أول وكالة من وكالات التصنيف الثلاث الكبرى تضع تصنيف البرتغال في المنطقة عالية المخاطر. وتمنح وكالتا ستاندرد آند بورز وفيتش للبرتغال مستوى بي بي بي سالب وهو قاع نطاق الدرجة الاستثمارية.

وقالت الحكومة البرتغالية إن خفض وكالة موديز التصنيف الائتماني للبرتغال يظهر مدى تأثر الاقتصاد وسط أزمات الديون لكنها أضافت أن التصنيف لم يأخذ في الاعتبار الدعم السياسي القوي للتقشف والضرائب الإضافية مؤخرا. وقالت الحكومة إن التمسك بالبرنامج الذي قدمته الأسبوع الماضي لضبط أداء الاقتصاد الكلي: هو الوسيلة الوحيدة لتعديل المسار واستعادة الثقة في البرتغال. وأكدت الحكومة أيضا التزامها بالتوسع والإسراع في الإجراءات التقشفية التي تعهدت البلاد بتنفيذها بمقتضى برنامج إنقاذ.

سلوك مريب

واتهم ساسة أوروبيون وكالات التصنيف الإئتماني بالتحيز ضد أوروبا بعد أن خفضت وكالة موديز التصنيف الإئتماني للديون السيادية للبرتغال لتدخلها في المنطقة "عالية المخاطر" مما ألقي شكوكا جديدة على جهود الاتحاد الأوروبي لإنقاذ دول منطقة اليورو التي تواجه صعوبات دون أن تضطر لإعادة هيكلة الديون. وقالت المفوضية الأوروبية إنها تأسف لقرار مؤسسة موديز بخفض التصنيف الائتماني لديون البرتغال وإن هذا يسلط الضوء على "سلوك مريب" لمؤسسات التصنيف الائتماني.

وانتقد رئيس المفوضية جوزيه مانويل باروزو هذه المؤسسات قائلا إن قرار موديز يزيد التكهنات في السوق ويشير إلى تحيز ضد أوروبا. وأضاف في حديث للصحفيين في ستراسبورج إن الاتحاد الأوروبي يعتزم تشديد لوائح الرقابة على مؤسسات التصنيف الائتماني الثلاث الرئيسية موديز وستاندرد اند بورز وفيتش. وقال باروزو "يبدو غريبا أنه لا توجد مؤسسة واحدة للتصنيف الائتماني من أوروبا. هذا يبين أنه قد يكون هناك بعض التحيز في الأسواق حين يتعلق الأمر بتقييم مسائل أوروبية معينة."

ورفض وزير المالية الفرنسي الجديد فرانسوا باروان تصرف موديز حيال البرتغال وقال "لن تحل وجهة نظر وكالة التصنيف مسألة التوتر في أسواق السندات السيادية وازمات الميزانية." مضيفا أنه يثق في قدرة حكومة البرتغال الجديدة على تحقيق الخفض المستهدف في عجز الميزانية بحلول عام 2013. ويشتكي مسئولون أوروبيون من أن تخفيضات وكالات التصنيف تجعل من الصعب على الدول التي تتبع برامج مساعدات أن تعود إلى أسواق رأس المال.

قلق الأورو

وكان رئيس الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي جوزيه مانويل باروسو قد عبر عن غضبه تجاه وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني لقرارها بخفض تصنيف الديون السيادية لليونان إلى درجة "عديمة القيمة". وقالت موديز، وهي وكالة أمريكية إن التصنيف الأيرلندي تم خفضه إلى درجة "بي أيه 1" مقابل "بي أيه أيه 3".

وفي الغالب، ينتقد مسئولو الاتحاد الأوروبي وكالات التصنيف الائتماني التي تتشكك في مستقبل الدول الأعضاء الأضعف في منطقة اليورو، قائلين إن خفضها للتصنيفات يثير المخاوف بدون داع ويساهم في مضاربات بالسوق. وكان باروسو أعرب عن أسفه الشديد أيضا، عندما تم خفض التصنيف الائتماني للبرتغال أربع درجات إلى "بي أيه 2" من جانب وكالة موديز.

إضافة لذلك، تعمل المفوضية الأوروبية على وضع قواعد لتعزيز الشفافية والمنافسة في سوق وكالات التصنيف الائتماني التي تسيطر عليها 3 وكالات أمريكية فقط. كما تقول إنه يمكن أن يتم إنشاء وكالة أوروبية منافسة. وتتعرض أوروبا لضغط كبير من أجل وقف انتشار أزمة الديون بعد خفض تصنيف أيرلندا، إذ تجري مشاورات على أعلى مستوى لتجاوز الانقسامات بشأن مساعدة اليونان.

وقال وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن "حان الوقت للقيام بتحركات حاسمة لمواجهة الأزمة في منطقة اليورو وتجنب حدوث أضرار حقيقية للاقتصاد العالمي بسبب قلق الأسواق".

خطر حقيقي

من جهتها، قالت وزيرة المال الفنلندية الجديدة يوتا أوربيلاينن إن "هناك خطراً حقيقياً في اتساع هذه الأزمة وعلينا أن نفعل ما بوسعنا لمنع ذلك". ومن جانبه يرى حاكم المصرف المركزي الإيطالي ماريو دراغي أن المشكلة عامة، لافتا إلى أن "الملاءة المالية للدول التي تتمتع بالسيادة لم تعد أمرا مفروغا منه بل يجب اكتسابه عمليا". ويضيف "لذلك أصبحت تسوية المشكلة التي سبّبت الحمى الحالية أمرا ملحا، أي وضع اللمسات الأخيرة على البرنامج الثاني للقروض الموعودة لأثينا لحماية هذا البلد حتى منتصف أو نهاية 2014.

ويسود الانقسام العواصم الأوروبية منذ أسابيع لأن ألمانيا وهولندا وفنلندا خصوصا، تطالب بإشراك المصارف الدائنة لليونان، مؤكدة أنه شرط ضروري لموافقة الرأي العام لديها على قروض جديدة. إلا أن البنك المركزي الأوروبي وفرنسا وكل الدول التي تواجه صعوبات في منطقة اليورو تخشى أن يؤدي ذلك إلى انتقال العدوى. وقال رئيس البنك الأوروبي للاستثمار فيليب مايشتات "هناك اتفاق على الهدف لكن ليس على وسائل تحقيقه". ويتزايد عدد مؤيدي فرض مساهمة المصارف، حتى إذا احتاج الأمر لتخلف اليونان عن تسديد ديونها جزئيا، وتقودهم هولندا التي تؤكد أن توافقا يتحقق في هذا الشأن.


مزيد من التدهور

وقد ارتفعت بشدة كلفة الاقتراض للدول المثقلة بمشكلة مديونية في أوروبا مثل البرتغال وإيرلندا وايطاليا. كذلك شهدت سندات دين اليونان عمليات بيع كبيرة بعدما كانت تحسنت قليلا وسط توقعات ايجابية يشأن صفقة انقاذ جديدة لاثينا. وشهدت ايطاليا زيادة في كلفة الاقتراض هي الأعلى في 10 سنوات، لترتفع من 4.85 في المئة إلى 5.3 في المئة، ما يعني أن الأسواق تعتبر ايطاليا مثل اسبانيا التي يعاني اقتصادها ركودا شديدا وتضطر لدفع فائدة 5.65 في المئة على الاقتراض. أما بالنسبة لليونان وايرلندا والبرتغال، فوصلت كلفة الإقراض لفترة 3 سنوات إلى 28 في المئة و16.3 في المئة و18.6 في المئة على التوالي.

هجرة البنوك

وفي خضم أزمة الديون الأوروبية، قالت صحيفة صندي تايمز البريطانية إن البنوك الفرنسية تقود هجرة البنوك الأوروبية من الدول التي تعاني من أزمة مالية بمنطقة اليورو. وأضافت أن أزمة الديون الأوروبية تتفاقم بكل من اليونان وإيرلندا والبرتغال مع زيادة أعداد البنوك الأوروبية التي ترفض عقد صفقات بالاقتصادات الأوروبية الضعيفة.

وأشارت إلى أن أرقام بنك التسويات الدولي تظهر أن البنوك الفرنسية والألمانية والبريطانية بدأت هجرة من اليونان والبرتغال وإسبانيا وأيرلندا بسبب ما يرى المحللون أنه جهود لتعزيز بياناتها الختامية وتطبيق للإجراءات الجديدة التي تستهدف حماية المؤسسات المالية من الإفلاس. وقالت صندي تايمز إن من المتوقع أن يؤدي هروب البنوك إلى زيادة حالة القلق في بروكسل إزاء كيفية منع اليونان من التخلف عن سداد قروضها التي سترتفع تكلفتها.

وقد خفضت البنوك الفرنسية انكشافها على اليونان من 92 مليار دولار إلى 65 مليارا في الـ 3 أشهر الأخيرة عام 2010 كما خفضت عملياتها في إيرلندا والبرتغال وأسبانيا وخفضت انكشافها على تلك الاقتصادات بمقدار 112 مليارا في نفس الفترة.

مشتقات التأمين

يُذكر أن البنوك تنكشف على الدول الأخرى عن طريق مشتقات التأمين التي تضمن العمليات التجارية المختلفة، إضافة إلى القروض المباشرة للحكومات والشركات، وكلها يتم تسجيلها ببنك التسويات الدولي. وأشارت الصحيفة إلى أن بنوك "بي إن بي باريبا" و"كريديه أغريكول" و"سوسيتي جنرال" الفرنسية قامت بالانسحاب من السوق اليونانية من أجل تجنب احتمال إفلاس الحكومة. كما خفضت البنوك البريطانية والفرنسية انكشافها على اليونان.

وفي نهاية العام الماضي كانت البنوك الفرنسية والألمانية تتحمل 70% من مجمل السندات اليونانية والتي تملكها بنوك من 24 دولة وتصل في مجملها إلى 54.2 مليار دولار، ومسجلة لدى بنك التسويات الدولي. وفي ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي بلغ مجمل القروض الدولية لليونان 161 مليار دولار.

هـــــروب المليـــارات

كما بلغ حجم الأموال التي هربت من المصارف اليونانية منذ اندلاع الأزمة العام الماضي نحو 46.8 مليار يورو. وتقلصت الودائع بمقدار 17.7 مليار يورو، أي 8.5 في المئة منذ مطلع العام. وكانت تقلصت في 2010 بمقدار 29.1 مليار يورو، أي 12.2 في المئة. وتراجعت الودائع المصرفية للشركات والعائلات اليونانية للشهر الخامس على التوالي في مايو/أيار الماضي لتنخفض بنسبة 2.5 في المئة عن الشهر السابق إلى أدنى مستوياتها منذ ديسمبر/كانون الأول 2007.

وأظهرت بيانات بنك اليونان أن الودائع تراجعت إلى 191.9 مليار يورو، أي 277.8 مليار دولار من 196.8 مليار في أبريل/نيسان. ويزيد تقلص قاعدة الودائع الذي نتج جزئيا عن فرار رأس المال من الضغوط على البنوك اليونانية التي أصبحت تعتمد على تمويل البنك المركزي الأوروبي لسد احتياجاتها من السيولة، إذ لا يزال الاقتراض من سوق المال غير ممكن في الأغلب بسبب المخاوف بشأن الديون السيادية للبلاد.

حزمة الإنقاذ

في الأثناء، فال وزير المالية الفرنسي الجديد فرانسوا باروا إن حزمة الإنقاذ المالي الثانية لليونان قد تكون جاهزة في سبتمبر/أيلول، مؤكدا تقارير بأن الاتحاد الأوروبي يمنح نفسه مزيدا من الوقت لإعداد الخطة مع المستثمرين من القطاع الخاص. وكان أعضاء الاتحاد الأوروبي وافقوا الشهر الماضي على الإفراج عن قرض بقيمة 12 مليار يورو أي 17 مليار دولار من حزمة الإنقاذ الأولى لليونان والتي تبلغ قيمتها 110 مليارات يورو من أجل حماية البلاد من إشهار إفلاسها. غير أن أثينا في حاجة إلى ما يصل إلى 120 مليار يورو أخرى من أجل أن تظل قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية لما بعد عام 2012.

تقشف الطليان

وفي إيطاليا أقرت حكومة سيلفيو برلسكوني الأسبوع الماضي خطة تقشف جديدة قاسية تبلغ قيمتها 45.5 مليار يورو (65 مليار دولار) على عامين، على أمل الحد من هجمات المضاربين ضد إيطاليا التي طالتها أزمة الدين في منطقة اليورو. وقال برلسكوني للصحافيين إن التدابير الجديدة التي تضاف إلى خطة تقشف بقيمة 48 مليار يورو على 3 سنوات أقرها البرلمان منتصف يوليو/تموز الماضي، ستسمح بتوفير 20 مليار يورو العام 2012 و25.5 مليار العام 2013.

وبعد أن قال إن الخطة أقرت بعد ضغوط مارستها فنلندا وألمانيا وهولندا، أعرب رئيس الوزراء الإيطالي عن حزنه لاضطراره لفرض هذه التضحيات على بلده. إلا أكد أنه راض لأن الخطة التي صدرت بشكل مرسوم قانون يتعين المصادقة عليه خلال 60 يوماً من قبل البرلمان، أقرت بالإجماع في مجلس الوزراء. وأشار إلى أن الخطة تلبي مطالب الشركاء الأوروبيين والبنك المركزي الأوروبي الذي اشترط اعتماد روما تدابير تقشفية جديدة لدعمها عبر شراء سندات الدولة.

رسالة سرية

وقد عدد البنك المركزي الأوروبي شروطه في رسالة سرية. وقال برلسكوني "بعد أن تم التركيز على اليونان، بدأت المضاربة تستهدف إيطاليا" التي يتوجب عليها تجديد 250 مليار يورو من الديون العامة هذا العام. وأضاف "في هذا الوضع لا يمكننا سوى أن نسعى إلى تدخل من المؤسسة الأوروبية". وفي سابقة أخرى، أعلن برلسكوني  عن فرض "ضريبة تضامن" على مدى سنتين تستهدف أصحاب المداخيل الأكثر ارتفاعاً وهي 5 بالمئة على أصحاب المداخيل التي تتجاوز 90 ألف يورو سنوياً و10 بالمئة على أصحاب المداخيل التي تتخطى 150 ألف يورو سنوياً. وقال برلسكوني :أشعر بالحزن لأن الحكومة كانت تشعر بالاعتزاز لأنها لم تطلب يوماً المال من الإيطاليين. مؤكداً في القوت نفسه أنه لا بد من اتخاذ هذه الإجراءات.

وكانت إيطاليا التي تعاني من ديون هائلة تبلغ أكثر من 1900 مليار يورو وتشكل 120 بالمئة من إجمالي الناتج الداخلي، تعهدت بتحقيق توازن في الميزانية من جديد اعتباراً من 2013 بدلاً من 2014. وكانت إيطاليا شهدت حالة من الهلع في بيع الأسهم والسندات ما آثار مخاوف المستثمرين من انتقال عدوى أزمة الدين التي ضربت اليونان وإيرلندا والبرتغال إلى ثالث اقتصاد في منطقة اليورو. وتلتزم الخطة التقشفية التي أقرتها الحكومة الإيطالية بتوصيات البنك المركزي الأوروبي في شأن تحرير الاقتصاد وخصخصة الشركات وتليين قانون العمل (عمليات الصرف واللجوء إلى العقود المحددة زمنياً).

شد الأحزمة

ومن التدابير الأساسية في الخطة دمج عدد من المحافظات (38 محافظة سيتم إلغاؤها) والبلديات (1500 بلدية ستدمج). كما سيتم الحد من النفقات على الحياة السياسية مع إلغاء 50 ألف منصب لمسئولين منتخبين على مستوى الدولة المركزية والبلديات المحلية.

وسيتم اقتطاع 9.5 مليار يورو من ميزانية المجالس المحلية، ما أثار غضب أعضائها الذين اعتبروا أن الخطة تضر بالتنمية، لأنها ستجبرهم على زيادة الضرائب المحلية. وسيكون على الوزارات أيضاً شد الأحزمة لتوفير 8.5 مليارات يورو خلال عامين. وكان البرلمان الإيطالي أعطى في يوليو الماضي موافقته النهائية على حزمة التقشف التي تعتزم بها حكومة رئيس الوزراء سيلفيو بيرلسكوني تبديد مخاوف السوق بشأن قدرة البلاد على كبح جماح دينها العام. وحازت حزمة التقشف على موافقة 316 عضواً بمجلس النواب مقابل اعتراض 284 صوتاً.

موديز تهدد أسبانيا

وقد حذرت وكالة التصنيف الائتماني موديز من أنها ستخفض تصنيف إسبانيا في غضون الأشهر المقبلة بالنظر إلى ضعف نموها الاقتصادي والضغوط التمويلية التي تواجهها البلاد. وأوضحت الوكالة أن أي خفض لتصنيف أسبانيا سيؤدي إلى انتقال تصنيفها من "إي إي2" إلى "إي إي3" إلا إذا حصل تطور غير متوقع.


وربطت موديز ما أسمته ضغوطا تمويلية مرشحة للارتفاع بحزمة الإنقاذ الثانية لليونان، والتي سيترتب عليها مشاركة القطاع الخاص بما فيها المصارف الأوروبية، في مساعدة أثينا. وأوضحت أن حزمة الإنقاذ أبانت عن نمو المخاطر بالنسبة لحملة الأسهم بالبلدان التي تتوفر على ديون سيادية ضخمة أو عجز كبير بموازنتها. وقالت الوكالة إن التحديات التي تواجه أي توازن في موازنة أسبانيا على المدى البعيد ترتبط بتقلص النمو الاقتصادي وتراجع عائدات الضرائب.

قلق المستثمرين

وبينما يشعر المستثمرون الدوليون بالقلق إزاء وضع رابع أكبر اقتصاد بمنطقة اليورو بسبب النمو الهزيل والبطالة المرتفعة، تقول الحكومة الأسبانية إنها تستهدف إرجاع معدل عجز الموازنة بالنسبة لمحافظات البلاد الـ17 إلى 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة الجارية والتي تليها بعدما كان في حدود 11.1% عام 2010.

غير أن بعض المحافظين الجدد قالوا إنهم من غير الممكن تحقيق هذا الهدف بسبب سوء إدارة الجوانب الضريبية من قبل المحافظين السابقين. وكانت موديز قد خفضت التصنيف الائتماني لأسبانيا العام الماضي، وتصنيف وكالة ستاندر أند بورز أسبانيا حاليا بدرجة "إي إي" بينما تمنحها "فيتش" درجة "إي إي بلاس" مع نظرة مستقبلية سلبية بالنسبة للوكالات الثلاث.

خريطة طريق

من جانبه قال صندوق النقد الدولي إن أوروبا لم تضع خريطة طريق متماسكة لحل أزمة ديونها السيادية. وحذر من أن العملة الموحدة اليورو تعيش ظرفا صعبا. ولفت الصندوق إلى أن ردود الدول الأوروبية وعوامل اقتصادية تهدد بإبقاء الوحدة الاقتصادية والنقدية لأوروبا خارج سكتها الصحيحة. وأضاف الصندوق أن المخاطر تزيد مع كل أسبوع لا تحل فيه أزمة الديون.

واعتبرت المؤسسة المالية الدولية أن مشاكل منطقة اليورو، هي ربما أبرز المخاطر التي تتهدد تعافي الاقتصاد العالمي. ودعا الصندوق قادة أوروبا للعمل سريعا على زيادة حجم أموال الإنقاذ البالغة 440 مليار يورو (624 مليار دولار). وقال رئيس قسم منطقة اليورو بالصندوق لوك إيفر إرت إن القادة الأوروبيين لم يفوضوا بشكل كاف صلاحياتهم بشأن بعض القضايا كتنظيم القطاع المصرفي والميزانيات الوطنية لمؤسسات الاتحاد الأوروبي. ولا مفر، حسب إرت، من تفويض بضع صلاحيات السيادة الوطنية لفائدة المصلحة المشتركة، حيث إنه "لا مجال للحديث عن عملة موحدة دون مثل هذه الخطوات".

مرحلة خطيرة

وفي أوج أزمة الديون الأوربية قال روبرت زوليك رئيس البنك الدولي "إن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة جديدة أكثر خطورة" مؤكداً ضرورة تحرك دول اليورو بسرعة لتفادي أزمة أكبر. ومع أن خفض تصنيف الدين الأمريكي هو الذي أدى إلى حالة هلع في الأسواق، قال زوليك إن أزمة الدين في الدول الأوروبية تثير قلقاً أكبر في الوقت الراهن.

وأضاف أن اقتصاد منطقة اليورو ليس وحده المهدد بل مستقبل العملة الأوروبية نفسها، مشيراً إلى اليونان والبرتغال اللتين تعانيان من مشكلة الدين ودول أخرى مهددة بدون أي إمكانية لخفض قيمة العملة. وتابع أن المستثمرين يتساءلون إلى متى ستواصل فرنسا وألمانيا دعم الدول المهددة بدون أن تتعرضا هما أيضا لخطر خفض تصنيفهما.

وأوضح، نحن في بداية عاصفة جديدة ومختلفة، إنها ليست مثل أزمة 2008، في الأيام الـ15الأخيرة انتقلنا من انتعاش صعب (بنسبة نمو جيدة للدول الناشئة وبعض البلدان مثل أستراليا غير أنها أكثر تردداً بالنسبة للدول الأكثر تطوراً) إلى مرحلة جديدة وأكثر خطورة.

دروس 2008

وقال زوليك "إن الأزمة في منطقة اليورو قد تكون التحدي الأهم للاقتصاد العالمي"، داعياً الدول الأوروبية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة في أسرع وقت ممكن. وأضاف أن دروس 2008 تفيد أنه بقدر ما نطيل الانتظار بقدر ما تصبح الإجراءات التي يترتب علينا اتخاذها قاسية. وتابع "أن معظم الدول المتطورة استخدمت ما تسمح به سياستها الضريبية والنقدية، لكن هذا لم يكن كافياً، ملمحاً إلى ضرورة الانتقال إلى نظام أشد صرامة".

وبمعزل عن العواقب المالية الفورية، رأى زوليك أن هذه الأزمة ستؤدي إلى تغييرات في توازن السلطات في العالم. وقال "إن كل هذه الأزمة تقوم بنقل السلطة الاقتصادية بسرعة كبيرة من وجهة نظر التاريخ، من الغرب إلى الصين التي لا تتمسك بهذا الدور". وقد أعاد البنك المركزي الأوروبي تفعيل برنامجه لشراء السندات في محاولة للتصدي لأزمة الديون السيادية المتفاقمة في منطقة اليورو لكنه لم يشتر إلا سندات برتغالية وإيرلندية . وحتى هذه الخطوة لقيت معارضة من أعضاء ذوي نفوذ في المركزي الأوروبي.

وقالت مصادر في المركزي الأوروبي لرويترز أن 4 من أصل 23 عضوا في مجلس محافظي البنك ومن بينهم محافظ البنك المركزي الألماني القوي ينز فايدمان صوتوا برفض قرار استئناف مشتريات السندات. وقال متعاملون أن البنك المركزي تدخل لليوم الثاني لكنه لم يشتر سوى سندات البرتغال وإيرلندا . وانحسرت الضغوط على سندات إيطاليا ودول أخرى في أطراف منطقة اليورو، لكن عائدات السندات الايطالية العشرية فاقت عائدات نظيراتها الاسبانية للمرة الأولى منذ مايو/أيار عام 2010 وظل كلاهما فوق 6 في المئة مما يؤكد مخاوف المستثمرين بشأن الحاجة إلى تحرك.

أسابيع حاسمة

وقال مستثمرون أن الخلافات بشأن السياسات بين حكومات الاتحاد الأوروبي ومحافظي البنوك المركزية تذكي القلق بشأن رغبة أوروبا في القضاء على أزمة الديون. وقال مسئول الاستثمار في دي .بي ادفايزرز ذراع إدارة الأصول التابعة لـ "دويتشه بنك" في أوروبا "أن البنوك المركزية والحكومات لا تسير بعضها بمحاذاة بعض". وأضاف أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، فاتخاذ قرار بإنقاذ اسبانيا من شأنه اختبار أقصى قدرات صندوق الإنقاذ الحالية بينما إنقاذ ايطاليا سيفوق قدراته، لكن رين أصر على أن البلدين لن يحتاجا إلى مساعدة.

في غضون ذلك يخشى المستثمرون من أن تضطر ايطاليا واسبانيا إلى حذو حذو اليونان وإيرلندا والبرتغال في طلب المساعدة. وقال محللون أن الأسواق ستنتظر لترى أن كان الزعماء الأوروبيين مستعدون لزيادة حجم آلية الاستقرار المالي الأوروبي وهي صندوق للإنقاذ إلى مستوى يضع حداً لهلع السوق. ويقول المحللون إنه لا بد من مضاعفة حجم الصندوق الذي يبلغ 440 مليار يورو حالياً إلى مثلين أو 3 أمثال لتغطية اقتصادات كبيرة مثل إيطاليا وأسبانيا .

وقال رين إنه ينبغي أن يواصل الاتحاد الأوروبي تعديل صندوق الإنقاذ المالي ويدرس في الأجل الطويل إصدار سندات مشتركة من منطقة اليورو. وحتى الآن تعارض ألمانيا وفرنسا إصدار أي أدوات دين مشتركة قائلتين أن ذلك سيلغي عاملا مهما للانضباط المالي في الدول الأعضاء منفردة وسيرفع تكلفة اقتراضهما باعتبارهما يحملان التصنيف الائتماني الممتاز "AAA".

وفي الولايات المتحدة أيضاً هناك شعور بالشلل . فبعد أيام قليلة من التوصل إلى اتفاق في اللحظة الأخيرة لرفع سقف الدين العام وتجنب التخلف عن السداد أصبح هناك إدراك بأن بنوداً عديدة من خطة خفض العجز التي تبلغ قيمتها 1 .2 تريليون دولار هي بنود قصيرة الأجل وليست راسخة.

كماشة الديون

وتقول تقارير اقتصادية أن منطقة اليورو تواجه الآن أكثر من أي وقت مضى خطر أزمة الديون، لاسيما مع بروز مشكلات مالية جديدة لدى البرتغال وصعوبات كبرى لبلورة خطة ثانية مع المصارف لإنقاذ اليونان. فالوحدة النقدية التي بلغت شفير الهاوية قبل أقل من أسبوع تمكنت من التقاط أنفاسها عندما أقر البرلمان اليوناني خطة تقشف صارمة، كانت شرطاً للدائنين لمواصلة المساعدة المالية. لكن لم يستغرق الأمر أكثر من يوم كي يتضح أن خطة المساعدة الثانية على المدى المتوسط المخصصة لأثينا التي تتجاوز القروض الطارئة كي تنجو بجلدها في الصيف، سيكون تنفيذها أكثر تعقيداً وسيستغرق المزيد من الوقت عما كان متوقعاً.

وتبلغ قيمة الخطة الجديدة حوالي 100 مليار يورو على غرار الخطة الأولى التي انطلقت قبل عام تقريباً لتغطية حاجات البلد حتى منتصف 2014 على الأقل. لكن المشكلة برزت في سعي الأوروبيين بضغط من ألمانيا إلى إشراك الدائنين الخاصين لليونان على غرار المصارف وصناديق الاستثمار والتعاقد في الخطة. لكن هذه العملية دقيقة جداً إلى درجة أنها قد تدفع بوكالات التصنيف المالي إلى إعلان إفلاس اليونان.

أفكار فرنسية

ورفضت وكالة ستاندارد آند بورز خطة الأوروبيين التي تستند إلى أفكار فرنسية معتبرة أنها ستؤدي عدم التسديد، الأمر الذي تسعى أوروبا إلى تجنبه بأي ثمن لتجنب العدوى. وبالتالي بات على منطقة اليورو العمل مجدداً على بلورة الخطة حيث مددت مهلة الانتهاء من وضعها إلى سبتمبر/أيلول المقبل. وصرح وزير المال الفرنسي فرنسوا باروان أن مناقشة الخطة الجديدة لدعم اليونان سيكون في الأسابيع المقبلة، ونوه إلى أنه ينبغي الاستعداد لشهر سبتمبر.