لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Fri 2 Sep 2011 12:00 AM

حجم الخط

- Aa +

مصر: العجز المالي هو التحدي الأكبر

أشار بنك الكويت الوطني في نشرته الاقتصادية الأخيرة إلى استقبال الشعب المصري حقبة جديدة في 11 فبراير من هذا العام مع استقالة الرئيس السابق حسني مبارك وسط تصاعد الاحتجاجات الشعبية. وشكّل هذا التطور حدا سياسيا فاصلا لمصر وللمنطقة بما يعد به من انفتاح سياسي وإصلاح

مصر: العجز المالي هو التحدي الأكبر
مصر: العجز المالي هو التحدي الأكبر

أشار بنك الكويت الوطني في نشرته الاقتصادية الأخيرة إلى استقبال الشعب المصري حقبة جديدة في 11 فبراير من هذا العام مع استقالة الرئيس السابق حسني مبارك وسط تصاعد الاحتجاجات الشعبية. وشكّل هذا التطور حدا سياسيا فاصلا لمصر وللمنطقة بما يعد به من انفتاح سياسي وإصلاح. وقد كان تأثير ذلك على الاقتصاد مضنيا، على الأقل في المدى القصير، ولكن من المتوقع أن يكون الانتعاش جاريا.

من المتوقع أن يتباطأ نمو الاقتصاد الحقيقي بشكل ملحوظ في النصف الأول من العام 2011 وأن ترتفع البطالة بفضل الاضطرابات الأخيرة والإضرابات العمالية الواسعة التي أعقبت ذلك. ويتوقع أيضا أن يزداد العجز، الكبير أصلا، في الميزانية الحكومية كما هو الحال في عجز الحساب الجاري. وستكون السنة المالية 2011/2012 أيضا سنة قاسية، مع تزايد الضغوطات المالية واتخاذ المستثمرين موقف حذر. نتوقع أن ينتعش النمو الحقيقي بعض الشيء في 2011/2012 دون أن يصل إلى مستويات ما قبل التغيير السياسي.

وقد زاد الضغط على الأسواق المالية والجنيه المصري أيضا جراء الأحداث الأخيرة. وقد لجأ الكثير من المستثمرين الأجانب إلى تقليص استثماراتهم في مصر كما هو متوقع وفي الغالب عن طريق تصفية بعض مراكز الأسهم والسندات والأذونات الحكومية. وانخفض مؤشر سوق الأسهم بنسبة 29 % منذ بدء هذا العام.  بقي تراجع الجنيه أقل حدة إذ بلغ 2.6 % بفضل دعم البنك المركزي للعملة والذي انخفضت احتياطياته الرسمية من العملات الأجنبية بنسبة 26 % منذ ديسمبر 2010.

يتأثر الناتج المحلي الإجمالي بالاضطرابات السياسية والإضرابات

كان الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي عشية التغييرات السياسية في مصر قد تسارع ليصل إلى 5.6 %، إذ كان الاقتصاد يشهد انتعاشا متوسطا. ولكن التظاهرات الشعبية الهائلة أوقفت عجلة الاقتصاد وأرغمت الشركات والمستثمرين على اتخاذ وضعية أكثر حذرا. ونتوقع أن يكون النمو الاقتصادي قد تباطأ في السنة المالية 2010/2011  إلى نسبة 1 %. وستشهد السنة المالية 2011/2012 انتعاش متواضعا للنمو الاقتصادي نسبته 3 % - 4 %.

وكانت صناعة السياحة الأكثر تضررا، مع عزوف الزائرين الأجانب عن زيارة مصر بسبب حالة عدم اليقين وتوقف الخدمات. وتراجع عدد الزائرين بنسبة 82 % في شهر فبراير عما كان عليه في الشهر السابق. ومع قدوم شهر مايو، ارتفع عدد القادمين ولكنه بقي أقل مما كان عليه قبل سنة بنسبة 41 %.  وانخفض مؤشر الإنتاج الصادر عن وزارة التخطيط لقطاع السياحة بنسبة معدلة سنويا بلغت 65 % في شهر فبراير. وقد تقلص التراجع إلى نسبة 37 % مع حلول شهر مايو. تقلصت إيرادات السياحة في الربع الأول من العام 2011 بنسبة 34 % مقارنة مع الربع الأول من السنة السابقة.

وكان قطاع التصنيع أيضا قد تأثر بشدة بالاضطرابات، رغم أنه شهد تراجعا أقل بكثير في مؤشر الإنتاج الخاص به الذي بلغ 14 %. لكن سرعان ما تحسن تلك المؤشر مرتفعا بنسبة 21 % في شهر مايو، ما يشير إلى انتعاش قوي. بالمقابل، وبحسب مؤشر وزارة التخطيط للإنتاج، بدا أن ثلاثة قطاعات لم تتأثر بالأحداث وبقي نموها قويا، منها قطاعات الغاز والنفط والشحن عبر قناة السويس. وتشكّل هذه القطاعات الثلاث حوالي 15 % من النشاط الاقتصادي.

التحويلات تشهد تراجعا محدودا نسبيا

أضيف إلى انخفاض إيرادات السياحة انخفاض في تحويلات العمال والاستثمار الأجنبي المباشر. فقد تراجعت التحويلات المالية بنسبة 2 % عن الربع الأول من العام السابق وبنسبة 11 % عن الربع السابق. ومع ذلك، بقي نمو التحويلات المالية المجمعة للاثني عشر شهرا المنتهية في مارس 2011 قويا جدا، إذ بلغ 50 % مقارنة بفترة الاثني عشر شهرا التي سبقتها.

وعلى عكس ذلك، لم تتراجع إيرادات قناة السويس والصادرات النفطية خلال النصف الأول من العام.  وفيما قد تأثر العمل لفترات محدودة في أسابيع التظاهرات، تم استئناف النشاط بسرعة. وقد ساعد ذلك على تعزيز الحساب الجاري في مصر في وقت حرج ووفر بعض الاستقرار.

مخاوف المستثمرين الأجانب تدفع بالاستثمارات إلى الخارج

كان الضعف في ميزان المدفوعات أيضا ظاهرا في التدفقات الرأسمالية والاستثمارية إلى الخارج. وقد سجل الاستثمار الأجنبي المباشر تدفقا متواضعا إلى الخارج بقيمة 164 مليون دولار في الربع الأول من العام 2011 بعد أن كان قد سجل تدفقا إلى الداخل بقيمة 656 مليون دولار في الربع السابق. وكانت استثمارات المحافظ - والتي تشمل استثمارات في أوراق مالية - أكثر تضررا حيث سجلت تدفقا إلى الخارج بقيمة 5.5 مليار دولار في الربع الأول، بعد أن سجلت تدفقا أصغر إلى الخارج قيمته 1.3 مليار دولار في الربع الأخير من العام 2010. ومع ذلك فقد شهدت فترة الاثني عشر شهرا المنتهية في مارس 2011 تدفقا صغيرا إلى الخارج في استثمارات المحافظ، في حين حافظ الاستثمار الأجنبي المباشر على تدفقا كبيرا إلى الداخل قيمته 4.5 مليار دولار.

التضخم الأساسي يتراجع في الأشهر الأولى من 2011

بعد ارتفاع منتظم نوعا ما خلال السنة الماضية، تراجع معدل التضخم الأساسي بشكل ملحوظ خلال الأشهر القليلة الأولى من السنة، ليبلغ 8.7 % في شهر يوليو. وقد تراجع المعدل العام للتضخم أيضا بعد ارتفاع في الأشهر الأولى من 2011. وكان التضخم في أسعار الفاكهة والخضار الذي تجاوز 20 % السبب الرئيس لارتفاع التضخم العام، رغم أن سعر المواد الخاضعة للتنظيم كانت أيضا عاملا في ذلك.

ارتفاع العجز في الميزانية مصدر رئيس للقلق

يشكل العجز في المالية العامة للدولة أحد مكامن القلق الرئيسة. فقد ناءت حكومة مصر تحت عبء عجز كبير نسبيا في الميزانية قبل الأحداث الأخيرة. وفي الربع الأول من العام 2011، ارتفع العجز إلى 11 % من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بنسبة 9.5 % قبل سنة. ويعزى التدهور بشكل كبير إلى تراجع الإيرادات بنسبة 19 % عن السنة السابقة. وفي مسودة الميزانية للسنة المالية 2011/2012، تتوقع الحكومة أن ينخفض العجز إلى 8.6 % رغم الزيادات في الإنفاق.

ويضاف إلى تحدي تقليص العجز صعوبة تمويله في ظل الظروف الحالية. فحالة عدم اليقين السياسي قد أخافت الكثير من المستثمرين العالميين. وفي الواقع، فإن امتلاك الأجانب لأذونات الخزينة الحكومية تراجع بأكثر من النصف خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، أي بمقدار 35 مليار جنيه مصري ليصل إلى 24 مليار جنيه.


ومع إصدار الحكومة أذونات قصيرة الأجل بقيمة 50 مليار جنيه، كانت الأسواق بحاجة لاستيعاب حوالي 85 مليار جنيه من الأوراق الحكومية بين ديسمبر 2010 ومايو 2011. وقد اشترت مصارف القطاع العام الحصة الكبرى (37 مليار جنيه)، تلتها المصارف الخاصة (25 مليار جنيه) والصناديق الاستثمارية (13 مليار جنيه). وإذا أضفنا أذونات بقيمة 5 مليار جنيه اشترتها المصارف المتخصصة، المملوكة بمعظمها من الحكومة، تكون مؤسسات القطاع الحكومي قد تلقت حوالي نصف الدين المعروض.

التوسع النقدي ساعد على توفير التمويل

شكلت السياسة النقدية جزءا هاما من قدرة الحكومة على التعايش مع وضع عسير في الميزانية. وكانت السنوات القليلة الأخيرة قد اتصفت بسياسة نقدية متساهلة نسبيا. كان قد ازداد عرض النقد بمفهومه الضيق بمعدل 18 % في السنوات الثلاث المنتهية في ديسمبر 2010. كما ازداد عرض النقد بمفهومه الواسع أيضا بشكل سريع بنسبة 12 %. أما في فترة ما بعد التغيير السياسي فقد زادت وتيرة النمو النقدي إذ بلغ نمو عرض النقد بمفهومه الضيق في الأشهر الخمسة الأولى نسبة معدلة سنويا قدرها %24.

ارتفاع كلفة الاقتراض

رغم التوسع النقدي، ارتفعت أسعار الفائدة في الأشهر الأخيرة بسبب ارتفاع الدين وزيادة المخاطر السياسية. فقد بلغ سعر الفائدة على أذونات الخزينة الحكومية باستحقاق سنة إلى  12.8 %. السعر كان عند %10.4 في شهر يناير. وكانت إصدارات أذونات الخزينة مصدر التمويل الرئيس للحكومة في الأشهر الأخيرة. وفي شهر يوليو، أصدرت الحكومة سندات مدتها ثلاث سنوات لاقت إقبالا شديدا وكان سعر الفائدة 13.1 %.

الجنيه المصري يشهد تراجعا محدودا

استقر سعر الجنيه عند مستوى أقل بقليل من 6 جنيهات للدولار، بعد أن كان قد انخفض بعض الشيء خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام. وحافظ الجنيه على استقرار نسبي بفضل دعم البنك المركزي الفعال خلال الأشهر القليلة الماضية. فقد تراجعت نتيجة ذلك الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي المصري من بنسبة %26 منذ بداية هذا العام. وبلغ صافي الاحتياطيات الدولية في نهاية شهر يونيو 26.6 مليار دولار أميركي.

المخاطر السياسية تردع المستثمرين

رغم أن تعميق الديمقراطية في مصر يمثل فائدة لاقتصاد على المدى البعيد، يواجه البلد فترة من عدم الاستقرار السياسي في المديين القصير إلى المتوسط. ومن المرجح أن يكون المستثمرون الأجانب أكثر حذرا خلال هذه الفترة. ونتوقع أن يلعب المستثمرون الإقليميون، خصوصا من مجلس التعاون الخليجي، دورا أبرز في تلك الفترة سواء ممن لهم تاريخ طويل في الاستثمار في مصر أو من القطاع العام في تلك الدول.

ويشكل مصير الإصلاحات الهيكلية التخوف الرئيس لعدم اليقين بالنسبة للمستثمرين. فقد حققت مصر بعض النجاح في العقد الماضي في تطبيق الإصلاحات الاقتصادية. أما اليوم فلا ترغب الحكومة الانتقالية في مواصلة هذا النهج، حيث تفضل أن تترك القرارات الصعبة لحكومة منتخبة. على العكس، فإن المناخ السياسي السائد يدعي إلى المزيد من السياسات الشعبية، بما فيها زيادة الدعم ورفع أجور القطاع العام.

وتبقى المخاطر السياسية الرئيسة بعد الانتخابات. وسينظر المستثمرون إلى ما إذا كانت الانتخابات ستؤدي إلى تفويض واضح وإلى حكومة مستقرة. والأهم من ذلك، ما هو نوع السياسات التي ستدعمها حكومة جديدة وهل سيكون متاحا لحكومة جديدة أن تضع سياسات تعزز النمو؟

نمو متواضع في المستقبل مع مستوى مرتفع من عدم اليقين

يتوقع الوطني أن ينتعش النمو الاقتصادي من نمو سلبي في الربع الأول من 2011 إلى حوالي %3 - %4 في السنة المالية 2011/2012. ومع انتهاء 2011، سيكون الوضع السياسي أكثر وضوحا، ما يمنح المستثمرين ثقة أكبر في المستقبل. وبذلك، نتوقع أن يكون النمو في النصف الثاني من العام 2011 أكثر تواضعا وأن تواجه الحكومة تحديا ماليا أكبر في المستقبل.