لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Fri 16 Sep 2011 12:00 AM

حجم الخط

- Aa +

الكويت: نواب الفساد كرة ثلــج جـديــدة

الحسابات المالية المتضخمة والمشكوك فيها لعدد من النواب الكويتيين في البنوك، والتي أطلق عليها اسم قضية نواب الفساد، تدحرجت وكبرت كما كرة الثلج، جاذبة إليها القضاء ووسائل الإعلام وحتى الحكومة ذاتها وطبعاً البرلمان.

الكويت: نواب الفساد كرة ثلــج جـديــدة
الكويت: نواب الفساد كرة ثلــج جـديــدة
الكويت: نواب الفساد كرة ثلــج جـديــدة

الحسابات المالية المتضخمة والمشكوك فيها لعدد من النواب الكويتيين في البنوك، والتي أطلق عليها اسم قضية نواب الفساد، تدحرجت وكبرت كما كرة الثلج، جاذبة إليها القضاء ووسائل الإعلام وحتى الحكومة ذاتها وطبعاً البرلمان.

وسط صيف الكويت الساخن بفعل قضايا داخلية وخارجية أهمها مسألة ميناء مبارك الكبير والخلافات التي أثارها مع الجارة العراق، وكذلك تفاعل الكويت مع الأحداث الكبرى في الدول العربية الأخرى، وتحديداً سورية ومصر، برزت قضية أخرى أكثر سخونة هي قضية الإيداعات المليونية لبعض النواب الكويتيين التي تفاعلت سياسياً وقضائياً ونيابياً، وذلك بعد قيام  بنك كبير بإحالة ملفات حسابات متضخمة لنواب، إلى القضاء.

وبينما تستمر النيابة في تسلم بلاغات جديدة من البنوك بخصوص الحسابات المتضخمة أو المليونية، عمدت النيابة العامة لمخاطبة ما يسمى بوحدة التحريات في البنك المركزي مطالبة بإجابات تفصيلية عن تلك الأرصدة.

وشهدت الساحة النيابية ردود فعل كثيرة بشأن هذه القضية التي تسيء إلى مصداقية الكويت وسمعتها وتهدد مساعيها للتحول إلى مركز مالي إقليمي أو عالمي. فقد طالب نواب، بنوكا أخرى بالكشف عن الملفات المتضخمة لديها وإحالتها إلى جهات الاختصاص، فيما دخلت الحكومة على الخط، حيث أكد الشيخ محمد الصباح نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية ضرورة محاربة الانطباع بأن هناك بيئة حاضنة للفساد في الكويت، ودعا إلى تطبيق القانون على الجميع بغض النظر عمن يتضرر، وقال إن أهل الكويت في البحر والبر استأمنوننا على أموالهم، ونرفض الانطباع بوجود بيئة حاضنة للفساد في الكويت لأنها تضر بسمعة الكويت ومصداقيتها في الصميم.

مخرج آمن

فقد كتب المحرر الاقتصادي في صحيفة القبس الكويتية، أنه فيما كانت البنوك تبحث عن مخرج آمن من وسط حلبة الملاكمة السياسية، بعد أن قامت بما عليها من إجراءات لتحويل حسابات النواب المشكوك بأمرها إلى النيابة العامة، أعاد بيان مجموعة الـ26 استدعاءها إلى جدل سياسي ليست معنيّة به. فالبنوك تؤكد أن التجريم أو التبرئة ليس من شأنها بل من صلاحيات القضاء، ولا طائل تحت استمرار إقحامها في القضية إلا العبث بسمعة الكويت وقطاعها المالي دولياً، مع ما لذلك من أضرارٍ اقتصادية تصل أضرارها إلى جميع الشركات الوطنية التي لها تعاملات مالية وتجارية في الخارج.

ومنذ أن أثيرت قضية الإيداعات المليونية والبنوك تحاول النأي بنفسها عن الجدل السياسي، وتطالب الجميع باحترام الآليات القانونية والإجرائية في التعامل مع أي إيداعات مثيرة للشكوك، لتبقى سمعة القطاع المالي الكويتي مصانة. لكن الرياح السياسية لا تجري بما تشتهي سفن المصارف. فقد أبدت مصادر مصرفية استياءها من إصرار بعض السياسيين على الزج بالبنوك في قلب الجدل، وضربت مثالاً لذلك بما أسمته "النفس التحريضي ضد البنوك" في بيان مجموعة الـ26، الذي خاض في مخاطرة التعريض بسمعة القطاع المصرفي، من خلال الإيحاء ضمناً بمدى تطبيقها للقانون في كل ما يتعلق بالتعامل مع أي إيداعات مثيرة للشكوك.

واجبات قانونية

وقالت المصادر إن البنوك ليست في حاجة إلى بيان من أي جهة سياسية لتذكيرها بواجباتها القانونية والإجرائية، لأن أي جهة لن تكون أحرص على سمعة القطاع المصرفي الكويتي محلياً وخارجياً من البنوك نفسها. وأشارت المصادر إلى أن البنوك قامت من تلقاء نفسها بتحويل 111 حالة إلى النيابة العامة منذ إقرار قانون مكافحة غسيل الأموال، من دون يطلب إليها أحد من السياسيين ذلك، بل لمجرد أنها وجدت لتطبيق مثل هذا الإجراء. وتساءلت هل المطلوب من البنوك أن تقيم الدنيا ولا تقعدها كلما أحالت شبهةً بين يديها إلى النيابة؟ وهل المقصود رصد الشبهات ومنع التجاوزات أم مجرد التشهير والإثارة خارج الإطار الموضوعي والقانوني؟.

واعتبرت المصادر أن المصلحة الوطنية والاقتصادية للبلاد تقتضي إبعاد البنوك عن الجدل السياسي، واحترام الإطار القانوني والموضوعي الذي تلتزم به المصارف، وعدم تحميلها أكثر مما تحتمل. ولفتت إلى أن هناك إطاراً محدداً من الإجراءات والآليات تلتزم به البنوك في رصد أي عمليات تثير الشكوك، لكن المعني الأول والأخير بتأكيد هذه الشكوك وتحويلها إلى ادعاء ليس القطاع المصرفي، بل النيابة العامة، وما تقوم به البنوك ليس إلا لفت نظر النيابة العامة إلى العملية التي تستدعي التحقق، وليس التجريم أو التبرئة.

قرار سياسي

وأضاف المحرر الاقتصادي يقول "لكن المصادر لاحظت أن نمط الممارسة السياسية يظهر أن الجدل لن يوفّر البنوك سواء أحالت حسابات النواب إلى النيابة أم تحلها. بل إن بعض الجهات تعاطت مع قرار التحويل النيابة كما لو أنه قرار سياسي، في حين أن البنوك تتعامل مع الأمر على أنه جزء من واجباتها المهنية البحتة، وليست معنية بأبعاده السياسية".

ورأت المصادر أن التجربة الأخيرة أظهرت حاجة القطاع المصرفي إلى جهاز أو جهة تبت في مثل هذه القضايا، لكي لا يرمى عليها وزر أمور كهذه مستقبلاً. واستغربت المصادر أن يركز بيان مجموعة الـ26 على البنوك، مع أن دورها فني- إجرائي بحت، في حين كان انتقاده ملطفاً للأطراف الحقيقية المعنية في هذا الأمر. وأملت المصادر أن يقتنع السياسيّون بترك البنوك تطبّق في الأوضاع الحالية ما طبقته على الحالات الـ111 التي أحيلت على النيابة سابقاً وإخراجها من الجدل. وأكدت المصادر أن البنوك أثبتت في مختلف المراحل أنها ضنينة بسمعتها وأن لا أحد فوق القانون في تعاملاته معها، وهذا ما تأكد من تحويل قضايا إضافية للنيابة العامة طالما عندما وجدت المبررات والمسوغات القانونية الكافية لاتخاذ مثل هذا الإجراء.


إطار قانوني

وبينت المصادر أن آلية التعامل مع قضايا كهذه لها إطارها القانوني والإجرائي، الذي يحدده قانون مكافحة غسيل الأموال الصادر عام 2002 والتعليمات المرتبطة به الصادرة عن البنك المركزي، وأي تعديلات يحتاجها هذا الإطار لا يجوز أن تناقش إلا في إطار فني- موضوعي، وهذا ما يقوم به البنك المركزي، الذي لا يوفر وسيلة لذلك، بالتشاور مع المؤسسات الدولية المعنية مثل صندوق النقد الدولي.

وأضافت المصادر أنه حتى هذا الجهد المهني أصابته سهام التسييس، بدلاً من أن تحترم الملاحظات الفنية التي أبداها صندوق النقد الدولي، تم تسييس الأمر واستغلاله للنيل من سمعة القطاع المصرفي والإطار الرقابي الذي يشرف عليه. ونبهت المصادر إلى أن استمرار التناول السياسي لعمل البنوك على هذا النحو سيسيء عاجلاً أم آجلاً إلى مصالح الكويتيين، أفراداً وشركات في الخارج، وربما يؤدي إلى تراجع الثقة بخطابات الضمان التي تصدرها البنوك الكويتية. فمن الذي يرى في ذلك مصلحة للبلاد.

ولفتت المصادر إلى أن القضاء على الفساد لا يتحقق بمجرد رمي كرة المسئولية على إرادة الحكومة ومجلس الأمة ما لم تعمل جميع القوى السياسية بما فيها مجموعة الـ 26 على المشاركة فعلاً بجهود مكافحة الفساد والتي لا تقتصر على تشريعات قانونية جديدة فحسب وإنما تغيير النهج السياسي بما يضمن الالتزام بالقوانين حال صدورها واجتثاث الفساد من جذوره. واعتبرت المصادر أن الوضع السياسي والاقتصادي أصبح غير مواتٍ تماماً لأجواء إيجابية لتنمية اقتصادية حقيقية، خصوصاً وأن الشارع قد أخذ بزمام الأمور من الحكومة وسنرى في موضوع الكوادر ومن المؤمل ألا يأخذ الشارع بزمام الأمور من النخب الفكرية.

حتى النخاع

من جانبه شدد نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ د. محمد الصباح على ضرورة تطبيق القوانين لمحاربة الانطباع بأن الكويت باتت بيئة حاضنة للفساد. وقال خلال مؤتمر صحفي رداً على سؤال حول إحالة ملفات الحسابات المتضخمة إلى النيابة "بصفتي الشخصية أولاً انه في كل مجتمع وفي كل دولة في العالم، هناك أفراد يكون الفساد ضاربا فيهم حتى النخاع، وهذا ليس بجديد، ولكن الشيء الخطير أن يكون هناك انطباع أن هناك بيئة حاضنة لهذا الفساد، وهذا أمر خطير جداً أن تكون مثل هذه الانطباعات لأنها تضرب مصداقية الكويت وسمعتها في الصميم، لذلك علينا أن نعمل بشكل جدي لمحاربة هذا الانطباع، وكيف نعمل ذلك، وهو أن لدينا نظاما اثبت فعاليته وقوة بلد احتل، والنظام السياسي استطاع أن يجمع نفسه وان يعيد الكويت إلى ما كانت عليه، لذلك هذا النظام، الذي قرأناه بدستورنا وقوانينا يجب أن يطبق بشكل واضح وعلى الجميع بغض النظر ممن سيتضرر من ذلك".

وأضاف الشيخ محمد، هذا أمر واجب لأن القضية قضية خطرة أن يكون هناك انطباع أن هناك بيئة حاضنة للفساد في الكويت، فهذا يضرب مشروعنا لخلق، من الكويت، دولة جاذبة للاستثمار وحاضنة للاستثمارات ومركز مالي وتجاري، وهو يضرب هذا التوجه ويضرب قيمنا التي تربينا وجبلنا عليها، ونحن مجتمع قديم، والكويتيون معرفون عبر التاريخ بأنهم أهل كلمة عندما يقولون «اعتمد يعني اعتمد»، وعبر التاريخ كان الناس يؤمنوننا على أموالهم من أهل البحر والبر، لأننا كنا نعمل بصدقية وشفافية وشغف، وان يكون مثل هذا الانطباع عنا لا يمكن أن نقبله، وعلينا أن نحاربه من خلال تطبيق القانون، ولدينا هذا النظام الذي يستطيع ان يحمي البيئة الكويتية نظيفة من أي آفة تخترقها.

المصادر والأسباب

ولم تتوان النيابة العامة عن التعامل مع بلاغ الايداعات المليونية الخاصة بأعضاء مجلس الأمة، حيث أكدت مصادر قانونية مطلعة أن النيابة أعدت أول إجراء قانوني والخاص بمخاطبة وحدة التحريات بالبنك المركزي. وأضافت المصادر لـجريدة القبس أن النيابة أرسلت كتابها إلى وحدة التحريات لسؤالها وطلب تحرياتها والمعلومات التي لديها، هي كالآتي:

1 - ما مصادر الأموال المتضخمة بالنسبة للمتهمين؟

2 - كيف تمت عملية الحصول عليها؟

3 - ما أسباب الحصول على هذه الأموال؟

4 - ما ظروف الحصول على تلك الأموال؟

غير مقنعة

وأشارت المصادر إلى أن البلاغ المقدم إلى النيابة العامة، والذي تضمن أسماء عدد من النواب، أوضح أن البنك قام باستيفاء الإجراءات القانونية مع هؤلاء النواب من خلال سؤالهم عن كيفية زيادة حساباتهم بشكل كبير وما مصادرها، مؤكدة في الوقت نفسه أن إجابات النواب لم تكن مقنعة بالشكل القانوني بالنسبة للبنك، مما حدا بالأخير إلى استخدام القانون وإحالتهم إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيقات معهم.

وأوضحت المصادر أن البلاغ الوارد إلى النيابة العامة أكد أيضا أن هناك شبهة غسل أموال تحوم حول هؤلاء الأشخاص الذين تمت إحالتهم إلى النيابة العامة، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن هناك عددا من الوسائل للدخول في مسألة غسل الأموال من بينها:

1 - الإيداعات المتكررة لدى حساب العميل.

2 - الإيداعات التي يقابلها سحوبات.

3 - إيداعات تستخدم للعبور للخارج.

وشرحت المصادر الحالة الأولى بأنها تكون من خلال إيداع العميل في حسابه وبشكل متكرر وبفترة محددة أموالا متقطعة، حتى تتضخم، وبما لا يتوافق مع مصادر دخله، أو لم تكن معهودة من قبل مقارنة بحساباته السابقة.

إيداع وسحب

وأضافت المصادر أن الحالة الثانية فتتكون من خلال الإيداعات في الحساب البنكي ومن ثم سحبها، وضربت المصادر مثالاً على ذلك بالقول: قد يأتي شخص ويحاول أن يكون أذكى من القانون، بحيث أن القانون ينص على ضرورة مساءلة العملاء الذين يدخل في حسابهم أكثر من مبلغ 3 آلاف دينار متكرراً ومن دون مقدمات، مما يضطر معه بعض العملاء المتهمين بغسل الأموال بإيداع مبلغ أقل من المبلغ المذكور وليكن 2900 دينار، ومن ثم يقوم بسحبها، لكن هذا الإيداع وبهذا المبلغ يستمر بشكل كبير وأكثر من مرة يومياً، ليستند إليه هذا العميل المتهم بغسل الأموال بعد سؤاله من قبل أي جهة أخرى تتهمه بغسل الأموال، بأنه لديه وصل تسلم إيداع المبالغ في البنوك، مؤكدة في الوقت نفسه أن هذه المسائل مكشوفة بالنسبة إلى البنوك المحلية.

وخلصت المصادر للقول: أما المسألة الأخيرة المشار إليها فهي تكون من استخدام الحساب البنكي للعميل المتهم كمحطة للعبور من الكويت إلى حساب دولة أخرى، وتكون تلك الأموال تحتوي على شبهة غسل أموال.


استدعاء النواب

وسألت القبس المصادر القانونية حول مدى قانونية استدعاء النواب المتهمين والذي تمت إحالتهم إلى النيابة العامة على خلفية الإيداعات المليونية، فأجابت بأن النيابة لها الحق في استدعاء النواب في أي قضية كانت وليس فقط في هذه القضية، لأنها تعتبر سلطة قضائية، وهي التي تحمي المجتمع من الفساد، كما أن النص القانوني لا يمانع من التحقيق مع النواب في أي وقت من دون طلب رفع الحصانة البرلمانية، طالما كان ذلك واقعاً ما بين أدوار الانعقاد، ففي هذه الحالة تسقط عن أي عضو الحصانة البرلمانية.

واستدركت المصادر بالقول :لكن من المحتمل أن استدعاء النواب في الوقت الحالي هو أمر لا يكون في المراحل المتقدمة الحالية، لأنه متوقع أن تأخذ وحدة التحريات بالبنك المركزي وقتاً ليس بالقصير على الرد على جميع أسئلة النيابة العامة المتعلقة بكيفية حصول النواب على المبالغ المتضخمة التي أودعوها في حساباتهم، وبعد أن يتم إيضاح أن هناك بالفعل شبهة غسل أموال بالنسبة إلى هؤلاء النواب.

هل نحن مدرجون؟

وفي النيابة العامة، لم تكن الأجواء عادية نهائياً، وكان التوتر واضحاً على بعض المحامين والأشخاص الذين كانوا يسيرون في أروقة النيابة العامة من دون تحديد اتجاههم وكأنهم تائهون ففي الممرات وفي المصاعد وأمام قاعات المحاكم، كان الكل يسأل وبخوف وبحذر: هل النيابة الحين تحقق في بلاغات النواب المليونية؟، فتأتي الإجابة من الشخص الآخر وبحذر أيضاً.. نعم سمعنا هذه الأخبار. ولا تكتفي الاستفسارات إلى هذا الحد، بل أن جميع من يهمهم هذا الخبر الكبير يسألون عن أسماء النواب بالتحديد الذين تمت إحالتهم للنيابة العامة.

وبمجرد الصعود إلى الدور الأول من قصر العدل المؤلف من 8 أدوار، والذي هو مقر النيابة العامة ومكتب النائب العام، ستتم رؤية عدد من الإعلاميين الذين ينتظرون أي معلومة جديدية بخصوص القضية، وقد يكونون على علم ويقين بأن المعلومة لا تأتي من خلال تواجدهم في أروقة النيابة العامة، أو أن النائب العام لا يسمح بمقابلة الإعلاميين، لكن ليس بيدهم حيلة، فوجودهم في النيابة العامة وبين ممراتها قد يكون أفضل نفسياً من وجودهم خارجها، حتى ولو كان الوضع متشابهاً بالنسبة لعدم الحصول على أي معلومة.

أما الحالة التي تثير الاستغراب فهي ما تم رصده من وجود عدد من المحامين ومندوبي بعض أعضاء مجلس الأمة الذين حاولوا بطريقة أو بأخرى الاستفسار عن أسماء النواب الذين يتبعون لهم، وعما إذا كانوا ضمن الذين تمت إحالتهم للنيابة العامة أم لا. وقد طلب عدد من مندوبي النواب طلبوا الاستفسار عن أسماء نواب، وعما إذا تمت إحالتهم من قبل البنوك أم لا، لكن الإجابة كانت "لن نبلغكم عن أي شيء، وانتظروا الاستدعاء إذا كانت أسماء النواب مدرجة، وأنه لا توجد إجابة أخرى لدينا، لأن القضية رهن التحقيق وغير مسموح لأحد الاستفسار عن وجود اسمه من عدمه".

بيان مجموعة الــ 26

وقد أبدت مصادر مصرفية عليا امتعاضها مما ورد في بيان مجموعة الــ 26 الذي وصفته بانه غير موفق من حيث التوقيت، وغير متوازن من حيث الموضوع. وأشارت المصادر إلى أن البنوك لا تحتاج إلى تذكير لتطبيق القانون، حيث قامت خلال الفترة الماضية بتحويل أكثر من 111 حالة للنيابة العامة تطبيقا للقانون. وطمأنت المصادر المصرفية مجموعة الــ 26، وغيرها بأن لا أحد فوق القانون في تعاملاته مع البنوك، حيث قامت البنوك أخيرا بتحويل قضايا إضافية للنيابة العامة مادام هناك مبررات ومسوغات قانونية لمثل هذا الإجراء.

وأضافت انه من المؤسف أن يحمل بيان المجموعة نفسا تحريضيا ضد البنوك، فيما يبدو انه استهداف، بينما كان البيان مجاملا وغير متوازن في انتقاده الضعيف للأطراف الحقيقية المعنية بهذا الأمر. وبينت المصادر أن مكافحة الفساد لا تتحقق بتعليق الأماني على تغييرات فجائية أو غير واقعية، فيما وصف البيان المذكور «بإرادة الحكومة ومجلس الأمة» بل على عمل جميع القوى السياسية بما فيها مجموعة الــ 26 بصياغة أجندة واضحة، وذات برنامج زمني محدد لمكافحة الفساد، والتي لا تقتصر على تشريعات قانونية جديدة وحسب، وإنما تغيير في النهج السياسي بما يضمن الالتزام بهذه القوانين حال صدورها واجتثاث الفساد من جذوره.

واختتمت بان الوضعين السياسي والاقتصادي قد أصبحا غير مواتين تماما لأجواء إيجابية لتنمية اقتصادية حقيقية، خصوصا "أن الشارع قد أخذ بزمام الأمور من الحكومة كما رأينا وسنرى في موضوع الكوادر، ومن المؤمل ألا يأخذ الشارع بزمام الأمور من النخب الفكرية". وقد أشارت مصادر قانونية إلى أن الإحالة التي تقوم بها بنوك إلى النيابة العامة بشأن شبهة غسل الأموال لا تمت بصلة إلى رصيد المعني بالشبهة، بل إيداع معين بتاريخ معين لم يقتنع البنك بمصدره التشغيلي، فقد يكون رصيد المشتبه به أكثر أو أقل من مبلغ الإيداع المشتبه به، فالنائب العام غير معني بإجمالي الرصيد بل بالإيداع غير المقنع.

الذمة المالية

من جانبه كتب الدكتور عبد المحسن المقاطع يقول "هل هناك أمل في الإصلاح السياسي في الكويت؟ سؤال لا بد من طرحه في هذه اللحظة وفي هذا الوقت، خصوصا في ظل التصريحات اللامسئولة للحكومة ووزراءها، في شأن الذمة المالية للوزراء، فمنهم من يقول إن الوزراء فوق الشبهات، ومنهم من يقول إنه لا يجوز التشكيك بذمم الوزراء، وثالث يفيدنا بأن هناك شبهات دستورية في كشف الذمة المالية للوزراء، وغيرها وغيرها ربما من الحجج الواهية والعبارات الفارغة، والهدف في النهاية هو إقصاء الوزراء عن الخضوع لمبدأ كشف الذمة المالية".

وأضاف "لا شك أن الحسابات المليونية للنواب استوجبت تحركا سريعا لكشف مدى الفساد الذي ضرب أطنابه بين أعضاء مجلس الأمة، والفساد لا يمكن أن يكون فيه طرف واحد، إذ لا بد أن يكون هناك طرف آخر يغذي الفساد أو يرعاه أو يباركه أو يتستر عليه أو يسانده. وتلك الحسابات المليونية ما كانت لتتضخم لدى النواب إلا بوجود هذا الطرف الآخر، وهو ما يجب أن تبدأ الأصابع بالإشارة إليه وتسميته شخصا كان أو أكثر، أيا كان، ومهما كان، فالفاسد لا بد من أن تتم محاسبته ويلاقي مصيره إن كان متورطا".

تزكم الأنوف

ويمضي الدكتور المقاطع للقول "تأتي فكرة هالة إضفاء سياج وهمي حول الوزراء بعدم كشف ذممهم المالية وكأنهم بعيدون عن أن يتربحوا أو يستفيدوا أو تتضخم حساباتهم على حساب المصلحة العامة ومن المال العام، وهذه حجة واهية وهالة وسياج ساقطان، لأن الفساد يمتد إلى جميع ممن يقبل أن يخوض فيه، ومن ثم لا يجوز أن يُعفى شخص من إخضاعه للمساءلة والتعقيب على وضعه المالية حينما يكون في موقع المسئولية العامة، والفساد شبهة يمكن أن تبدو على أمواله وأعماله، ولا يوجد لدينا ما ينفي أو يثبت أن الوزراء منزهون عن الفساد ماليا، مجرد كونهم وزراء، بل هذه الصفة تستوجب أن يحاسبوا أكثر من غيرهم وفقا لمبدأ «من أين لك هذا؟» الذي أرساه سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أساسه كان حينما جاء ولاته ليقول أحدهم «هذا أُهدي لي، وهذا لكم»، فقال لهم عمر (رضي الله عنه): «أرأى أحدكم لو جلس في بيته أكان سيُهدى له؟»، وهي قاعدة عظيمة تبين أن على قدر المسئولية تكون المحاسبة، فكلما علا منصب الشخص كان لا بد من محاسبته وتدقيق ذمته مالياً، وهنا فإن الوزراء، حتى وفقا للنظام الدستوري الكويتي، أول من يخضع إلى المساءلة عن فسادهم وشبهات تحيط ذممهم المالية وهو ما قررته المادة 17 من الدستور، وتعاقبت على ترتيب أحكامه قواعد قانون حماية المال العام، وقانون محاكمة الوزراء.

وختاماً يقول "فمقولة أن قانون الذمة المالية لا يجوز أن يمتد إلى الوزراء، قول داحض، ويُردّ على صاحبه ويضعه في موقع الشبهات في التهرب من إخضاعه لهذه المحاسبة، ويخرج علينا مفتو السلاطين، ممن تعجّ بهم الحكومة، مستشارين قانونيين ليخلقوا أعذارا واهية وجدليات دستورية غير سديدة، ليوهموا الناس ويلبوا طلبات وزرائهم والحكومة بأن هناك شبهات قانونية ودستورية في كشف الذمة المالية للوزراء، وهذه أباطيل وكذب وخيانة للمسؤولية والأمانة المسندة إليهم، ولا شك في أن موضوع الحسابات السرية والإنفاقات الباهظة الحكومية هي مادة خصبة لكشف الذمة المالية للوزراء من جهة، وتعقب الحسابات المليونية للنواب التي صارت رائحة الفساد فيها مزكمة للأنوف".