أجمع مشاركون في جلسات مؤتمر «الاستثمار في المستقبل» الذي انعقد في إمارة الشارقة الأسبوع الماضي، على أن من الممكن توفير مبلغ 2.7 تريليونات دولار سنوياً، من خلال إدماج المرأة في سوق العمل عالمياً.
بلغة الأرقام هناك 85 مليون وظيفة جديدة عالمياً يمكن توليدها، جراء انخراط المرأة في سوق العمل، حيث تبلغ نسبة مشاركة المرأة في إجمالي الناتج المحلي العالمي حاليا 20 % فقط.
وبلغة الأرقام أيضاً، فإن نسبة عمل المرأة في القطاع الخاص لا تتجاوز حالياً نسبة 7.3 % وأن نسبة 7.3 % من النساء العاملات يعملن في القطاع الخاص رغم أن نسبة المتعلمات من إجمالي المتعلمين في العالم تصل إلى 50 %.
هذه مجرد خلاصات مما أكده خبراء شاركوا في فعاليات مؤتمر «الاستثمار في المستقبل» الذي نظمته «مؤسسة القلب الكبير» بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة في الشارقة، وناقش المشاركون سبل الشراكة الاستراتيجية الساعية لتحقيق التنمية الاقتصادية للبرامج والمشاريع النسائية، ودور الشركاء في التصدي للتحديات التي تواجه الفتيات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
فقد بينت نورة سليم، المدير التنفيذي لمؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية، أهمية القطاع الخاص في تمكين المرأة في القطاع الاقتصادي، موضحة أن الجهود الرسمية والأهلية الدولية القائمة في بلدان الشرق الأوسط عليها أن تلتفت إلى أهمية العمل في المؤسسات الخاصة وأثرها على تحقيق النهوض والاقتصادي لبلدان المنطقة.
ومن جانبها أكدت بياتريس سرنوتا ، مدير الاستراتيجيات والعمليات في شركة «تربية» أن القوانين والأنظمة الفاعلة في بلدان المنطقة والكثير من بلدان العالم الثالث تشكل تحدياً أمام انخراط المرأة في سوق العمل، إذ ظلت تنص على أنماط معينة من الأعمال التي يمكن لها أن تدخلها، وعلى ساعات معينة من العمل يبغي أن تقوم بها، إضافة معدلات الإجازة لفترة الأمومة والحمل وغيرها، مشيرة إلى أنه ينبغي العمل جاهداً لتيسير تلك القوانين وتحديد أثرها في مشوار تفعيل دور المرأة في سوق العمل وتمكنيها اقتصادياً.
ثلاثة أضعاف
من جانبه، كشف فادي غندور، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ «ومضة» عدداً من الاحصائيات التي تبين واقع مشاركة المرأة من إجمالي الناتج المحلي لبلدان الشرق الأوسط، إذ اوضح أن معدلات البطالة عند النساء تعادل ثلاثة أضعاف معدلها عند الرجال، وأن نسبة مشاركة المرأة في إجمالي الناتج المحلي لا تتجاوز 20 %، وأن نسبة عمل المرأة في القطاع الخاص تصل إلى 7.3 % فقط، فيما يعد نسبة المتعلمات 50 % من إجمالي المتعلمين، ولا يعمل منهن سوى 17 % فقط، أي أن 33 % منهن تغيب جهودهن وخبراتهن.
وقدم غندور عدداً من الحلول التي من شأنها أن تفعل حضور المرأة في القطاع الاقتصادي، منطلقاً من حقيقة مفادها أنه إذا ساهمت المرأة في سوق العمل فإنها ستوفر 2.7 تريليون من إجمالي الناتج العالمي، وتوفر 85 مليون وظيفة في الوقت ذاته، فقال: علينا أن نستغل مهارات المرأة وقدراتها ونذلل الصعاب التي تواجهها، وذلك من خلال توفير فرص العمل من البيت، فلماذا تحتاج الدول إلى معرفة أماكن عملنا؟
ثلاثة محاور
وطرحت روشان ظفر مؤسس ومدير مؤسسة «كشف» في ورقتها 3 محاور ينغي العمل ضمن استراتيجيات الاستثمار الاقتصادي، أولها: العمل على بناء تعاون على صعيد المجتمعات المحلية، وذلك من خلال دمج الرجل في حل أزمات المرأة، وتسليط الضوء على النساء المعرقلات لعمليات التمكين، وثانياً: علينا أن تؤكد أن نموذج القيادة بالنسبة للمرأة يختلف عن نموذج الرجل، فاليوم نحن نرى المرأة القائدة هي المرأة التي تتحلى بمهارات رجولية، مثل القدرة على التأثير، والجرأة وغيرها من المواصفات، وثالثاً: التركيز على التأثير والأدلة، فتأثير التنقل شكل واحدة من الاشكاليات أمام حركة المرأة وعملها، إذ بلغت نسبة المؤهلات علميا في باكستان 43 % يقابلها 20 % منهن عاملات.
وتحدث قيصر نسيم المدير الإقليمي لخدمات الاستشارة المصرفية في مؤسسة التمويل الدولية، عن دور مؤسسة التمويل الدولية في دعم مشاريع المرأة الاقتصادية، مؤكداً أن المؤسسة التابعة للبنك الدولي العالمي تسعى إلى تحقيق مستوى معيشة مرتفع لسكان الأرض، وذلك من خلال منح القروض، والتمويلات التي من شأنها أن توفر فرص عمل، وتدر دخلاً على البلدان، حيث تعمل المؤسسة من خلال هذا الجانب على دعم مشاريع المرأة الصغيرة، وتوفير فرص تدريب لهن تمكنهن من استغلال رؤوس المال، والتخطيط للمشاريع، وغيرها.
وسلطت الدكتورة فيرونيكا ماغار، ممثلة منظمة الصحة الدولية، الضوء على المرأة العاملة وسبل تمكينها صحياً واجتماعياً من أجل بناء مجتمعات قادرة على تحقيق تنمية مستدامة. وقالت فيرونيكا ماغار إن قرار دخول المرأة الى سوق العمل يقتضي دعم استمراريتها وتمكينها صحياً ونفسياً لتحقيق التوازن المطلوب في حياتها المهنية والأسرية. مشيرة إلى أهمية تنمية دور المرأة المهاجرة وتمكينها والاهتمام برعايتها الصحية.
50 % من نساء المنطقة يعانين من السمنة
وأشارت إلى أن هناك تحسنا في مستوى الرعاية الصحية لدى المرأة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ انخفضت نسب وفيات المرأة بنسبة 50 %. الا أن تقريراً حديثاً أظهر أن ربع الوفيات بين النساء من سن 30 الى 70 عاماً هو بسبب الأمراض التي تصيب الطبقة المتوسطة كأمراض السرطان والقلب والسكري، فيما يتسبب مرض السكري بنسبة 60 % من الوفيات بين النساء، بسبب جملة من العوامل غير الصحية والسلوكيات الضارة مثل التدخين وتناول الدهون، موضحة أن نسبة المدخنات في المنطقة ارتفعت لا سيما تدخين تبغ الشيشة الذي يروج له كوسيلة لتقليل الإحباط النفسي وخفض الوزن بين النساء.
ولفتت إلى أن 50 % من نساء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعانين من السمنة وفقا لإحصائيات 2014، بسبب قلة أو عدم حرية الحركة والانخراط في نشاطات رياضية وترفيهية، وهو ما يعكس وجود حواجز ثقافية لا تزال تشكل حاجزاً أمام حركتها وتقيدها بالأعمال المنزلية أو الدراسة فقط.
نساء السلام
وتطرقت الجلسات إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة في تحقيق السلام في بلدان النزاع والحروب، مستعرضة أبرز الخطوات التي ينبغي العمل عليها لتمكين المرأة في هذا الجانب ، وجاءت الجلسة التي حملت عنوان «المرأة وبناء والسلام». وأكد المتحدثون خلال مداخلاتهم أن البحوث التجريبية تشير إلى أن مشاركة المرأة ونفوذها في عملية السلام تزيد من احتمالية الوصول الى اتفاقات السلام، ومدى اشتمال هذه الاتفاقيات على أحكام لعمليات عادلة وشاملة لبناء السلام بعد انتهاء الصراع.
وأشاروا إلى أنه في العديد من السياقات المتضررة من النزاع على أرض الواقع، للأسف تكون المشاركة الرسمية للمرأة مؤقتة ويكون دورها تفويض رمزي أكثر منه جوهري، وقدرتها المؤثرة تُقاوم مباشرةً من الثقافة المحلية.
وروت شارمين عبيد شينوي، وهي مخرجة سينمائية وصحفية حائزة على جائزة الأوسكار مرتين، تجربتها في صناعة الأفلام المعنية في نقل تجربة المرأة والمطالبة بحقوقها، موضحة أن الكثير من النساء في العالم يحتجن إلى وسيلة مناسبة تنقل صوتهن وحقيقتهن بغض النظر عن مستواهن التعليم أو غيرها من المعايير التي يجدها البعض ضرورية لعلو صوت المرأة، إذ تملك الكثير من النساء صوتاً وقدرة على التأثير فيمن حولها لتحقق التغيير، وتكريس معالم السلام في أوطانها.
ودعت إلى أن نجد فرصة للنساء ليكن قادرات على نقل تجاربهن والمطالبة بحقوقهن والدعوة إلى السلام الذي هن شريك فاعل وأصيل فيه، وهذا ما يتحقق عبر تفعّيل حضور المرأة في مراكز صنع القرار، وانتاج التشريعات في مختلف بلدان العالم.
وتحدثت هباق عثمان المؤسس والرئيس التنفيذي لمنظمة «كرامة»عن دور الدولة المدنية في فتح النوافذ أمام المرأة لتلقى دورها وتغيّر من واقعها وواقع كل من يتعلق بها، إذ تفرض القوانين والأنظمة الرسمية معايير تحدد أدوار المرأة في المجتمع، وتمنحها الفرص لتقول صوتها، لافتة إلى أن ذلك ما كشفت عنه الثورات في العالم العربي، حيث سارعت الكثير من النساء بعد أن انهارت الأنظمة الشمولية إلى الشوارع للمطالبة بحقوقهن بعلو صوت وليكن حاضرات وفاعلات في تحقيق مشروع الدولة المدنية وبناء الدول بالسلام والحرية والمساواة.
رجال حرب
وكشفت أسماء خفترو عضو المجلس الاستشاري للمرأة السورية، التابع لهيئة الأمم المتحدة عن الجهود التي بذلتها المرأة السورية في تجربة الحرب التي تعانيها خلال السنوات الماضية، إذ قالت: «في الوقت الذي يصنع فيه الرجال الحرب، تصنع المرأة السلام، وهذا ما حققته المرأة السورية طوال النزاع الذي لا زلنا نعاني منه، إذ استطاعت بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة أن تشكل مجلساً تشريعاً من اثني عشرة امرأة يعمل جاهداً لتوفير الاجواء اللازمة لخلق الحوار وتكريس فكرة السلام بين أطراف الصراع».
وتقدمت بثلاث توصيات تأمل أن تلقى نصيبها من التحقيق على أرض الواقع، وهي: «تدوين اسهامات المرأة تاريخياً واصدارها في موسوعة مطبوعة، وتشكيل لجنة متابعة تتولى رصد جهود النساء في مجال تحقيق السلام دولياً، وطرح مبادرة نسائية لعدد من السيدات بدعم من هيئة الأمم المتحدة لنقل رسالة الوفاق بين العواصم المتناحرة والمتنازعة».
واستعرضت سنام ناراغي أنديرليني المدير التنفيذي ومؤسس الشبكة الدولية لأعمال المجتمع المدني جانباً من سيرتها الذاتية التي دفعت فيها إلى مجال تفعيل دور المرأة في مجال السلام، حيث خاضت تجربة النزوح خلال الثورة في إيران وهي في عمر الحادي عشر، ووجدت أنه في الوقت الذي يذهب فيه الرجال إلى الحرب تعاني النساء كل مخلفات الصراع فهي الوحيدة المسؤولة عن العائلة في ظل غياب الرجال، وهي التي تتحمل حزن فقدان أبنائها، وآبائها، وازواجها.
وأكدت أنه بسبب تلك الظروف كلها ينبغي أن يكون للمرأة صوت واضح تسمعه الجهات المسؤولة عن وقف الحرب، فالأمم المتحدة التي ترصد كل تلك المآسي ليس بيدها وقف الحرب أو فض النزاع، وإنما يتعلق الأمر في القوى المسؤولة عن الحرب والتي غالباً لا تصغي لصوت النساء المتضررات من الحرب.
20 % فقط في القطاع الخاص
وفي جلسة نقاش أخرى حملت عنوان «الابتكار – ريادة الأعمال»، وشارك فيها نخبة من المتحدثين المعنيين بقضايا ريادة الأعمال والاستثمار في الطاقات البشرية، وهم: نجلاء المدفع، مديرة مركز الشارقة لريادة الأعمال «شرا» وشذى الهاشمي، مدير مركز «محمد بن راشد للابتكار الحكومي»، وفيفيان ثابت، مديرة برنامج حقوق المرأة في هيئة كير الدولية في مصر، ومي بابكر، مستشار التمكين الاقتصادي في هيئة الأمم المتحدة للمرأة.
وأجمع المشاركون خلال نقاشهم أن إحدى أهم الطرق المؤدية لتسريع خلق فرص عمل جديدة في الوطن العربي، هي إعادة تنشيط القطاع الخاص وتعزيز بيئة مفتوحة لريادة الأعمال، مشيرين إلى أن القطاع الخاص في الوقت الراهن لا يوظف سوى 20 % من القوى العاملة في أي دولة في المنطقة العربية.
وأشار المشاركون إلى أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تكشف جهود النساء يمكن أن تلعب دوراً هاماً كمحركات للتنمية والابتكار في القطاع الخاص، لكون أن هذه المشاريع تعتبر المسؤولة عادة عن أكثر من 30 % من مجموع العمالة في القطاع الخاص في منطقة الشرق الأوسط، كما طرح المشاركون تساؤلات عديدة منها: كيف يمكن التأكد من أن الشركات الصغيرة والجديدة و الناشئة تنمو بشكل جيد في ظل التحديات الاقتصادية الماثلة؟ وما الذى تفعله النساء بشكل مختلف في مجال الأعمال؟ وما هي التحديات والفرص التي تعترض طريقهن؟ وكيف يمكن الوصول إلى الدعم المالي للابتكار وتطوير الأعمال بالنسبة لرائدات الأعمال.
وفتح مؤتمر «الاستثمار في المستقبل» ملف التنوع الاجتماعي في الدول العربية ومساهمة القطاع الخاص في وضع السياسات الضامنة لتوفير فرص عمل عادلة وآمنة ومحفزة للنساء.
وتطرق المتحدثون إلى أهمية تخصيص ميزانيات لحل قضايا النوع الاجتماعي، لتقوية السياسات العامة في تلك البلدان، موضحين أن تمكين المرأة في سوق العمل، ورفع مستويات تعليمها سيؤثر مباشرة ليس على المرأة وحسب، وإنما على المجتمع بأسره، فعلاقتها تمتد إلى الرجال والنساء والأطفال معاً.
