بعيداً عن التصريحات السياسية المثيرة جداً للجدل، للمرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية، رجل الأعمال والملياردير السبعيني، دونالد ترامب، فإن تصريحاته ورؤاه الاقتصادية هي الأخرى تصل حد التهريج، لدرجة جعلت بعض المحللين يقولون، أن انتخابه سيكون بمثابة كارثة محققة على الاقتصاد الأمريكي أولاً، والاقتصاد العالمي ثانياً.
عرفنا جيداً المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية: دونالد ترامب من خلال نبرته العنصرية التي يبدو أنها متأصلة داخل عظامه. وأدركنا أنه كاره للإسلام وللمسلمين من خلال تصريحاته التي قال فيها أنه سيمنعهم من دخول أمريكا. ولمسنا بقوة كرهه الشديد للمهاجرين وانتقاداته للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ولباقي دول أوروبا التي تستقبل اللاجئين.
لكن، ومن الناحية الاقتصادية البحتة، ماذا سيحدث لاقتصاد أمريكا ولكل الاقتصاد العالمي في حال فوزه بمنصب رئيس الولايات المتحدة؟.
لنبدأ بما سيكون عليه الوضع هنا في منطقتنا العربية إذا فاز ترامب، ولنرى ماذا قال في تصريحاته عن الدول العربية، وعن الدول الخليجية. فالواضح أن رؤية أو رؤى ترامب الاقتصادية تعجب فريقا عريضا من الأمريكيين.
ففي رؤيته للعالم، يركز على مبدأ المساومة الاقتصاية، حيث قال ترامب في مقابلة مطولة مع صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية نشرت في أواخر شهر مارس/آذار- 2016، «أن الولايات المتحدة الأمريكية أضحت قوة هزيلة، وأن الآلية الوحيدة التي من خلالها سنعيد لأمريكا مكانتها الحقيقية في العالم، تكمن في المساومات الاقتصادية».
وشدد ترامب على أنه لا يدعو لعزل أمريكا، ولكن يريد أمريكا أولا، وقال إنه على استعداد لإعادة النظر بحلفاء أمريكا التقليديين، إذا لم يبدو رغبة بدفع المال نقدا، أو لم يلتزموا بنشر قوات برية، تعويضا لتواجد القوات الأمريكية حول العالم، مضيفاً «لن يتم استغلالنا بعد الآن».
وفي ذات السياق أعرب ترامب عن رغبته بسحب القوات الأمريكية من اليابان و كوريا الجنوبية، إذا لم تعمد بشكل حقيقي مساهمتهما في تحمل تكاليف السكن والغذاء لهذه القوات. واقترح ترامب بكل وضوخ على ألمانيا، وعلى دول الخليج العربي دفع الأموال من أجل «المناطق الآمنة» التي سيقيمها للاجئين في سورية، وأكد أن عليهم الدفع مقابل خدمات الحماية التي سيوفرها لتلك المناطق حال بنائها.
وقف شراء النفط
ليس ذلك فحسب، فقد أعلن ترامب أنه في حال تم انتخابه سيعمد إلى وقف عقود شراء النفط من المملكة العربية السعودية، ومن «الحلفاء الآخرين من الدول العربية» إلى أن يلتزموا بنشر قوات برية لمحاربة داعش أو «يقدموا تعويضات مالية حقيقية» للولايات المتحدة الأمريكية، مقابل محاربتها لتنظيم داعش، الذي يهدد أمن تلك الدول .
وأضاف ترامب: «العرب يطلبون من أمريكا ضبط الحالة الأمنية في الشرق الأوسط، ولكن دون أن يعرّضوا قواتهم البرية لأي تهديد. وأمريكا تدافع عن الجميع، فإذا كنت تشك في قدراتك،إلجأ لأمريكا ستدافع عنك، وفي بعض الأحيان دون مقابل».
ومضى للقول: إن السبب وراء وجودنا في الشرق الأوسط هو النفط، ولكن الآن وبشكل مفاجئ، أدركنا ضعف الأسباب التي تجعلنا نتواجد هناك».
وتمسك ترامب خلال المقابلة بشعاره المعروف «سيطروا على النفط». الذي قال إن تنظيم داعش يتحكم به في سورية والعراق. وأقر ترامب أن الأمر يتطلب نشرا للقوات البرية، وهذا أمر لا يحبذه شخصيا، وأشار إلى الفترة التي اجتاحت فيها الولايات المتحدة الأمريكية العراق بقوله «كان يجب علينا أخذ النفط. كان يمكننا الحصول عليه. لكن الآن نحن ملزمون بتدميره».
فقاعة اقتصادية ومالية
فترامب، لايكف عن إطلاق تصريحات متشائمة وسلبية وتخيف المستثمرين من الاقتصاد الأمريكي، ويتحدث باستمرارعن فقاعات مالية في أسواق المال وعن ركود سيجتاح الاقتصاد، حيث صرّح للواشنطن بوست قائلاً «إننا نجلس على فقاعة اقتصادية، بل فقاعة مالية».
وفي أحد الخطابات خلال حملته الانتخابية، طلب ترامب من المستثمرين عدم شراء الأسهم الأمريكية، وقال في تصريح آخر أن «الاستثمار في الأسهم الأمريكية في الوقت الراهن سيء، وإن أسعار الأسهم تتضخم فوق مستوياتها الحقيقية في العادة وهي إشارة سيئة لما سيحدث للاقتصاد».
ويرى مراقبون أن تصريحاته هذه من شأنها أن تؤدي إلى انسحاب مليارات الدولارات من أسواق المال الأمريكية بحثا عن ملاذات آمنة أخرى.
رفض تسديد ديون أميركا!
كما أعلن أنه سيرفض تسديد الديون المترتبة على أمريكا . وللعلم فإن الدين الأمريكي العام يمثل رقمًا فلكيًا، حيث يبلغ 16.7 تريليون دولار، (التريليون يساوي ألف مليار).
وفي منتصف مايو/أيار الماضي، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية، بيانات ظلت سرية لأكثر من 40 عاما، كشفت فيها عن حجم الدين الخارجي للولايات المتحدة المترتب لدى السعودية. واعتبارا من مارس/ آذار 2016 بلغت ديون أمريكا لدى المملكة نحو 116،8 مليار دولار، وبالتالي دخلت الرياض ضمن قائمة أكبر 10 دائنين للولايات المتحدة.
وجاء كشف المسؤولين الأمريكيين عن حجم الدين بعد أن هددت المملكة في أبريل/ نيسان الماضي إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما ببيع أصول المملكة في الولايات المتحدة والتي تبلغ حوالي 750 مليار دولار، إذا تبنى الكونغرس الأمريكي مشروع قرار يسمح بمقاضاة السلطات السعودية على مزاعم تورطها في هجمات «11 سبتمبر».
غموض من هول الاقتراحات
وكتب نارايانا كوتشيرلاكوتا، وهي كاتب عمود بخدمة «بلومبيرج فيو» وأستاذ اقتصاد بجامعة روشستر تقول، أن مؤسسات الاقتصاد الأمريكي ومؤشراته تعيد تقييم ما ينتظرها في حال فوز دونالد ترامب في السباق الرئاسي في شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. فالاقتصاد الأمريكي بات يكتنفه الغموض من هول اقتراحات ترامب الاقتصادية التي لا يفتأ يعلن عنها في حملاته ومقابلاته الصحفية.
وسياسات ترامب تجعل الولايات المتحدة الأمريكية على أعتاب تغيير جديد سيغير من ملامحها الاقتصادية في حال فوزه، فالأمر يتعلق بأعمدة الاقتصاد الأمريكي والثوابت التي اعتاد العالم السير في ظلها والتي جعلت منه أكبر اقتصاد في العالم على مدى العقود الماضية، وأبرز تلك الأعمدة مكانة الدولار كعملة احتياط دولية والتي ستؤثر على معادلة البترودولار وسندات الخزانة الأمريكية ذات التصنيف السيادي الأعلى في العالم، والعلاقة مع الصين ثاني أكبر اقتصاد عالمي، واتفاقيات التجارة الحرة مع دول العالم، والعمالة الضخمة من المهاجرين الموجودة في الولايات المتحدة.
وتضيف نارايانا كوتشيرلاكوتا : في كل دورة انتخابات رئاسية أمريكية؛ يتنافس فيها المرشحون بتقديم برامج اقتصادية لإنعاش الاقتصاد الأمريكي ورفع معدلات النمو وخفض البطالة وغيرها، ولكن ما يميز هذه الدورة الأفكار الاقتصادية العشوائية الصادرة عن ترامب والتي لا تحاكي الوضع الحالي للاقتصاد الأمريكي، فترامب ليس مرشحًا عاديًا عن الحزب الجمهوري فهو متمرد في كل شيء وحتى على حزبه، وبحسب لينش المحلل والأستاذ البريطاني في كلية «كاس» التابعة لجامعة لندن يقول أن خطط ترامب «تدق جرس الإنذار حول المستقبل الاقتصادي لأميركا».
سياسات كاملة بدون تفاصيل
فالظلامية والسوداوية التي تُكفّن أفكار الملياردير ترامب هي ما تخيف المستثمر والسياسي والاقتصادي. فأفكاره غير العادية حول ما يريد فعله والسياسات التي يبلورها اتجاه الاقتصاد الأمريكي لا تزال تطرح العديد من التساؤلات في الطريقة التي يفكر فيها ترامب.
وعندما أصبح ترامب المرشح المرجح للحزب الجمهوري بدأ ببلورة المزيد من الأفكار بخصوص سياسته الاقتصادية، إذ قال إنه ينوي إلغاء مجموعة من القوانين الإتحادية التي يرى أنها تثقل كاهل أصحاب الشركات الأمريكية أكثر من الضرائب المرتفعة. لكن سياسات ترامب الاقتصادية الكاملة لا تزال بدون تفاصيل كاملة عن كيفية تطبيقها.
وتظهر حالة الفوضى في أفكاره عندما يتكلم عن أحد أسباب مشاكل الاقتصاد الأمريكي التي تتمثل برأيه في علاقة الولايات المتحدة مع الصين، التي يرى أنها «تخدع الولايات المتحدة وتتبع سياسات اقتصادية تنهب الاقتصاد الأمريكي» ولذلك فهو سيعيد النظر باتفاقية التجارة الموقعة معها. أما بخصوص الجارة المكسيك، فانه سيشرع في بناء حائط لعزل المكسيك عن الولايات المتحدة لمنع العمالة المكسيكية التي تعمل في أعمال غير نظامية في أمريكا.
وحول خططه لإصلاح الاقتصاد الأمريكي، يشير أنه سيعمد إلى خفض الضرائب ويقول أن الضرائب في أمريكا هي الأعلى بين دول العالم، وخفض الضرائب سيحفز الاقتصاد والمستثمرين على الاستثمار أكثر، إذ قال في مقابلة مع محطة تلفزيون «سي.إن.بي.سي» أنه سيقوم بالتخلص من اللوائح الضريبية ويخفض الضرائب بدرجة كبيرة جدًا، فهذا الفعل سيؤدي إلى تنشيط الاقتصاد وخلق وظائف على حد وصفه.
خطط مفيدة للأثرياء من أمثاله
ومن سياساته أنه سيخفض الدخل الفيدرالي من الضرائب بحوالي 9.5 تريليون دولار وتخفيض الضرائب على الأثرياء بحوالي 1.3 مليون دولار في عام 2017 وخفض الضريبة على الشركات إلى 15% وتبسيط قانون الضرائب أكثر، علمًا أن الخطط الضريبية المطروحة في سياساته تفيد بالمقام الأول الأثرياء وليس الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
كما أنه يسعى لتقوية الدولار أكثر مما عليه الآن فيقول «أحب مبدأ الدولار القوي ومن عدة جوانب أود بوضوح أن يكون الدولار قويًا، في حين أن ذلك له بعض المزايا» مع العلم أن الفائدة الفعلية للدولار القوي أقل بكثير فيما لو كان ضعيفًا، ولا يُخفي قلقه من تداعيات رفع أسعار الفائدة على الاقتصاد في ضوء قوة الدولار التي تثقل كاهل الشركات الأمريكية.
ويعد بحماية الرعاية الصحية وزيادة الإنفاق على الدفاع وفي الوقت ذاته يقول أنه سيعيد التوازن إلى الميزانية الأمريكية التي تواصل مراكمة العجز منذ عهد الرئيس بوش الابن، إلا أن خبراء المال يرون أن وعود ترامب بزيادة حجم الإنفاق، تتناقض مع الميزانية الأميركية.
ترحيل المهاجرين سيؤدي إلى انكماش اقتصادي
جاء في دراسة حديثة أعدها مركز «أميركان أكشن فورم» للأبحاث قال أن خطة دونالد ترامب بشأن حصر وترحيل المهاجرين غير النظاميين في الولايات المتحدة، ستؤدي إلى إنكماش الاقتصاد الأمريكي بنحو 2 % فيما لو نفذت، وستقود هذه السياسة بحسب الدراسة إلى تقلص الناتج المحلي الإجمالي خلال العقدين المقبلين بنحو 1.6 تريليون دولار. ففي الولايات المتحدة، أكثر من 11 مليون مهاجر يعيشون ويعملون في بصورة غير نظامية في قطاعات مثل الزراعة والبناء والضيافة، حسب الإحصائيات الحكومية. وقد يؤدي ترحيلهم إلى انكماش ناتج القطاع الخاص بين 381.5 و 623.2 مليار دولار، وإخراج هؤلاء من سوق العمل قد يؤدي إلى شغور ملايين الوظائف بسبب نقص الأيدي العاملة النظامية الراغبة في شغل تلك الوظائف.
ومن المتوقع أن تبلغ قيمة الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي من السلع والخدمات نحو 18.7 تريليون دولار عام 2016 بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي وتمثل خسارة 2 % من هذا الناتج ما يعادل 400 مليار دولار. وبحسب «واشنطن بوست» فإن الرؤية المتشائمة التي طرحها ترامب حول الاقتصاد الأمريكي تتعارض أيضًا مع مسح أجرته «وول ستريت جورنال» مع رجالات الاقتصاد، إذ نتج عن المسح أن فرصة انحدار الاقتصاد نجو الركود لا تتجاوز 20 % فقط، وحتى هذه الفرصة الضئيلة لا ترتبط بأداء الاقتصاد الأمريكي وإنما ترتبط بضعف الاقتصاد العالمي.
تهديد لموقع الدولار
ويجدر القول أن السياسات التي يطرحها ترامب تهدد موقع الدولار كعملة احتياط دولية، وستقود خطط الإنفاق التي يقرها في سياساته إلى رفع الدين العام في أمريكا _في ظل خفض معدلات الضرائب التي ينوي فعلها_ إلى معدلات عالية جدًا قد تنهي جاذبية سندات الخزانة الأمريكية التي تعتمد عليها أميركا في تمويل العجز في الميزانيات، والتفكير بهذا المنطق كافي لرؤية مكانة ووضع الاقتصاد الأمريكي في المستقبل.
ويُجمع خبراء الاقتصاد أن فوز ترامب واتباعه لسياسات هجومية وغير مدروسة سيقود تلقائيا إلى نزاع تجاري وربما عسكري مع الصين في آسيا. وربما تكون نتيجة مثل هذا النزاع تخلي الصين عن ربط عملتها بالدولار وانفكاك البترودولار، فضلًا عن تراجع دور الدولار في تسوية الصفقات التجارية في دول البريكس ومجموعة دول العام النامي. والدولة التي يقول أنها تحاربه أي الصين هي في واقع الحال تتنافس معه وفق القواعد التي وضعتها الولايات المتحدة، وهي وغيرها تنتظر اللحظة التي تدير الولايات المتحدة ظهرها عن الاقتصاد العالمي لتبرز بدل عنها، فهذه الأيام ليست كأيام ما بعد الحرب العالمية الثانية التي خرجت الولايات المتحدة وحدها رابحة وفرضت على الجميع سياساتها وفلسفتها على الاقتصاد العالمي.
تفسيرات للخطاب التشاؤمي
خبراء الاقتصاد السياسي يرون خطاب ترامب التشاؤمي حول الاقتصاد الأمريكي بأنه طريقة ممنهجة ومدروسة من قبله لافتعال انهيار في سوق الأسهم الأمريكي، فهو يعتبر أن هذا سيساعده في كسب الإنتخابات ويستند بما حدث على نتائج الإنتخابات في عام 1929 بعدما شهد الاقتصاد الأمريكي أسوأ كساد اقتصادي على الإطلاق.
ففي 22 معركة انتخابية بعد ذلك التاريخ فاز مرشحو الحزب الديمقراطي في 12 منها بسبب الأداء الجيد لسوق المال في وول ستريت، وخسر في المرات التي كانت تشهد انهيارًا في سوق المال. لذا يأمل ترامب أن تقود تصريحاته إلى انهيار في سوق الأسهم حتى تزداد فرص فوزه على مرشحة الحزب الديمقراطية المحتملة.
وتُذكر سياساته بثلاثينيات القرن الماضي التي اتسمت بالإنغلاق وتعزيز السياسات الحمائية، والتي لن تفيد الاقتصاد الأمريكي بما هو عليه الآن من مكانة عالمية. وربما سيدرك ترامب في حال وصوله لسدة الرئاسة أن من يدير البيت الأبيض ويتحكم بالعالم من هناك ليس كمن يعيش خارجه، فهو محكوم بمؤسسات اقتصادية عتيقة وخبراء مال كبار يخططون للاقتصاد. وكم من رئيس أمريكي وعد وقال الكثير في حملته الرئاسية لكنه لم ينفذ منها شيء بعد وصوله للرئاسة.
