لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Sun 2 Apr 2017 05:33 AM

حجم الخط

- Aa +

الصفات القيادية في البحر.. دروس من سباق المراكب الشراعية

إنها الساعة الرابعة فجراً. ليس هناك الكثير لتراه سوى فضاء فسيح ورائع من النجوم. نحن نعلم أن المراكب الأخرى قريبة، لكننا نشعر بالوحدة تماماً في وسط محيط تتلاطم به أمواج لا ترحم. الليلة، شحذت أفكاري من أجل الحفاظ على مسار ثابت، وللتركيز على سعينا نحو تحطيم الرقم القياسي لعبور الأطلسي بحراً وتحت ظروف شديدة.

الصفات القيادية في البحر.. دروس من سباق المراكب الشراعية
بقلم: ريك بومر، مدير إدارة المبيعات، «كولس» أوروبا، الشرق الأوسط، وإفريقيا.

إنها الساعة الرابعة فجراً. ليس هناك الكثير لتراه سوى فضاء فسيح ورائع من النجوم. نحن نعلم أن المراكب الأخرى قريبة، لكننا نشعر بالوحدة تماماً في وسط محيط تتلاطم به أمواج لا ترحم. الليلة، شحذت أفكاري من أجل الحفاظ على مسار ثابت، وللتركيز على سعينا نحو تحطيم الرقم القياسي لعبور الأطلسي بحراً وتحت ظروف شديدة.

وبالعودة إلى اليابسة مع الوقت المتاح للتفكير بعمق، تترآى أمامي تلك اللحظات والليالي، وما أنجزناه حينها - لقد فزت وزملائي في الطاقم برالي الأطلسي للمراكب الشراعية، وهو سباق ينطلق من جزر الكناري إلى سانت لوسيا، تعبر فيه المحيط الأطلسي بدون محرّك وفي غضون ثمانية أيام - وأفكر أيضاً بالصفات القيادية. أعتقد أن هناك روابط ذات مغزى.
نحن بحاجة إلى فرق عمل قوية ومتناسقة من أجل بلوغ التميز في الأعمال. قد يكون ذلك تحدياً حتى تحت الظروف الطبيعية في مكان العمل، حيث يشعر الجميع بالأمان، وتكون مستويات الضغط منخفضة نسبياً. الآن، تخيّل ماذا يمكننا أن نتعلّم من الإبحار: 15 شخصاً يعيشون معاً لتسعة أيام بينما يُبحرون بسرعة 23 عقدة في الساعة، وعلى متن مركب يتأرجح سطحه باستمرار صعوداً وهبوطاً، وبمساحة أصغر من مكاتب معظم الرؤساء التنفيذيين.

نعمل حينها ضمن فترات مناوبة صارمة - أربع ساعات للعمل، ثم أربع ساعات للنوم. وإذا تخاذل فرد واحد فقط من الطاقم، قد ينقلب المركب في ثوانٍ معدودة.
وبينما أتعمق فيما اختبرناه خلال هذا السباق، أرغب في أن أناقش ستة دروس حول الصفات القيادية في البحر، والتي يمكن تطبيقها على الجوانب القيادية في مجالات الأعمال. والثقة هي عنصر ضروري لكل منها. فعلى متن المركب، ليس المطلوب منا ببساطة أن نثق في قدرات وقرارات زملائنا. نحن نضع حياتنا فعلياً في أيدي بعضنا البعض.

دروس حول الصفات القيادية من البحر:
1 - استفد من الطاقة التي تنشأ عن الضغط
ما الذي يحوّل 15 إنساناً يخوضون تجربة ما تحت ضغط شديد إلى فريق ذي أداء عالٍ؟ بدلاً من التركيز على مصادر الضغط، ركّز على ما يمكنك القيام به بالجرعة الإضافية والزائدة من الطاقة التي تُحدثها الضغوطات من حولك. عندما يكون أمامك عدة خيارات، عليك بالخيار ذي القيمة الأفضل.. التعاون.
عندما تحوّل تركيزك بعيداً عن نفسك وباتجاه الفريق، سوف تزول الغريزة الطبيعية لتجنّب الإجهاد، مما يمنحك الحافز لمواجهة مصدر ذلك الضغط، وتحويله إلى طاقة إيجابية وقوية للغاية.  

2 - امنح كل واحد فرصة للأخذ بزمام الأمور
لتُبقي المركب منطلقاً بسرعة كاملة، من الضروري أن يقود الدفة أعضاء الفريق الذين يشعرون بالحيوية والانتعاش. إن هذا ليس سباقاً نموذجياً للقوارب حيث يمكن للربّان الذكي أن يُحدث فارقاً للفوز بالانطلاق بسرعة خاطفة خلال مسافة قصيرة. ليس هناك قائد واحد - فكل شخص يتناوب على الأدوار القيادية والتحفيزية. ويتم تقسيم الطاقم إلى فرق صغيرة يتشاركون المسؤولية للحفاظ على المسار. ويتولى كل زميل زمام الأمور عندما يحين دوره، وكل شخص يأخذ قسطاً من الراحة. وإذا كان هناك شخص ما يعاني من صعوبات، يتواجد الآخرون هناك لمساعدته. ولكن، ليس هناك مجالاً للأبطال الذين يطمحون للقيام بأكثر من مهامهم، لأنهم سيتعبون ويصبحون أقل فعالية.

3 - قل ما هو مطلوب، وفي الوقت المناسب. لا أكثر ولا أقل.
عندما تنتقل مهمة قيادة الدفة من أحد الفرق إلى الأخرى، يعتبر التواصل الواضح أمراً رئيسياً وهاماً لإبقاء المركب في مساره، ولمواصلة العمل باستراتيجية متماسكة ومتّسقة. وعند الإمساك بدفة القيادة، أريد أن أعرف اتجاه الرياح ومستوى الثبات، وزاوية حركة الأمواج، وطبيعة المسار في الأمام، وغيرها من المعلومات الهامة. لا تفترض أنني أرى ما تراه، خاصة وأن عيناي لا تزالا تتأقلمان مع الظلام. إن هذه المرحلة من تبادل وتسليم المهام يجب أن تكون ذات فعالية وكفاءة بأكبر قدر ممكن، ولا أريد أن أشتّت تركيزي وذهني بحقائق أخرى ليس لا علاقة بالتحدي الآني.

4 - كن متيقظاً.
خلال السباق، يبقى الانضباط أمراً بالغ الأهمية. إن إنزال الشراع الرئيسي يتطلب انخراط العديد من الأفراد في سلسلة من الخطوات التي تم الاستعداد لها جيداً. الاختصارات هنا لا تؤتِ ثمارها أبداً. والانضباط يعني أيضاً أن تكون متيقظاً في جميع الأوقات، وأن تكون مسؤولاً عن تصرفاتك. فعلى سبيل المثال، عليك أن ترتدي معدات السلامة قبل كل مناوبة على سطح المركب. وهذا يعني 15 دقيقة لكي ترتديها، و 15 دقيقة لكي تخلعها - كل أربع ساعات. إن هذه الدقائق الـ 30 تتسابق مع الزمن المخصص للنوم والأكل، وقد يكون هناك إغراء لتخطي هذه الخطوة. لكن الفريق يعتمد عليك لتبقى «منضبطاً» وملتزماً بمجموعة من المبادئ المتفق عليها مسبقاً.

5 - توقّع الخطر وعواقب استجابتك
في البحر، لا يمكنك أن تتحكم بأي من العوامل الخارجية من حولك - مثل الرياح والأمواج. وتعتمد سرعة المركب وجوانب الفاعلية على قدرتك على توقّع عواقب جميع العوامل، واتخاذ القرارات وفقاً لها. فإذا كانت هناك عاصفة قوية تقترب منك، هل نحاول أن نحافظ على مسارنا أم نتفادى العاصفة، أم نغيّر مسارنا (وبالتالي إضافة المزيد من الأميال إلى رحلتنا) من أجل تجنّب الطقس؟ من المستحيل أن تتعقّب خطاً مستقيماً من لاس بالماس إلى سانت لوسيا - نحن نتخذ قرارات جديدة في كل دقيقة. إننا نحاول باستمرار إيجاد التوازن بين الوصول بأمان وبسرعة، معتمدين على قدرتنا على توقّع ما سيحدث، والآثار المترتبة على كل استجابة محتملة.

6 - كن على استعداد لتترك الشاطئ يغيب عن ناظريك.
عندما تكون قد قضيت أسبوعاً في البحر، وتتصلّب حبيبات ملح البحر على بشرتك، وما زلت لا ترى وجهتك أمامك، تبدأ بالتساؤل.. «لماذا أقوم بذلك بحق السماء؟»، وغالباً ما يعقبها.. «هل من المهم حقاً الفوز؟» كيف تمنع حدوث ذلك؟ عن طريق إعادة التواصل بقواك وقيمك الخاصة، فأنت تستعيد نشاطك وحيويتك. فمن خلال تذكر كل ما قمت به استعداداً لخوض هذا التحدي، وكيف تعاملت مع مواقف مشابهة في الماضي، فأنت تشعل ذلك الحافز لتقدّم أفضل ما لديك. »

إن أهم درس تعلمته من هذا السباق هو أن الأمر يتطلّب شجاعة لعبور المحيط، لكنه يتطلّب شجاعة أكبر لإنجازه ضمن سياق ضيّق من العلاقات مع الآخرين، وبمشاركة متبادلة وعميقة من التجارب والاحتياجات البدنية والنفسية. وكما قال كريستوفر كولومبوس ذات مرة: «لن تعبر المحيط أبداً حتى تتحلّى بالشجاعة لكي تترك الشاطئ يغيب عن ناظريك».
وفي عالم الأعمال، يمكننا أن نقتبس ذلك إلى ما أبعد من المعنى الحرفي للمكان. فعندما نكون فقط على استعداد لهجر عاداتنا وغرائزنا وأعرافنا الاجتماعية، يمكننا أن نثق في بعضنا البعض بشكل كامل، وأن تجمعنا روابط حقيقية وعميقة كبشر».