لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Sun 9 Oct 2016 06:29 AM

حجم الخط

- Aa +

تحليل: قانون جاستا... هكذا يتم طعن الحلفاء

في قرار مسيس بامتياز، ويهدف أساسا الحصول على تعويضات مالية ضخمة لأهالي ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، أقر مجلس الشيوخ الأمريكي، على الرغم من الفيتو الذي استخدمه الرئيس الأمريكي باراك أوباما، مشروع القانون الذي عرف اختصاراً باسم «جاستا» أي قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب» والذي يضع علاقة الحليفين التقليديين: أمريكا والسعودية على المحك.

تحليل: قانون جاستا... هكذا يتم طعن الحلفاء

في قرار مسيس بامتياز، ويهدف أساسا الحصول على تعويضات مالية ضخمة لأهالي ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، أقر مجلس الشيوخ الأمريكي، على الرغم من الفيتو الذي استخدمه الرئيس الأمريكي باراك أوباما، مشروع القانون الذي عرف اختصاراً باسم «جاستا» أي قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب» والذي يضع علاقة الحليفين التقليديين: أمريكا والسعودية على المحك.

على الرغم من أنه لا يزال من غير المعروف، متى وكيف سيتم تطبيق قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب» وفي الوقت الذي بدأت فيه عائلات ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر، الذي نفذه أعضاء تنظيم القاعدة الإرهابي، بتقديم دعاوى قضائية قانونية ضد عدد من الدول التي جاء منها الإرهابيون، فإن من الممكن القول أن الأبواب فتحت على مصاريعها لتغيير شكل التحالفات السياسية القائمة في عالم اليوم، وبشكل خاص، تلك العلاقة المميزة التي تربط المملكة العربية السعودية، بالولايات المتحدة منذ أكثر من 7 عقود من الزمن.

وعلى الرغم أن من الواضح أن السعودية هي المستهدف الأول بالقانون الأمريكي الجديد، بحجة أن معظم منفذي تلك الهجمات الإرهابية قد جاؤوا منها، أو على الأقل يحملون جنسيتها، فإن من الواضح أيضا أن القانون الجديد قد يطال أمريكا ذاتها كما يطال دولا أخرى، لأنه يفتح الباب أما قيام محامين دوليين بمقاضاة الولايات المتحدة، بسبب حربها على العراق وأفغانستان على سبيل المثال، لا سيما وأن هاتين الحربين قد أدتا إلى قتل ملايين المدنيين.
لقد أطلق المشرعون الأميركيون على القانون الجديد اسم قانون «العدالة ضد رعاة الاٍرهاب» ويعرف اختصارا باسم «جاستا» ويسمح للمحاكم الأميركية بالنظر في قضايا تتعلق بـ «مطالبات ضد أي دولة أجنبية ترتبط بعمل إرهابي».
وكما هو واضح فإن القانون لا يشير صراحة إلى السعودية، التي أقرت لجنة تحقيق أمريكية رسمية بشأن هجمات الـ11 من سبتمبر، أنه لا دور لها في تلك الأحداث، ومع ذلك فإن معظم المحللين يقولون أن القانون الجديد يستهدف السعودية بالدرجة الأولى دون غيرها من الدول على الرغم من أنه يمكن استخدامه لملاحقة ومقاضاة العديد من الدول الأخرى.

 

بنود القانون
يعدل القانون الجديد قانونا آخرصدر في العام 1967 يعطي حصانة لبلدان أخرى من الملاحقة القضائية في الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي سيعطي الحق لأسر ضحايا هجمات الـ 11 من سبتمبر بمقاضاة دول أجنبية في قضايا «الإرهاب». ويسمح القانون الجديد للمحاكم الأميركية بالنظر في قضايا تتعلق بـ «مطالبات ضد أي دولة أجنبية في ما يخص الإصابات، أو القتل، أو الأضرار التي تحدث داخل الولايات المتحدة نتيجة لعمل إرهابي يرتكب في أي مكان من قبل دولة أو مسؤول أجنبي».
ويمكن القانون من رفع دعاوى مدنية ضد أي دولة أجنبية، أو مسؤول أجنبي، في قضايا الإصابات أو القتل أو الأضرار الناجمة عن أي فعل من أفعال الإرهاب الدولي. كما يخول القانون المحاكم الفيدرالية بـ «ممارسة الولاية القضائية الشخصية، وفرض محاسبة لأي شخص يرتكب مثل هذه الأفعال أو يقدم المساعدة، أو يحرض أو يشرع ، في ارتكاب أي عمل من أعمال الإرهاب الدولي ضد أي مواطن أميركي».
وجاء في بند محاسبة الدول الأجنبية ما يلي: «لا يجوز لدولة أجنبية أن تكون في مأمن من اختصاص المحاكم الأميركية في أي قضية من القضايا التي تطالب بتعويضات مالية ضد دولة أجنبية جراء إصابات جسدية لشخص أو ممتلكات أو حوادث قتل تحدث في الولايات المتحدة». وتكون نتيجة أي عمل من أعمال الإرهاب الدولي في الولايات المتحدة. أو أي  عمل من أعمال أي دولة أجنبية، أو من أي مسؤول أو موظف أو عميل لتلك الدولة الأجنبية خلال عمله ضمن نطاق مكتبه أو وظيفته أو وكالته، بغض النظر عن موقع حدوث هذه الأعمال من الدولة الأجنبية.
وتسري التعديلات التي أدخلت على هذا القانون، للإجراءات المدنية «المُعلقة أو التي قد بدأت أو بدأت بعد تاريخ صدور هذا القانون» و»رفع دعوى بالأضرار التي لحقت بالأشخاص أو الممتلكات في أو بعد 11 سبتمبر.

ضربة قاصمة لأوباما
وقد صوت مجلس الشيوخ الأميركي على مشروع القانون، بتاريخ 28 سبتمبر 2016، وبغالبية كبيرة مبطلاً فيتو وضعه الرئيس باراك أوباما على القانون، في قرار هو الأول من نوعه منذ توليه منصبه عام 2008.
وجاء إقرار القانون  بشبه إجماع على الرغم من وجود غالبية من الأعضاء الجمهوريين. فقد صوت 97 من أعضاء مجلس الشيوخ تأييدا لإبطال فيتو الرئيس، مقابل صوت واحد مؤيد لأوباما، هو السناتور هاري ريد، زعيم الأقلية الديموقراطية في المجلس.
ويعد هذاالتصويت النادر، ضربة للرئيس الأميركي الذي لم يرفض له أي فيتو سابقا رغم سيطرة الجمهوريين على الكونغرس. وكان أوباما قد  استخدم حقه الدستوري في ممارسة الفيتو 12 مرة منذ وصوله إلى البيت الأبيض.
ويرى محللون كثر أن أوباما كان واثقا عندما استخدم حق الفيتو، من أن مجلس الشيوخ سيبطله، ومع ذلك قرر المضي قدما في قراره، لكي ينأى بنفسه عن تبعات القانون، ولكي يبرأ نفسه أمام السعودية وقادتها من كل النتائج التي ستترتب على إقراره.

تقويض مبدأ الحصانة للدول
واشار هؤلاء إلى «لا مبالاة البيت الأبيض» وتحديداً امتناع أوباما عن القيام بأي دور قوي لإقناع مجلسي الكونغرس بإلغاء القانون، أو حتى محاولة التوصل إلى تسوية تتعلق بالنص لتخفيفه.
وقال أحدهم إن أوباما لم يكن متحمساً للتدخل بسبب موقفه السلبي من السعودية، كما ظهر من مقابلته الشهيرة مع مجلة أتلانتك، وهي المقابلة التي وجه فيها انتقادات شديدة للسعودية وسياساتها.
ولقد أعرب أوباما عن «تعاطفه العميق» مع ضحايا هجمات 11 سبتمبر، مؤكدا تفهمه لـ «رغبتهم في تحقيق العدالة» حين اتخذ قرار الفيتو، لكنه اعتبر مع ذلك أن هذا القانون «سيكون له تأثير ضار بالأمن القومي للولايات المتحدة».
ويقول البيت الأبيض كذلك أن القانون من شأنه أن يقوض مبدأ الحصانة التي تحمي الدول ودبلوماسييها من الملاحقات القانونية كما انه قد يعرض الولايات المتحدة ذاتها لدعاوى قضائية أمام المحاكم في جميع أنحاء العالم.
وكان أوباما اعتبر في رسالة إلى زعماء الديموقراطيين والجمهوريين في مجلس الشيوخ ان هذا القانون «لن يحمي الأميركيين من وقوع هجمات إرهابية، كما أنه لا يحسن فعالية الرد الأمريكي في حال وقوع مثل هذه الهجمات». لكن المدافعين عن القانون الجديد شددوا على حاجة الضحايا الى تحقيق العدالة وقالوا إن معارضة إدارة أوباما مردها الخوف من إثارة غضب الرياض.
وعلى الرغم من الاستقطاب الحزبي المعروف عن الكونغرس الأميركي، فإن التصويت بأغلبية ساحقة ضد فيتو أوباما، جاء سريعاً وحاسماً، ليشكل بهذا سابقة وتحديا للبيت الأبيض، وليكون أول فيتو يتم نقضه بعد تمكن المجلسين من الحصول على أغلبية ثلثي الأصوات المطلوبة لجعل القرار نافذاً. ولوحظ أن مجلس الشيوخ قرر التصويت عليه بعد أقل من ساعتين على تقديمه. وتبع تصويت مجلس الشيوخ، تصويت آخرلمجلس النواب الذي صوت أيضاً بأغلبية ساحقة بلغت 348 مقابل 77 صوتاً.

سابقة خطيرة
وفي أول رد فعل على التصويت قال أوباما إن نقض الفيتو يشكل سابقة خطيرة، وإن الأمر لا يتعلق بالسعودية أو بعائلات الضحايا، بقدر ما هو متعلق بفتح الأبواب لملاحقه الجنود الأميركيين والعاملين في البعثات الأجنبية في الخارج. وأضاف أن بعض النواب لم يقرأوا حتى تفاصيل القرار قبل التصويت عليه.
وأظهر نقض الفيتو الرئاسي الضعف الكبير الذي يعاني منه الرئيس أوباما، وتخلي أعضاء حزبه الديمقراطي عنه. ويقول أعضاء في الكونغرس إن القرار ليس موجها ضد أي حليف للولايات المتحدة وهو يقاضي حكومات وليس أفراداً، ولكن الضرر وإحراج الرئيس قد تم بالفعل رغم ترك هامش تعديل بعض بنود القرار لاحقاً، وهذا ما يعول عليه البيت الأبيض.
وقال أوباما إن تصويت الكونغرس بإبطال الفيتو «كان خطأ ويمثل سابقة خطيرة» بينما حذرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه) من أن مشروع القانون ستكون له تداعيات جسيمة على الأمن القومي للولايات المتحدة.
وأضاف أوباما خلال مقابلة مع شبكة «سي.أن.أن» الإخبارية «إذا ألغينا فكرة الحصانة السيادية فإن رجالنا ونساءنا من العسكريين حول العالم قد يرون أنفسهم عرضة لخسائر متبادلة»، في إشارة إلى الدعاوى القضائية المحتملة التي قد ترفع بعد إقرار هذا التشريع.

عملية ابتزاز
ويقول مراقبون أنهم لم يفاجئوا بنتيجة التصويت الكاسح في مجلسي الشيوخ والنواب الذي أطاح بـ  فيتو أوباما، بقدر ما فوجئوا بسرعة التصويت لإجهاض الفيتو أولا، وبالأغلبية الساحقة، وغير المسبوقة من الأصوات ضده ثانيا.
ويرى هؤلاء أن ما حدث يكشف حجم الحقد والكراهية الموجودة لدى المشرعين الأمريكيين ضد السعودية، الحليف الأوثق لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط والعالم على مدى أكثر من 70 عاما.
بل وذهب بعضهم للقول أن العلاقة الاستراتيجية بين السعودية وأمريكا والتي تم إرساؤها خلال اللقاء بين العاهل السعودي الراحل الملك عبد العزيز آل سعود، والرئيس الأمريكي تيودور روزفلت على ظهر سفينة حربية في قناة السويس عام 1945 قد انتهت.
لا بل أن بعضهم قال أن السعودية باتت تقف حاليا على حافة عملية ابتزاز أمريكية مالية وسياسية غير مسبوقة، تهدد مبلغا يقارب  750 مليار دولار من الاستثمارات والودائع والأصول المالية السعودية في أمريكا من بينها 119 مليارا سندات خزانة، من الممكن أن يتم وضع اليد عليها وتجميدها، لتعويض ضحايا الهجمات.
من جهتها رأت صحيفة الفايننشال تايمز أن إقرار قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب» من شأنه أن يزيد الضغط على السعودية.  ووصف الكاتبان، جيوفري داير، وسيميون كير، إقرار القانون بأنه بمثابة عملية صد للسعودية. ويرى الكاتبان أن التشريع الأمريكي الجديد ربما يكون جزءا من تغير عميق في علاقات السعودية بأمريكا أولا، وبالغرب ثانياً. على الرغم من أن الرياض لازالت شريكا مهما في مكافحة الإرهاب، وفي الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

خيارات سعودية
وهناك من يرى أن السعودية ستعمد في مواجهة القانون الجديد إلى خيارات عدة أولها سحب استثماراتها وأرصدتها من الولايات المتحدة من أجل حمايتها من المصادرة، أو ربما تعمد إلى تقليص تعاونها مع واشنطن في مكافحة الارهاب.
وعلى رغم ان علاقات البلدين شابها فتور متزايد منذ وصول أوباما الى الحكم مطلع 2009، إلا أن التعاون في مجال مكافحة الارهاب لم يتأثر ببرود العلاقة السياسية.
ويرى محللون أن التعاون الأمني قد يصبح موضع شك، إضافة الى مجالات تعاون أخرى ابرزها المالي والاقتصادي. وبحسب مصطفى العانني، المستشار الأول مدير برنامج الأمن والدفاع ودراسات مكافحة الارهاب في مركز الخليج للابحاث، فان على السعودية تقليص الاستثمارات المالية في الولايات المتحدة، وتقليص التعاون السياسي والامني مع واشنطن.
وكانت تقارير صحافية أشارت سابقا إلى أن السعودية لوحت بسحب مليارات الدولارات من الاستثمارات في الولايات المتحدة في حال اقرار القانون، على رغم ان مسؤولين سعوديين قللوا من أهمية هذه التقارير.

مواقف خليجية
اتسمت ردة فعل السعودية والدول العربية الخليجية الأخرى على القانون بالإعراب عن القلق حيث أكدت المملكة العربية السعودية أن اعتماد القانون  «يشكل مصدر قلق كبير للمجتمع الدولي».
وأوضح وزير الثقافة والإعلام عادل الطريفي في بيان عقب آخر جلسة أسبوعية لمجلس الوزراء السعودي برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز «أن مجلس الوزراء أكد أن اعتماد قانون /جاستا/ في الولايات المتحدة الأمريكية يشكل مصدر قلق كبير للمجتمع الدولي الذي تقوم العلاقات الدولية فيه على مبدأ المساواة والحصانة السيادية وهو المبدأ الذي يحكم العلاقات الدولية منذ مئات السنين». فيما قال ولي العهد السعودي، ووزير الداخلية، الأمير محمد بن نايف إن «بلادنا مستهدفة وسنحصن أنفسنا».
وأضاف الأمير محمد بن نايف في تصريحات نقلتها صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية، أثناء زيارته لتركيا، أن «الاستهداف واضح يختلف ولا يختلف عليه اثنان، ولا نستطيع أن نقول لهم لا تستهدفونا.. لكن المهم أن نحصن أنفسنا قدر الإمكان».
وأشار الى ان هذا القانون «من شأنه إضعاف الحصانة السيادية والتأثير سلبا على جميع الدول بما في ذلك الولايات المتحدة» معرباً عن الأمل بأن تسود الحكمة وأن يتخذ الكونجرس الأمريكي الخطوات اللازمة من أجل تجنب العواقب الوخيمة والخطيرة التي قد تترتب عليه.

حالة من الصدمة
وسبق لدول خليجية أن أعربت عن قلقها من صدور القانون، حيث حذر وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد من أن القانون «سيؤثر سلبا على الجهود الدولية والتعاون الدولي لمكافحة الارهاب».
وحذرت البحرين في تصريحات لوزير خارجيتها، من أن إقرار القانون سيرتد على واشنطن نفسها. وقال وزير خارجيتها خالد بن أحمد الخليفة «ان قانون جاستا، سهم أطلقه الكونغرس الاميركي على بلاده».
ورغم هذه المواقف، بدا المحللون أكثر ترويا لجهة الموقف الذي قد تتخذه السعودية، وما اذا كانت الرياض ستتخذ اجراءات قد تهدد علاقات راسخة  مع واشنطن خاصة وأنها لا زالت في حالة صدمة جراء إقرار القانون.
وقال عبد الخالق عبد الله، المحلل السياسي والأستاذ في جامعة الإمارات «ينبغي أن يكون واضحا لدى الولايات المتحدة وبقية العالم أنه إذا تم استهداف دولة من دول مجلس التعاون بكيفية غير عادلة فإنّ باقي أعضاء المجلس سيدعمونها». وشدد على أن جميع أعضاء المجلس سيساندون المملكة بكل ما يملكونه وبكل الطرق والأساليب.